من الحديدة إلى باب المندب.. استوكهولم وأزمة القرار في الحرب اليمنية
ليس سقوط المخا، في ذاته، هو الخبر الأخطر.
الأخطر أن الجغرافيا اليمنية، بعد سنوات من الحرب والمراوحة، بدأت تعيد ترتيب السؤال كله.
فحين تنتقل المعركة من مدينة إلى أخرى، يمكن أن يكون الأمر مجرد تبدل في خطوط التماس.
أما حين تنتقل من البر إلى البحر، ومن السيطرة على المدن إلى الاقتراب من الممرات البحرية الدولية، فإننا لا نكون أمام تبدل عسكري عابر، بل أمام انتقال في طبيعة الصراع نفسه.
وما جرى اليوم على الساحل الغربي يفرض علينا أن نتوقف عن قراءة الحرب اليمنية بوصفها مجرد معركة بين قوتين تتبادلان التقدم والتراجع.
لقد أصبح السؤال أكثر قسوة:
من يملك قرار الحرب؟
ومن يملك قرار التراجع؟
ومن يملك قرار التفاوض؟
ومن يملك، قبل ذلك كله، القرار اليمني نفسه؟
---
المخا ليست مجرد مدينة.
المخا عقدة جغرافية تقع على أحد أهم أجزاء الساحل الغربي، ولذلك فإن خسارتها لا تُقاس بعدد الكيلومترات التي انتقلت من يد إلى يد، وإنما بموقعها داخل منظومة السيطرة على الساحل الممتد من الحديدة جنوباً إلى باب المندب.
والأخطر أن التطورات الأخيرة لم تتوقف عند المخا، بل رافقها تقدم خوثي باتجاه جزر حنيش، فيما تتجه القوات المناوئة للخوثيين جنوباً نحو ذباب، المنطقة المقابلة تقريباً لباب المندب وجزيرة ميون.
وهنا تبدأ الجغرافيا بالكلام.
فباب المندب ليس قرية يمنية أخرى يمكن أن تسقط ثم تُستعاد في اليوم التالي.
إنه أحد الممرات البحرية الأكثر حساسية في العالم، والطريق الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ويكتسب أهميته من علاقته بحركة التجارة والطاقة عبر قناة السويس.
لذلك فإن الاقتراب من باب المندب ينقل الحرب اليمنية من سؤال «من يسيطر على الساحل؟» إلى سؤال أكبر:
من يستطيع التأثير في حركة البحر؟
ومن يستطيع استخدام الجغرافيا اليمنية كورقة في الصراع الإقليمي؟
ومن يستطيع أن يجعل اليمن جزءاً من معادلة أمن الطاقة والتجارة العالمية؟
وهنا تحديداً يصبح سقوط المخا أكثر من هزيمة ميدانية.
إنه اختبار لجودة القرار الاستراتيجي في المعسكر المناوئ للخوثيين.
---
لكن لكي نفهم ما حدث اليوم، علينا أن نعود إلى الحديدة.
ليس إلى الحديدة بوصفها مدينة، وإنما إلى الحديدة بوصفها المثال الأكثر وضوحاً على المعضلة اليمنية كلها.
في معركة الساحل الغربي خلال 2018 و2019، دفعت القوات المناوئة للخوثيين ثمناً بشرياً وعسكرياً كبيراً، وتقدمت جنوب الحديدة وشمالها، وبلغت خطوط القتال مواقع استراتيجية جعلت المعركة تقترب من قلب المدينة ومن مينائها.
كان المشهد العسكري يومها مختلفاً جذرياً عن مشهد اليوم.
كانت المبادرة في الساحل الغربي بأيدي القوات المهاجمة.
وكان الخوثيون في وضع دفاعي صعب، وانكمشت خطوطهم، وأصبح ميناء الحديدة ومدينة الحديدة نفسيهما تحت ضغط عسكري مباشر.
ثم جاء العامل الذي طالما غاب عن قراءة الحرب اليمنية:
العامل الدولي.
لم تكن معركة الحديدة مجرد مواجهة عسكرية يمنية.
كانت المدينة قد تحولت إلى عقدة إنسانية وسياسية ودولية، وتصاعد الضغط الغربي والدولي لوقف القتال ومنع اقتحام المدينة والميناء.
ثم جاءت مشاورات السويد، وولد اتفاق استوكهولم.
ومن المهم هنا أن نكون دقيقين.
استوكهولم لم يكن مجرد أمر أمريكي أو بريطاني مكتوباً ثم فُرض حرفياً على اليمنيين؛ بل كان اتفاقاً بين أطراف يمنية برعاية الأمم المتحدة، وتضمن وقف إطلاق النار في الحديدة وإعادة انتشار متبادلة للقوات من المدينة والموانئ، مع آلية أممية للمراقبة والتنفيذ.
