Logo

أربعون دقيقة من النار في بلدٍ يأكل الجوع أبناءه

 شاهدت الليلة سماء صنعاء.
لم تكن سماءً بالمعنى المعتاد.
كانت شاشة عملاقة من الضوء الأخضر، تتخللها ألسنة النار وانفجارات الألعاب النارية، فيما كانت المدينة ومحافظات أخرى تحتفل، استعداداً لذكرى المولد النبوي الشريف التي تقام فعالياتها المركزية غداً.
أربعون دقيقة ـ بحسب ما عايشناه في صنعاء ـ والسماء لا تكاد تهدأ.
قوارح، ألعاب نارية، أضواء، دخان، ألوان، ومشهد احتفالي ضخم.
ولا مشكلة عندي مع الفرح.
ولا مع المولد.
ولا مع أن يفرح اليمنيون برسول الله صلى الله عليه وسلم.
ولا حتى مع أن يختلف الناس في طريقة إحياء هذه المناسبة.
المشكلة في شيء آخر تماماً.
المشكلة في السؤال الذي يفسد على المشهد بريقه:
ما معنى أن تتحول سماء بلدٍ جائع إلى مهرجان من النار والضوء، بينما يتحدث المسؤولون أنفسهم عن مجتمع يطحنه الجوع؟
هنا تبدأ السياسة.
وهنا ينتهي الاحتفال بوصفه مجرد احتفال.
---
لنضع المسألة على طاولة العقل، بعيداً عن الانفعال.
لدينا مقدمة أولى لا تكاد تحتاج إلى جدل:
اليمن يعيش أزمة اقتصادية وإنسانية قاسية.
ولدينا مقدمة ثانية:
مئات الآلاف من موظفي الدولة في مناطق سيطرة سلطة صنعاء عاشوا سنوات طويلة من انقطاع الرواتب أو اضطرابها وصرفها بصورة جزئية ومتقطعة، منذ نقل البنك المركزي وانقسام المؤسسات المالية.
ولدينا مقدمة ثالثة، وهي الأهم:
زعيم الجماعة نفسه تحدث علناً بخطاب متلفز بث قبل شهر ونيف عن اتساع رقعة الجوع، وعن مواطنين لا يجدون إلا وجبة واحدة في اليوم، بل وعن أكل أوراق الشجر في بعض الحالات.
ولدينا مقدمة رابعة:
الخطاب السياسي نفسه يقول إن سبب الأزمة هو الحصار، وإن معالجتها مرتبطة بانتزاع الحقوق والمرتبات، بل إن الخطاب العسكري ذهب إلى معادلات من قبيل «الحصار بالحصار» و«المطار بالمطار».
حسناً.
إذا كانت هذه هي المقدمات…
فما النتيجة المنطقية؟
هل تكون النتيجة أن نضاعف الاستعراض؟
هل يكون الحل السياسي للجوع هو إضاءة الجبال؟
هل تكون معركة المرتبات هي زيادة عدد الألعاب النارية؟
هل أصبح الراتب المتأخر أكثر قابلية للصرف بعد أن أضاءت السماء؟
هل يستطيع الجائع أن يشبع بمجرد أن يرى المدينة خضراء؟
هذه ليست سخرية من المناسبة.
هذه سخرية من التناقض.
والفرق بين الاثنين كالفرق بين نقد الطبيب للدواء ونقده للمريض.
---
هناك من سيقول لك فوراً:
«كيف تنتقد المولد؟»
وهذه ليست حجة.
هذه مصادرة على المطلوب.
أنا لم أنتقد المولد.
أنا أنتقد اقتصاديات الاستعراض في مجتمع فقير.
لم أقل للناس: لا تفرحوا.
قلت فقط:
إذا كان الفرح يحتاج إلى كل هذا الضوء، فليكن السؤال مشروعاً:
لماذا لا يكون الإنسان نفسه هو أول شيء مضيء في هذه المناسبة؟
لماذا لا يكون أكبر احتفال بإطعام جائع؟
لماذا لا تكون أكبر زينة في بيت أرملة؟
لماذا لا تكون أعظم فعالية تسديد دين فقير؟
لماذا لا تكون الألعاب النارية الأخيرة في السماء، بينما تكون أولوياتنا في الأرض؟
فإذا كان المقصود من المناسبة استحضار الرحمة والتكافل والأخلاق، فإنني لا أفهم لماذا ينبغي أن يكون التعبير عنها أكثر كلفة وإبهاراً من القدرة على إعانة المحتاج.
---
والأغرب من ذلك أن الخطاب السياسي نفسه يعترف بالجوع.
