Logo

وها أنا أكتب من جوف الحلم الذي لم ينكسر

 خذلني الحزب حين استبدل الحبر بالشلليات، وخذلني الحب حين قرر أن يقيم في جسد لا يعرفني، وخذلتني الدولة وهي تشيع وطني في نعش من الإسمنت، كما خذلني الأصدقاء حين ظنوا أن المقهى أوسع من القلب.
لكنني لم أتنازل عن الحلم..
الحلم هو الذي لم يتنازل عني.
***
كل صباح، لا أرمم الكلمات، بل أحررها من الجرح.
ثم أتركها تنزف، تشتعل، تتعالى، كأنها طيورٌ نسيت أنها من ورق، وكأن المعاجم ليست إلا سجونا لغوية، يحرسها خيالُ موظف بائس.
***
أنا لا أداوي المعاني..
أنا أتركها تتمرد، 
وأسمح لها أن تمشي حافية في حقول النار،
أن تعود متأخرة من البارات،
أن تشتمني،
أن تقول "لا" مرتين دون سبب.
***
أنا لا أُصلح، بل أ عبث.
أزرع في وجه العدو وردة، لا لكي يفرح،
بل ليعرف كم هو قبيح أمام الجمال.
وأنا لا أعمل في ترميم اللغة..
بل في نسفها، في تبخيرها في بخور الأمهات، وفي طهارة المقهورين الذين لم يعودوا يحفظون نشيدا سوى الصراخ.
***
حين تغدرني المدينة..
أمشي في أزقتها كأنني الريح،
أفتح أبواب البيوت المهجورة،
أربت على رؤوس الصور القديمة،
أقول لها:
لا عليكِ، كلنا صور مهجورة، ولكننا ما زلنا نحتلم.
***
ولذلك 
أنا لا أكت
أنا أنقّب.
أحفر في باطن اللغة عن كنوز مبللة بالدموع،وعن ضحكة خبأها شاعر في بئر نسيانه، كما عن قصيده قررت أن تعيش بلا قارئ.
***
 طبعا خذلتني كل المؤسسات التي وعدتني بالعدل
لكن القمر ما زال يطل من نافذتي كل ليلة
ويسألني:
هل كتبتَ اليوم شيئا يشبهك؟
وأجيبه:
نعم، لكنني خبأته في صدري، لأن العالم لا يستحقه بعد.
***
أنا فتحي أبو النصر..
أكتب لأن النُباح لا يكفي،
والقهر لا يتقاعد،
والحب يخاف أن يتسكع وحده في الأزقة.
***
صدقوني..
الكلمات التي لا تقول شيئا
هي التي ستصنع المعجزة،
لأنها الوحيدة التي لم تلوثها النوايا.
***
في آخر الليل..
أضع رأسي على وسادة من الصراخ،
وأحلم.
ليس بيقين الحالمين،
بل بعناد الجرحى الذين يعرفون
أن الحلم
آخر ما يسقط منا
حين يُسقطنا العالم.
***
أنا فتحي أبو النصر..
أعد خيباتي مثل قطيع من الماعز الطائر، وأطعمها من دفتر أحلامي، وأغني لها انشودة بلا لحن.
خذلني الحزب، فاستأجرت غيمة وهربت، وخذلني الحب، فكتبت قصيدة على جسد الريح،
وإذ خذلتني الدولة، أنشأتُ حكومة من العصافير،
وإذ خذلني الأصدقاء، زرعت الشوك في مراتب نومي.
لكنّي لم أتنازل عن الحلم..
الحلم هو الكلبُ الأعمى الذي دلني على نوره.
أكتبه في فم الليل
وأعلقه على كتف مجاز مشلول.
حين ينكسر شيءٌ في العالم،
أصفرُّ له بالحلم 
كي يعود كوكبا.
بالتأكيد أنا لا أصلح الكلمات..
أنا أطلق سراحها
لتأكل من يد الله
وتبصق في وجه اللغة.