هذه الحقيقة لا تلغي شيئاً من أثر الضغط الدولي.
بل تجعل السؤال أكثر عمقاً:
إذا كان الطرف الذي يملك المبادرة العسكرية قد قبل بتجميد تلك المبادرة وإعادة الانتشار، فمن كان يملك القرار الاستراتيجي النهائي؟
---
هنا تظهر المشكلة التي أراها أخطر من خسارة معركة أو سقوط مدينة.
مشكلة «السيادة على القرار السيادي الوطني».
قد تمتلك قوة عسكرية آلاف المقاتلين.
وقد تمتلك المدفعية والصواريخ والطائرات المسيّرة والدعم اللوجستي.
وقد تحقق انتصارات متتالية في الميدان.
لكن كل ذلك لا يعني بالضرورة أنك تملك القرار.
فالسيادة، في معناها السياسي الحقيقي، ليست أن تمتلك البندقية.
السيادة أن تملك قرار استخدام البندقية، وقرار إيقافها، وقرار تحديد مكان المعركة، وقرار توقيت الحرب والسلام، وأن تكون مستعداً لتحمل النتائج المترتبة على القرار.
وهنا تحديداً تبرز المفارقة اليمنية.
المعسكر المناوئ للخوثيين لم يكن يفتقر إلى القوة العسكرية.
بل كان يفتقر ــ وما يزال ــ إلى مركز وطني واحد يستطيع تحويل هذه القوى المتعددة إلى إرادة استراتيجية واحدة.
---
فلننظر إلى تركيب هذا المعسكر.
هناك الحكومة المعترف بها دولياً.
وهناك مجلس القيادة الرئاسي.
وهناك قوات طارق صالح في الساحل الغربي.
وهناك ألوية العمالقة.
وهناك تشكيلات عسكرية وأمنية جنوبية مختلفة.
وهناك قوات ترتبط بصورة أو بأخرى بمراكز نفوذ محلية وقبلية وسياسية متعددة.
وفوق هذه الخريطة اليمنية المعقدة توجد خريطة أخرى:
السعودية.
الإمارات.
الدعم العسكري واللوجستي والاستخباراتي والسياسي.
وهنا لا يصح أن نقفز إلى النتيجة السهلة ونقول إن أحداً من الخارج «يحكم كل شيء».
لا توجد، في العلن، قرائن كافية تسمح بهذه الصيغة المطلقة.
لكن هناك حقيقة أكثر أهمية:
القرار موزع.
وحين يكون القرار موزعاً بين مؤسسات سياسية متعددة، وتشكيلات عسكرية مختلفة متناقضة، ورعاة إقليميين ذوي مصالح متباينة، فإن الاستقلال الوطني للقرار يصبح محل شك .
وهذه ليست شتيمة لأحد.
إنها مشكلة بنيوية.
---
ولذلك فإن السؤال الصحيح ليس:
«من الخائن؟»
ولا:
«من باع اليمن؟»
فهذه أسئلة أخلاقية وانفعالية، بينما الحرب تحتاج إلى سؤال أكثر برودة:
أين يوجد مركز القرار الفعلي؟
من يستطيع أن يقول للقوات:
تقدموا؟
ومن يستطيع أن يقول:
توقفوا؟
ومن يستطيع أن يقول:
لا توقّعوا؟
ومن يستطيع أن يقول:
انسحبوا؟
ومن يستطيع أن يقول:
سنقاتل وحدنا إذا رفض الآخرون؟
إذا لم توجد جهة يمنية وطنية واحدة تستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة، فإننا لا نتحدث عن جيش وطني موحد بالمعنى الاستراتيجي، وإنما عن مجموعات قوة تتقاطع مصالحها تحت مظلة سياسية واحدة.
وهنا تكمن المعضلة.
---
استوكهولم، إذن، لا ينبغي أن يُقرأ بوصفه «خديعة» بالمعنى الدعائي.
الأدق أن نقرأه بوصفه تجميداً لجولة عسكرية كان أحد طرفيها قد بدأ يحقق فيها زخماً ميدانياً كبيراً، مقابل صفقة سياسية وإنسانية ودولية أوسع.
قد يكون ذلك القرار صحيحاً في لحظته.
وقد يكون إنقاذ الحديدة من حرب شوارع واسعة قراراً إنسانياً وسياسياً مفهوماً.
وقد تكون المخاطر الدولية المحيطة بالميناء والمدينة قد جعلت استمرار الهجوم أكثر تعقيداً.