وهنا تقع المفارقة التي تستحق أن تُكتب بماء النار:
حين يكون الجوع سببه ـ وفق الرواية الرسمية ـ الحصار الخارجي، فإن السلطة التي تعترف بهذا الجوع تصبح مطالبة أخلاقياً بأن تكون شديدة الحساسية تجاه كل ريال يُنفق في غير الضروريات.
هذا ليس اتهاماً.
هذه قاعدة بدائية في إدارة الموارد:
عندما تكون الموارد شحيحة، تتقدم الضرورات على الكماليات.
وعندما يكون الناس في أزمة، تصبح الأولويات أكثر أهمية من الشعارات.
وعندما يكون المجتمع جائعاً، يصبح البذخ السياسي استفزازاً حتى لو كان مقصوده الاحتفال.
وهذه القاعدة لا تخص سلطة صنعاء وحدهم.
بل تخص كل سلطة في اليمن.
من صنعاء إلى عدن.
ومن حضرموت إلى تعز.
ومن مأرب إلى الحديدة.
أي سلطة تنفق على الاستعراض بينما مواطنوها يبحثون عن الخبز، تستحق السؤال نفسه.
لا استثناءات.
---
لكن هناك مفارقة أكثر عمقاً.
إذا كان الحصار هو سبب الجوع، فلماذا يبدو أن لدينا قدرة هائلة على تمويل مظاهر الاحتفال، وعجزاً مزمناً عن تمويل حياة المواطن؟
وإذا كانت الموارد شحيحة إلى هذا الحد، فمن أين جاءت القدرة على تحويل مدن كاملة إلى لوحات ضوئية؟
وإذا كانت الحرب تستنزف كل شيء، فلماذا لا تستنزف هذه الحرب أيضاً ميزانية الاستعراض؟
وإذا كانت الأولوية هي «انتزاع المرتبات»، فلماذا لا نرى هذه الأولوية في بنية الإنفاق نفسها؟
هذه أسئلة لا تحتاج إلى خصومة سياسية.
تحتاج فقط إلى آلة حاسبة وضمير.
---
ثم يأتي السؤال الأخطر:
هل الاحتفال هنا احتفال ديني فقط؟
أم أنه أصبح أيضاً أداة من أدوات السياسة؟
لأن السلطة الحديثة لا تكتفي بإدارة الاقتصاد والجيش والإدارة.
إنها تدير الصورة أيضاً.
تضيء المدينة.
تملأ الساحات.
تنظم الحشود.
تستخدم الشاشات.
تنتج المشهد.
ثم تقول للمواطن:
انظر إلى قوتنا.
انظر إلى قدرتنا على التنظيم.
انظر إلى حجم الحضور.
انظر إلى السماء.
لكن المواطن الجائع ينظر إلى شيء آخر:
إلى ثلاجته.
إلى جيبه.
إلى راتبه.
إلى كيس الدقيق.
إلى سعر الدواء.
إلى وجه طفله.
وهنا تتصارع صورتان:
صورة السلطة عن نفسها…
وصورة المواطن عن حياته.
---
إن السلطة تستطيع أن تنتج صورة جميلة عن الواقع.
لكنها لا تستطيع أن تطعم المواطن بصورة.
ولا تستطيع أن تدفع له راتبه بصورة.
ولا تستطيع أن تعالج مريضاً بصورة.
ولا تستطيع أن تسدد ديناً بصورة.
ولا تستطيع أن تمنع طفلاً من النوم جائعاً بصورة.
الصورة لا تُشبع.
الصورة لا تُداوي.
الصورة لا تُعيد الراتب.
الصورة لا تبني اقتصاداً.
الصورة فقط تجعل الفقر يبدو أكثر إضاءة.
---
ولذلك فإن أكثر ما أثار انتباهي في هذه الأربعين دقيقة ليس لون السماء.
بل لون المفارقة.
السماء خضراء.
والأرض مثقلة بالجوع.
الجبال مضيئة.
والبيوت مطفأة.
الألعاب النارية تصعد إلى السماء.
والمرتبات لا تصعد إلى أصحابها.
القوارح تدوي.
وصرخة «أنا جائع» تدوي في مواقع التواصل.
فأي الصوتين ينبغي أن نسمع؟
صوت السماء؟
أم صوت الإنسان؟
---
وأنا هنا لا أحتاج إلى تبني كل مقطع فيديو يظهر فيه شخص يقول «أنا جائع».
فبعض ما ينشر في وسائل التواصل يحتاج إلى تحقق.
لكنني لا أحتاج أصلاً إلى هذه المقاطع حتى أفهم حجم المأساة.
