Logo

تركيا في الأزمة اليمنية

 فرضت التوتّرات الجيوسياسية وضغط المصالح حضوراً تركياً نشطاً تمثّل بانضواء تركيا في تحالف إسلامي - سنّي بمعية السعودية وباكستان. 

ومع صعوبة التكهّن بالدور التركي في هذا التحالف ونتائجه على المعادلة الإقليمية، فإنّ من المهمّ التطرق إلى حضور تركيا في الصراع اليمني، في ضوء تحالفها مع السعودية، وأبعاد تجربتها التاريخية في اليمن، وكذلك أدواتها بوصفها دولة نفوذ إقليمي، وتحدّياتها العملياتية في الواقع اليمني.

عملياً، تتركّز السياسة التركية في نهج براغماتي يحدّد تحالفاتها، وكذلك تدخّلاتها في بلدان الحروب، ويستند إلى المعطى الهُويّاتي الإسلامي في قالبه السُّنّي، وتمكين جماعة الإخوان المسلمين أذرعَ نفوذ عابرة للحدود الوطنية، إلى جانب استعادة إرثها الإمبراطوري. 

وفي سنوات الحرب في اليمن، ومع تدعيمها حزب التجمّع اليمني للإصلاح قوّةَ نفوذ موالية لها، تبنّت تركيا سياسةً حياديةً تتلاءم مع مصالحها الاستراتيجية، وفي مركزها تعقيدات الحالة السورية ومفاعيل الدور الإيراني، ونتائج السياسة العدائية الإماراتية تجاه جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة، بما في ذلك حزب الإصلاح في اليمن،

 وكذلك التنافس مع السعودية على زعامة العالم السُّنّي، إلى جانب الاستفادة من اقتصاد الحرب في اليمن، 

إذ ظلّت تركيا رئة الظلّ الاقتصادية العابرة للصراع، من اقتصاد وكيلها المحلّي إلى اقتصادَي إيران وجماعة الحوثي.

إلّا أنّ ارتدادات الحرب الإسرائيلية على غزّة، وكذلك الصراع الأميركي - الإيراني، وتمدّد الكيان الإسرائيلي في سورية ما بعد الأسد، فرضت على تركيا واقعاً إقليمياً جديداً من جرّاء حدّة المخاطر والتهديدات التي تواجهها، تمثّل بصعود القوّة الشيعية العسكرية في معادلة تحجيم آلة الردع الإسرائيلية وتصدّرها معسكر الجهاد الإسلامي، 

ما أدّى إلى تصاعد نفوذَي إيران، السياسي والديني، مقابل انكفاء القوى السُّنّية والدولة الراعية لها، أي تركيا، إلى جانب تضاعف ضغط إسرائيل على حلفاء تركيا في الساحة السورية، فضلاً عن ارتدادات الصراع الأميركي - الإيراني على مصالحها الاقتصادية،

 وهو ما استوجب تحقيق تقاربات مع السعودية في السياسات الإقليمية، من الأزمة السودانية إلى الأزمة اليمنية، ومن ثمّ البناء على هذه التحوّلات لموازنة مصالحها من خلال تحالف إقليمي سنّي للضغط على إسرائيل من جهة، ومواجهة تهديدات إيران ووكلائها بمن فيهم جماعة الحوثي، من جهة أخرى.
 
من زوايا عديدة، يشكّل الحضور التركي في اليمن متغيّراً لافتاً في المشهد السياسي والعسكري، وإن جاء في سياق تحالفها مع السعودية، إلّا أنّه يمكن استكناه ارتداداته بدءاً بسردية الصراع، مروراً بالوضع العسكري للفاعلين، وصولاً إلى الممكنات التي يتيحها التحالف التركي - السعودي في تحسين شروط وكلائهم، سواء أبعاد التجربة العثمانية في اليمن أو التجربة التركية في سورية إبّان نظام بشّار الأسد وما بعده.

 فمن جهة، دفع الحضور التركي إلى تأطير الصراع اليمني في إطار طائفي، وإن على الصعيد الإعلامي، إلّا أنّه خطاب أيديولوجي أدارته تركيا في الحرب الأهلية السورية، وحقّق نجاحاً في بلورة عقيدة دينية مقاتلة ضدّ حلفاء إيران.

