Logo

"التخدير الدبلوماسي".. كيف يستخدم الحوثيون التفاوض والتصريحات الناعمة لاحتواء الرد

نشر ناطق الحوثيين عبدالسلام فليتة منشورا على صفحته الشخصية بموقع التواصل الاجتماعي (X) قال فيه إن جماعته "لم تغلق باب الحوار والتفاوض"، رابطا عدوان جماعته على مأرب وحضرموت والمخا وتعز وشبوة 

وكذلك بعض المناطق والمؤسسات المدنية والاقتصادية في المملكة العربية السعودية، بمطالبات اقتصادية ومالية الهدف منها تعزيز هيمنتهم على السكان في مناطق سيطرتهم، وسلب الحكومة اليمنية حقها السيادي في إدارة الموانئ البحرية والمطارات والمنشآت الاقتصادية.

إجمالا، التصريح الأخير لفليته، وهو صاحب إمبراطورية اقتصادية أسسها خلال سنوات الحرب، يذكرني بتصريحات مشابهة كان قد أدلى بها في أكثر من محطة وجولة من جولات الحرب خلال أكثر من عقد وفي أوضاع مشابهة لوضعنا اليوم تماما.

من خلال مراجعة سريعة لتصريحات فليتة ورفاقه منذ سطو جماعته على العاصمة صنعاء، يمكن التنبه لنمط حوثي متكرر ساهم في كثير من الأحيان في تمكينهم. 

يصعد الحوثيون عسكريا ويرفعون كلفة المواجهة على الجيش اليمني والتحالف العربي بقيادة المملكة العربية السعودية،

 وبالتزامن أو بعدها مباشرة تقوم العناصر الحوثية التي تنشط دبلوماسيا بتقديم خطاب سياسي يعكس انفتاح الجماعة على السلام والتفاوض، ويغلف مطالبها السياسية والاقتصادية بقالب إنساني ليدفع الوسطاء الدوليون للتعامل معها وتبنيها بل والضغط على الحكومة اليمنية والسعودية من أجلها.

أستطيع وصف هذه السياسة بعملية "التخدير الدبلوماسي". لأن الجماعة تقوم بالسيطرة على الأرض، أو بقصف معسكرات أو منشآت مدنية واقتصادية حيوية في اليمن أو في السعودية مخلفة خسائر بشرية وأضرار مادية كبيرة،

 لكنها في ذات الوقت تقدم فليتة وعبدالملك العجري وحسين العزي للواجهة ليتحدثوا عن السلام والتهدئة والحوار والوضع الإنساني، بما يربك الطرف المستهدف ويحد من استعداده لبناء رد عسكري واسع على عدوان الحوثيين 

وذلك من خلال إعادة تنشيط الوسطاء والضغوط الدولية لمنع أي تصعيد مضاد لعدوان الحوثيين، لاسيما وأدوات الضغط الدولية على الحكومات المعترف بها أكثر مباشرة وفاعلية من قدرتها على إلزام جماعة إرهابية مسلحة غير دولية مثل الحوثيين.

وهنا سأذكر ببعض الأحداث والتصريحات الحوثية المشابهة:

- في الوقت الذي كانت فيه المليشيات الحوثية تقتحم وتنهب مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية في صنعاء (21 سبتمبر 2014)، أجبرت الجماعة القيادات السياسية على توقيع ما سمي حينها "اتفاق السلم والشراكة" تحت مظلة مثقوبة يسمونها "الأمم المتحدة". 

كان من المفترض أن يؤدي هذا الاتفاق إلى إيقاف الحوثيين وعدم تمددهم إلى مناطق ومحافظات أخرى ويعيد ما كان يسمى حينها بـ "العملية السياسية" إلى الواجهة بعد تسليم سلاح الدولة وخروج المليشيات من المؤسسات.