كل ذلك صحيح.
لكن التاريخ العسكري لا يحاكم القرارات فقط وفق نوايا أصحابها.
يحاكمها أيضاً وفق نتائجها.
وهنا يصبح السؤال مشروعاً:
ماذا حدث بعد أن توقفت المعركة؟
---
لقد حصل الخوثيون على شيء شديد الأهمية:
الوقت.
والوقت في الحرب ليس فراغاً.
الوقت يعني إعادة تنظيم الصفوف.
إعادة بناء الوحدات.
تطوير القدرات الصاروخية والطائرات المسيّرة.
إعادة توزيع القوات.
تعلم الدروس.
ترميم شبكات الإمداد.
إعادة إنتاج القدرة على المناورة.
والأهم:
انتظار اللحظة التي يتغير فيها ميزان الإقليم.
وهكذا فإن ما بدا في لحظته «تجميداً للجبهة» يمكن أن يتحول، إذا طال أمده من دون تسوية سياسية نهائية، إلى تجميد لمبادرة طرف وإطلاق لمساحة المناورة أمام الطرف الآخر.
وهذا بالضبط هو الفرق بين وقف إطلاق النار وبين السلام.
وقف النار يوقف الرصاص.
أما السلام فيغير أسباب الحرب.
وإذا توقف الرصاص وبقيت أسباب الصراع، فإن الطرف الأكثر قدرة على التنظيم والاستفادة من الوقت يبدأ ببناء الجولة القادمة.
---
وهنا نصل إلى الخروج الكبير من الحديدة إلى المخا.
في عام 2021 حدثت إعادة انتشار مفاجئة للقوات المناوئة للخوثيين بعيداً عن مواقع في الحديدة.
وكانت كلمة «إعادة التموضع» آنذاك كلمة عسكرية ناعمة.
واليوم تعود اللغة نفسها:
إعادة تموضع.
لكن اللغة لا تغير الواقع.
فالانسحاب يمكن أن يكون إعادة انتشار.
والانسحاب يمكن أن يكون تراجعاً.
والفارق بينهما ليس في الاسم، وإنما في من اتخذ القرار، ولماذا، وإلى أين، وماذا حدث بعده.
إذا انسحبت قوة من موقع، لكنها احتفظت بالمبادرة، ونقلت قواتها إلى موقع أفضل، وفرضت على خصمها معركة جديدة بشروطها، فهذه إعادة انتشار.
أما إذا انسحبت لأنها لم تعد قادرة على الاحتفاظ بالموقع، واستمر الخصم في التقدم، وانتقلت المبادرة إليه، وتوالت خسارة المواقع تباعاً، فإن تغيير الاسم لا يغير طبيعة الحدث.
في هذه الحالة يصبح «إعادة التموضع» وصفاً سياسياً ناعماً لواقع عسكري قاسٍ.
وهذه ليست إهانة للقوات التي تقاتل.
بل هي دعوة إلى تسمية الأشياء بأسمائها.
---
اليوم، بعد سقوط المخا، وبعد التقدم الخوثي باتجاه جزر حنيش، لم يعد السؤال عن الحديدة وحدها.
لقد انتقلت المسألة إلى الساحل كله.
ومن الساحل إلى البحر.
ومن البحر إلى باب المندب.
وهنا يصبح للانقسام داخل المعسكر المناوئ للحوثيين ثمن جيوسياسي مباشر.
لأن الحوثيين لا يحتاجون بالضرورة إلى السيطرة الكاملة على باب المندب لكي يحصلوا على قيمة استراتيجية هائلة.
يكفي أن يقتربوا من نقاط الاختناق.
يكفي أن يمتلكوا قدرة تهديد مستمرة.
يكفي أن تستطيع صواريخهم وطائراتهم المسيّرة وقواربهم أو قدراتهم الساحلية أن تجعل شركات الملاحة تفكر مرتين قبل عبور منطقة ما.
في عالم الجغرافيا السياسية، لا تحتاج دائماً إلى احتلال الممر البحري لكي تؤثر فيه.
أحياناً يكفي أن تجعل استخدامه أكثر كلفة وخطورة.
وهذا هو معنى «قوة الاختناق».
---
ومن هنا تأتي الخطورة الإقليمية للتطورات الحالية.
البحر الأحمر ليس شأناً يمنياً محضاً.
وباب المندب ليس شأناً سعودياً أو يمنياً فقط.
إنه جزء من منظومة تربط الخليج بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط.
ولهذا فإن أي تحول عسكري كبير على الساحل الغربي اليمني يخرج سريعاً من الحساب اليمني إلى الحساب الإقليمي والدولي.