 كذلك فإنّه، بموازاة تحوّل تركيا إلى دولة مزوّدة للترسانة العسكرية السعودية، ما يعني إعادة موازنة معادلة صراعها مع إيران، بما في ذلك تنامي قدرتها الدفاعية لتعطيل هجمات جماعة الحوثي على العمق السعودي،

 أفضت التغذية العسكرية المرتدّة بموجب التحالف الإقليمي إلى تحسين القدرة العسكرية والدفاعية لوكلاء السعودية في اليمن، تمثّل بالدور الحاسم لمسيّرات "بيرقدار" التركية، وكذلك الطائرات الانقضاضية التي ألحقت بمقاتلي الجماعة خسائر فادحة في الجبهات المحلّية.

وفي ما يخصّ استراتيجية تأمين حرّية الملاحة في البحر الأحمر، يدفع الحضور التركي إلى تحسين مستويات الردع، سواء بالاستفادة من قدراتها البحرية لتعطيل تهديدات الجماعة للسفن السعودية، أو إسناد قواعدها العسكرية في القرن الأفريقي لمواجهة الجماعة، وكذلك النفوذ الإسرائيلي في البرّ الصومالي،

 إضافة إلى توظيف عضويتها في حلف شمال الأطلسي (ناتو) لكسر معادلة الحصار بالحصار التي تبنّتها الجماعة.
 
وعلى صعيد المعركة البرّية في اليمن، ومع أنّ التدخّل البرّي يقتصر على القوات الباكستانية، إلّا أنّه إن قرّرت السعودية شنّ حرب برّية واسعة، فإنّها قد تعوّل على الخبرة التركية، خصوصاً في شمال الشمال، أي في النطاقات الجغرافية الموالية للجماعة. 

بيد أنّ الأهمّ هنا، في ما يخصّ مفاعيل التحالف التركي - السعودي، هو الاستفادة من تجربتها السورية، من ترتيب جبهة سُنّية محلّية موحّدة، إلى استنساخ إدارة المسألة الكردية وتوظيفها لتحجيم الجماعة.

تكتسب التجربة التركية - السورية أهمّيةً مركزيةً من خلال تعويل الحلفاء والوكلاء على أن يؤدّي تحالفها مع السعودية إلى تحسين إدارة الحرب في اليمن واستنساخ مكاسب التجربة التركية على الأرض، 

إذ لم تقتصر تركيا في تعاطيها مع الشأن السوري على تقديم الدعم العسكري لحلفائها ضدّ نظام الأسد وإيران، بل عملت لتوحيد الجبهات العسكرية السُّنّية، 

على الرغم من تعدّد أطيافها ومرجعياتها الأيديولوجية، من "الإخوان المسلمين" إلى الجماعات الراديكالية مثل تنظيمَي القاعدة والدولة الإسلامية (داعش)، إضافة إلى جبهة النصرة،

 وقد نجحت تركيا في احتواء تنافساتها وصراعاتها البينية، ومن ثمّ توحيدها تحت مظلّتها، ما مكّنها من كسب المعركة ضدّ نظام الأسد في فترة قصيرة.
 
وفي السياق نفسه، تأتي فعّالية التجربة التركية - السورية في إدارة المسألة الكردية. فمع أنّ الفصائل الكردية كانت قوّةً رئيسةً في معركة إسقاط النظام، 

فقد ركّزت تركيا على مقاربة المسألة الكردية من منطلق مصالحها أوّلاً، باعتبارها مصدر تهديد بالنسبة إليها، فتولّت استهدافها عسكرياً في شمال سورية وتحييدها، مقابل الاعتماد على وكلائها في السلطة لخوض معركة موازية ضدّها، إلى جانب تفكيك المسألة الكردية عسكرياً وسياسياً في مرحلة ما بعد الأسد.

ومع تباين الوضع اليمني عن السوري، من جهة الخريطة المجتمعية والسياسية، وكذلك مفاعيل الطائفة، وكذلك بنية القوى العسكرية ومشاربها الفكرية، فإنّ رمزية الحضور التركي في الوضع اليمني تتركّز في المستوى العقائدي والسياسي، 

أي في انعكاسه على القوى الإسلامية المنضوية في الجيش، من حزب الإصلاح، أي "الإخوان المسلمين"، إلى القوّة السلفية بمختلف تلويناتها، إذ قد يدفع الحضور التركي إلى خفض تنافساتها، أو على الأقلّ تعطيلها وقتاً. 