لكن وأثناء ما كانت القيادات الحوثية التي تجلس مع قادة الأحزاب على طاولة واحدة، وتتحدث عن نجاح وهم "اتفاق السلم والشراكة" في تجنيب اليمنيين ويلات الحرب برعاية المبعوث الأممي سيئ الصيت جمال بن عمر، 

كانت المليشيات الحوثية تغزو بقية المناطق اليمنية وتفجر وتنهب منازل المواطنين وتقتلهم وتسحلهم في الشوارع.

وهنا يظهر بوضوح آلية حوثية تتكرر لاحقا.. التقدم الميليشياوي يبتلع المناطق اليمنية ويخلق واقعا جديدا، ثم يأتي الخطاب السياسي المبشر بالسلام وحقوق الإنسان والحوار لتثبيت حالة القوة التي قاموا بفرضها.

- الأسلوب نفسه استخدم أثناء مفاوضات الكويت التي كنت أحد المشاركين فيها كإعلامي مرافقا للفريق الحكومي المفاوض في إحدى الجولات حينها. 

ففي الوقت الذي كانت الأمم المتحدة تجمع الحكومة اليمنية وعصابة الحوثي برعاية كريمة من الأشقاء في الكويت بهدف إنهاء الحرب، قامت جماعة الحوثي بالسيطرة على معسكر العمالقة في عمران وقتلت عددا من الجنود ونهبت السلاح الموجود فيه، 

وقتها علق الفريق المفاوض التابع للحكومة اليمنية مشاركته في المحادثات يوم 1 مايو 2016. 

حرصت حكومتي اليمن والسعودية على اتاحة الفرصة أمام المفاوضات من أجل حقن الدماء وانهاء الحرب من خلال إيقاف أو تجميد العمليات العسكرية،

 لكن في المقابل كان المسار التفاوضي والتصريحات السياسية عن السلام والمشاورات بالنسبة للحوثيين مجرد سلاح آخر يسند نشاطهم العسكري لتخدير الأطراف الأخرى وتحقيق أهداف جديدة على الأرض.

- في 14 سبتمبر 2019، تعرضت منشأتا بقيق وخريص النفطيتان في المملكة العربية السعودية لعدوان من جماعات إرهابية من جهة الشمال لكن الحوثيين أعلنوا مسؤوليتهم عنه، 

وبعد ستة أيام فقط وتحديدا في 20 سبتمبر، أعلن الحوثيون مبادرة "تهدئة" مفادها وقف الهجمات بالصواريخ والمسيرات على السعودية، 

وبلا شك فان التوقيت يشير إلى حرص الحوثيين على منع الطرف الآخر من تنفيذ رد قاسي على عدوانهم، مستغلين حرص الحكومة اليمنية والسعودية على انهاء الحرب بشكل عادل ورفع المعاناة الإنسانية عن اليمنيين.

وهذه هي وظيفة "التخدير الدبلوماسي". بعد رفع مستوى الخطر والضرر، يتم فتح الباب السياسي وتكثيف الحديث عن الوضع الإنساني، بحيث يصبح الطرف المستهدف أمام خيارين..

 إما الرد الواسع الذي يترتب عليه إفشال "فرصة السلام"، أو التفاعل بشكل إيجابي مع مبادرة أو تصريحات الحوثيين وتأجيل الرد على العدوان حرصا على انتزاع أي فرصة يمكن من خلالها إيقاف الحرب في اليمن.

- في 14 يناير 2021، قال عبدالسلام فليتة في تصريح له لوكالة رويترز إن جماعته لن توقف جهودها للوصول إلى السلام بسبب التصنيف الأمريكي، وإن مسؤوليتهم هي الحديث لإنهاء الحرب، وربط أي وقف شامل للنار بحلول إنسانية تشمل الوقود وفتح المطارات والموانئ، 

وبعد فترة قصيرة من هذا التصريح، شن الحوثيون هجوما واسعا على مدينة مأرب، ثم بدأوا سلسلة هجمات بالصواريخ والمسيرات على منشآت اقتصادية سعودية تابعة لشركة أرامكو في 7 مارس. 

