مات اليمني .. وبقيت الشعارات
أصبح وضع اليمن اليوم أشبه بما كانت عليه القبائل العربية في عصور الجاهلية؛ يوم كانت الغزوات وسيلة لحسم الخلافات، فيغزو القويُّ الضعيف، ويستبيح دمه وماله، ثم يعود إلى قبيلته رافعًا راية النصر، يسوق ما نهبه من ممتلكات الناس، وكأن القوة تمنح المعتدي حقًا في الغنيمة.
والمفارقة أن المعتدي كان يجد دائمًا ما يبرر به فعله، ويمنحه غطاءً أخلاقيًا أو دينيًا، حتى أصبح منطق القوة هو القانون، ومنطق الغلبة هو الشرعية، والقبيلة الأقوى تفرض إرادتها على بقية القبائل والقرى.
للأسف، هذا هو الواقع الذي دفعت إليه اليمن قوى الضلالة والتطرف والظلام، منذ أن تحولت الشعارات التعبوية إلى مشروع للحكم، وأصبح الدم اليمني وقودًا لصراعات لا تنتهي.
فمنذ رفع شعار «الصرخة»، لم يتوقف نزيف اليمنيين، ولم تتوقف دورة الموت والدمار، بينما بقيت الشعارات تتحدث عن مواجهة أمريكا وإسرائيل.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: أين كانت نتيجة كل ذلك على اليمنيين؟
لم يمت الأمريكيون ولا الإسرائيليون؛ الذي مات هو اليمني. ولم تُنهب أموال أمريكا أو إسرائيل؛ الذي نُهبت هي أموال اليمنيين ورواتبهم ومدخراتهم. ولم تُدمَّر بيوت واشنطن أو تل أبيب؛ الذي دُمِّرت هي بيوت اليمنيين ومدنهم ومؤسسات دولتهم.
المشكلة ليست في الشعارات التي تُرفع، بل في النتائج التي يعيشها الناس. وحين يصبح شعار مواجهة الخارج غطاءً لاستباحة الداخل، تتحول القضية من مقاومة إلى سلطة، ومن شعار إلى أداة لإخضاع المجتمع.
اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الغزوات والشعارات، بل يحتاج إلى دولة تُنهي منطق القوة والغلبة، وتحمي دم اليمني وماله وكرامته، وتضع السلاح والقوة تحت سلطة القانون، لا تحت سلطة الجماعة.
* دبلوماسي وسياسي يمني