اثنا عشر عاماً من السيطرة على الدولة… فأين هي الدولة اليوم؟
المشكلة ليست في خصومكم، ولا في العالم الذي يصنّفكم مليشيا مسلحة لا تؤمن بالتعايش والشراكة؛ المشكلة، قبل كل شيء، في سلوككم وبنيتكم السياسية والفكرية، وفي تصوركم للدولة والشراكة وعمل المؤسسات.
على مدى اثني عشر عاماً وأنتم في موقع الحكم، لم تقدموا موازنة واحدة إلى مجلس النواب لإقرارها، بما يتيح للسلطة التشريعية ممارسة دورها في متابعة المال العام، وفق الأبواب والبنود والأصول المالية المعروفة في أي دولة تحترم مؤسساتها.
ثم تتهموا الآخرين بان الرواتب لديهم ويمارسون الحصار على الشعب، بينما بقيت مؤسسات الدولة عاجزة عن أداء وظائفها.
حتى الحكومات التي تشكلونها تبدو أقرب إلى واجهات شكلية منها إلى حكومات تمتلك القرار؛ فالمشرفون هم أصحاب النفوذ الحقيقي، بينما تتحول المؤسسات الرسمية إلى مجرد ديكور إداري.
أما وفدكم المفاوض، الذي تصرون على تقديمه بوصفه «وفداً وطنياً»، فهو في الواقع محصور بشخص لا يحمل صفة رسمية تخوله التفاوض باسم الدولة أو الشعب، وإنما يتحدث بصفته ممثلاً لجماعتكم.
والأكثر إثارة للسخرية أن الحكومة الشكلية التي تعرضت للقصف قبل أكثر من عام لم تستبدلوها بحكومة جديدة، ولم يتغير شيء جوهري في أدائها، لأن المشكلة لم تكن يوماً في الأشخاص أو أسماء الوزراء،
بل في حقيقة أن الحكومة، من الأساس، لا تملك القرار ولا تدير الدولة. فالقرار الحقيقي، كما يبدو من الوقائع، يُدار عبر لوبي غير معلن، بعيداً عن المؤسسات الدستورية والمسؤولية الرسمية.
ومع كل هذا، تريدون من الناس أن يصدقوا أنكم قادرون على بناء دولة!
الدولة لا تُبنى بالشعارات، ولا تُدار بالمشرفين، ولا تُختزل في جماعة أو مكتب أو وفد بلا صفة رسمية. الدولة تُبنى بالمؤسسات، والقانون، والشفافية، والموازنات، والمساءلة، والشراكة الحقيقية.
أما المليشيا، مهما طال عمرها، فلا تتحول تلقائياً إلى دولة. فالمليشيات لا تبني الدول؛ غالباً ما تهدم مؤسساتها أولاً، ثم تطلب من الناس أن يصفقوا لها وهي تضع لافتة «الدولة» فوق أنقاض ما هدمته.
وهذا تحديداً هو ما يراه الناس أمامهم منذ اثني عشر عاماً: سلطة بلا مؤسسات حقيقية، وحكومة بلا قرار مستقل، ووفد «وطني» بلا صفة رسمية، وإدارة للمال العام بلا موازنة منتظمة، ثم مطالبة للجميع بالثقة بأن المشروع القادم سيكون بناء دولة.
بعد اثني عشر عاماً من التجربة، لم يعد المطلوب من الناس أن يصدقوا الوعود؛ المطلوب أن يروا دولة تُدار فعلاً بالمؤسسات، لا جماعة تدير دولة بالوكالة.
* دبلوماسي وسياسي يمني