واستمر عدوان الحوثيين على مأرب والأراضي السعودية، وهم في ذات الوقت يتحدثون عن السلام والوضع الإنساني في اليمن.

- ويمكن القول إن واقعة مارس 2022 هي المثال الأكثر وضوحا وتأكيدا على سياسة "التخدير الدبلوماسي"، هذا لأن جماعة الحوثي نفذت في 25 مارس عدوانا واسعا استهدف محطة توزيع المنتجات البترولية التابعة لأرامكو في جدة، 

بالإضافة إلى هجمات أخرى في أكثر من منطقة، وفي اليوم التالي أعلن القيادي الحوثي مهدي المشاط "مبادرة سلام" مستخدمين سياسة "التخدير الدبلوماسي" 

وقالوا إنهم سيعلقون الهجمات الصاروخية وبالطائرات لمدة ثلاثة أيام. وكان الهدف كالعادة امتصاص غضب المملكة وإيقاف أي رد قوي ضدهم، مستغلين حرص المملكة العربية الدائم على إنهاء الحرب وإحلال السلام في اليمن. 

- خلال الفترة 14 - 19 سبتمبر 2023، خاضت المملكة العربية السعودية حوارات تفاوضية مع جماعة الحوثي، قيل وقتها إن وفدا حوثيا زار الرياض وبقي فيها لمدة خمسة أيام، 

وبعد أقل من أسبوع وتحديدا في 25 سبتمبر، نفذ الحوثيون هجوما بطائرة مسيرة على قوات بحرينية ضمن قوات التحالف العربي داخل الأراضي السعودية، راح ضحيتها أربعة جنود بحرنيين وأصيب آخرون. 

وفي اليوم التالي مباشرة، قال فليتة لرويترز إن جماعته تؤكد على "أهمية الدخول في مرحلة سلام جاد".

من خلال ما سبق، يمكن التأكيد على أن العصابة الحوثية تنفذ الهجوم، ولأنها تريد منع الشرعية اليمنية والمملكة العربية من الانتقال من مرحلة امتصاص الضربة إلى مرحلة الرد القاسي على العدوان الحوثي،

 تقوم برمي بمثل هذه التصريحات التخديرية التي تشير إلى أن "باب السلام مفتوح" والتي يلتقطها الوسطاء مثل الأمم المتحدة أو عمان وغيرها ثم يبدأون بالضغط على الشرعية والتحالف من أجل إيقاف ردة الفعل،

 ليتحول السؤال إلى كيف نحافظ على فرصة السلام ونمنع الحرب من العودة؟ بدلا من كيف ينبغي الرد على هذا العدوان بشكل قاس يمنع تكراره؟

يُطالب الطرف الذي تعرض للهجوم بضبط النفس حتى لا يُتهم بإفشال الوساطة وجهود السلام، بينما يحتفظ الطرف الارهابي الذي بدأ التصعيد ونفذ العدوان بالمكسب العسكري والمعنوي والدعائي الذي أنتجه. وهذا ما أقصده هنا بعبارة "التخدير الدبلوماسي".

الأسلوب الحوثي المذكور يكاد يتطابق مع نهج إيراني مشابه في الجمع بين التصعيد العسكري وخطاب التهدئة أو "التخدير" مع استمرار العمل في تحقيق الأهداف العسكرية. 

ففي مارس 2026، وبعد أن تعرضت السعودية والإمارات وقطر والكويت والبحرين لهجمات إيرانية بالصواريخ والمسيرات، خرج الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان معتذرا لدول الجوار المتضررة 

كما أكد وزير الخارجية عباس عراقجي استمرار اتصالاته مع السعودية، وقد تكرر هذا المشهد لأكثر من مرة خلال الثلاثة الأشهر الماضية. وهي المعادلة ذاتها. اضرب ميدانيا بقوة، ثم استخدم خطاب الأخوة والسلام والدبلوماسية لاحتواء رد فعل خصمك.. وهكذا. 

  * صحفي وكاتب يمني