وكذلك، فإنّ نقطة التقاطع بين جماعة الحوثي والمسألة الكردية، وفق التجربة التركية، هي تمكين الوكلاء من ردعها والتدخّل فقط في حالة تهديدها لحدودها، وأيضاً العمل في تفكيك الجماعة من داخلها.

في اليمن وفي الإقليم، التحالف قائم على تقنين التوتّرات الجيوسياسية لا معالجتها، وكذلك الحفاظ على المصالح، وإن أتى بصبغة إسلامية، فإنّه لا يردم الهوّة بين التناقضات العميقة بين الحلفاء، ولا يوحّد أهدافها.

 وفي حالة تركيا، داخل الحلف أو خارجه، يكشف بنك الأهداف الأزمة التركية العميقة، بما في ذلك تناقضاتها، من هيمنة هُويّتها الإسلامية واستعادة إرثها الإمبراطوري معطىً استراتيجياً،

 وصولاً إلى الحفاظ على علاقتها الأمنية والسياسية بأميركا، إلى جانب التخلّي عن هُويّتها الإسلامية مقابل موضعة الخطر الإسرائيلي في بُعد أحادي، أي تأثيره في نفوذها في سورية. 

كذلك إنّ تماسّ مصالحها مع إيران على الصعيد الاقتصادي يجعل تحالفها مع السعودية خاضعاً للمكاسب، وبالطبع الأضرار، فضلاً عن أنّ هذا النهج البراغماتي يعوق إمكانية خلق حلف استراتيجي يعزّز الأمن الإقليمي ويحقّق أهداف المتحالفين.

رمزية الحضور التركي في الوضع اليمني تتركّز في المستوى العقائدي والسياسي، أي في انعكاسه على القوى الإسلامية في الجيش

وفي السياق، التحالف التركي - السعودي - الباكستاني، وإن هدف إلى مأسسة جبهة سُنّية إقليمية لمواجهة إيران ووكلائها، يعكس توتّرات مُعلَنة ومُضمَرة. 

في المستوى الأوّل: تنافس تركي - باكستاني في مجالات الاستفادة اقتصادياً من السعودية، بما في ذلك تسليح منظومتها العسكرية. 

وفي مستوى ثانٍ: توتّر تركي - سعودي حيال إدارة معادلة النفوذ، فمع انضوائها في حلف تتزعمه السعودية، فإنّ ذلك يعني قبول تركيا بتصدّر السعودية واجهة الحلف، لا زعامة العالم السُّنّي، 

إذ إنّ ذلك لا يلغي أوهام الزعامة المتأصّلة في الذهنية التركية التي تنهل من عمق أسطوري لإمبراطورية إسلامية كانت تحكم الإقليم، بما في ذلك الأراضي السعودية، فضلاً عن التباين في مقاربة جماعة الإخوان المسلمين في المنطقة ومخاوف السعودية من تمكينها في اليمن.

ومن جهة ثانية، التعويل على الحضور التركي لتوحيد الجبهة العسكرية السُّنّية اليمنية يتجاهل طبيعة بنيتها المتشظّية، وكذلك حساباتها وقيودها، سواء حزب الإصلاح أو الجماعات السلفية الموالية للسعودية، بما يتضمّنه ذلك من مستويات من التنافسية بينها من جهة، وبين داعميها الإقليميين من جهة أخرى. 

يضاف إلى ذلك اختلاف المشكلة الحوثية عن المسألة الكردية هُويّاتياً وتاريخياً وسياسياً أيضاً، وهو ما يقوّض إمكانية إيجاد معالجة متماثلة.

وفي واقع كهذا، قد يقتصر النشاط التركي في اليمن على تزويد الحليف والوكلاء بآلة الحرب والاستفادة الاقتصادية، ومن ثمّ عدم التورّط مباشرةً في المستنقع اليمني، إذ تدرك تركيا، ربّما أكثر من غيرها من المتدخّلين، مخاطر بيئة متقلّبة لا يمكن ضبطها أو التكهّن بحسابات قواها المتصارعة.

* كاتبة وناشطة يمنية