يكفيني أن تقارير مستقلة حديثة تتحدث عن اتساع انعدام الأمن الغذائي، وأن مشاهد حقيقية وثقتها الصحافة الدولية أظهرت يمنيين اضطروا إلى جمع أوراق الشجر لإطعام أطفالهم.
هذه ليست دعاية حزبية.
هذه مأساة إنسانية.
---
وهنا أقول للذين سيهاجمون أي نقد للاحتفال:
لا تستخدموا رسول الله "ص"درعاً ضد السؤال.
رسول الله أكبر من أن يتحول إلى حصانة سياسية.
ومحبة الرسول لا تعني تعطيل العقل.
والاحتفاء بسيرته لا يمنح أي سلطة حصانة من النقد.
بل ربما كان العكس هو الأقرب إلى روح المناسبة:
أن نسأل أنفسنا:
هل الرحمة موجودة في طريقة إنفاقنا؟
هل العدل موجود في توزيع الموارد؟
هل الجائع في حساباتنا؟
هل الموظف الذي لم يتقاض راتبه في مقدمة أولوياتنا؟
هل الفقير جزء من الاحتفال، أم مجرد متفرج عليه؟
---
هناك شيء ساخر في المشهد كله.
أربعون دقيقة كاملة من الألعاب النارية.
أربعون دقيقة من النار.
أربعون دقيقة من الضوء.
وفي بلدٍ يعيش فيه الإنسان أحياناً أياماً يبحث فيها عن وجبة.
وهنا أقترح أن نعيد تعريف الألعاب النارية في اليمن:
ليست هي التي تطير في السماء.
الألعاب النارية الحقيقية هي تلك التي تطير من جيب المواطن كل يوم:
سعر الخبز.
سعر الدواء.
سعر الإيجار.
سعر المواصلات.
سعر كل شيء.
تلك هي الألعاب النارية التي لا تتوقف أربعين دقيقة.
تلك مستمرة منذ سنوات.
لكنها للأسف لا تُرى من شاشات الاحتفال.
---
إذا كانت السلطة عاجزة عن دفع الرواتب بسبب الحصار، فهذه مأساة.
وإذا كانت قادرة على الإنفاق على الاستعراض بينما تقول إن الناس جائعون، فهذه مشكلة أولويات.
وإذا كان جزء من الموارد يذهب إلى الحرب، فهذه كارثة.
وإذا كانت الحرب نفسها تُقدَّم باعتبارها الطريق إلى انتزاع الرواتب، بينما تستمر الحرب في استنزاف الاقتصاد، فنحن أمام مفارقة تستحق السؤال:
هل نحارب الفقر…
أم نحارب الفقر بالفقر؟
---
الوطن ليس بحاجة إلى أن تثبت له السلطة أنها قادرة على إضاءة السماء.
الوطن بحاجة إلى أن تثبت أنها قادرة على إضاءة حياة الناس.
فليكن المولد مناسبة للفرح، نعم.
ولكن ليكن أيضاً مناسبة للمراجعة.
ولنقلها بلا خصومة ولا تكفير ولا تخوين:
إذا كان في اليمن جائع، فذلك أهم من أي لعبة نارية.
إذا كان في اليمن موظف بلا راتب، فذلك أهم من أي شاشة عملاقة.
إذا كانت أسرة لا تجد وجبة، فذلك أهم من أي إضاءة خضراء.
وإذا كان المواطن يصرخ:
«أنا جائع»
فليس من الحكمة السياسية ولا من الأخلاق الدينية أن نجيبه:
«انظر إلى السماء… إنها مضيئة».
لأن المواطن لا يعيش في السماء.
المواطن يعيش على الأرض.
والأرض هي التي يجب أن تضيء أولاً.
أما السماء…
فستظل واسعة بما يكفي لكل الألعاب النارية.
لكن معدة الجائع ليست واسعة.
ولا تحتمل أربعين دقيقة أخرى من الانتظار.
الخلاصة:
لا أحد يعترض على أن يفرح الناس.
الاعتراض على أن يتحول الفرح إلى استعراض، والاستعراض إلى معيار قوة، بينما يُطلب من الجائع أن يعتبر مجرد رؤية السماء المضيئة بديلاً عن الخبز.
فالسلطة التي تستطيع أن تجعل سماء صنعاء تشتعل أربعين دقيقة، ينبغي أن تكون قادرة ـ أخلاقياً وسياسياً ـ على الإجابة عن سؤال أبسط بكثير:
لماذا لا تستطيع أن تجعل حياة اليمني أقل اشتعالاً؟