وهذا ما يجعل المعركة الحالية مختلفة عن معارك صعدة أو عمران أو حتى صنعاء.
الجغرافيا هنا تتحدث بلغة النفط والتجارة والموانئ وسلاسل الإمداد وأمن الملاحة.
ولهذا فإن الحوثيين، إذا تمكنوا من توسيع مجال نفوذهم البحري، لا يصبحون فقط قوة برية تسيطر على كثافة سكانية واسعة في شمال اليمن.
بل يتحولون إلى لاعب قادر على امتلاك قيمة جيوسياسية تتجاوز حجم الأرض التي يسيطرون عليها.
وهذه نقطة جوهرية.
---
لكن في المقابل، ينبغي ألا نقع في الوهم المعاكس.
الاقتراب من باب المندب لا يعني تلقائياً السيطرة على باب المندب.
وسقوط المخا لا يعني أن الحوثيين أصبحوا يملكون الملاحة الدولية.
والتقدم نحو حنيش لا يعني أن المعركة انتهت.
فالسيطرة البحرية الكاملة تحتاج إلى منظومة مختلفة:
موانئ.
قواعد.
قوات ساحلية.
قدرة صاروخية.
قدرة استطلاع.
قدرة على حماية الإمداد.
سيطرة أو تأثير في الضفة المقابلة.
وقدرة على تحمل رد إقليمي ودولي واسع.
لذلك فإن التطورات الحالية يجب أن تُقرأ بوصفها انتقالاً إلى مرحلة جديدة من الصراع على الجغرافيا البحرية، لا بوصفها إعلاناً نهائياً عن سقوط باب المندب.
وهذا التفريق مهم حتى لا يتحول التحليل إلى دعاية.
---
أما الحوثيون، فمصدر قوتهم في هذه اللحظة ليس السلاح وحده.
إنه أيضاً تركيز القرار.
يمكن أن تختلف معهم جذرياً في مشروعهم السياسي والفكري، ويمكن أن ترفض شرعيتهم، لكن لا يمكن للباحث الجاد أن يتجاهل ميزة تنظيمية واضحة:
وجود مركز قرار أكثر تركيزاً من خصومهم.
وهذا لا يعني أنهم قوة متجانسة بصورة مطلقة، ولا يعني أن قرارهم مستقل عن إيران أو أن طهران لا تؤثر فيهم.
بل يعني أن السلسلة التي تنتقل عبرها القرارات العسكرية والسياسية تبدو أكثر تركيزاً وأقل تعدداً من السلسلة الموجودة لدى خصومهم.
وفي الحرب الطويلة، هذه ميزة هائلة.
لأن الوحدة ليست مجرد فضيلة أخلاقية.
إنها مضاعف للقوة.
قد يكون لديك عشرة آلاف مقاتل وقرارك مجزأ.
وقد يكون لدى خصمك عدد أقل، لكن قراره أكثر تركيزاً.
وفي اللحظة الحرجة قد تكون قوة الخصم الفعلية أكبر من حجمه العددي.
وهنا يمكن أن نفهم كيف يتحول التفوق العددي أو التسليحي أحياناً إلى عجز استراتيجي.
---
وهذا يعيدنا إلى ابن خلدون، ولكن ليس ابن خلدون الذي يُستخدم كشعار.
العصبية عند ابن خلدون ليست مجرد رابطة دم.
إنها القدرة على التضامن، والانقياد، وتحمل الكلفة، والعمل في اتجاه واحد.
ومن هذه الزاوية، فإن مشكلة المعسكر المناوئ للحوثيين ليست أنه بلا مقاتلين.
بل إن لديه مقاتلين كثيرين.
وليست مشكلته أنه بلا أسلحة.
بل لديه أسلحة كثيرة.
ومشكلته ليست أنه بلا داعمين.
بل لديه داعمون إقليميون مهمون.
مشكلته الأعمق هي:
هل يستطيع تحويل تعدد القوة إلى إرادة واحدة؟
فإذا كانت البنادق متعددة، والرايات متعددة، ومراكز التمويل متعددة، والحسابات السياسية متعددة، والرعاة الإقليميون متعددين، فمن الطبيعي أن يصبح السؤال عن «القرار الوطني» هو السؤال المركزي.
---
وهنا أجد نفسي مضطراً إلى صياغة السؤال بصورة أكثر إيلاماً:
كيف يستطيع معسكر أن يخوض حرباً وطنية وهو لم يحسم، داخلياً، من يملك قرار الحرب والسلام؟
وكيف يمكن لقوة أن تتقدم عشرات الكيلومترات في جبهة الساحل، وتدفع مئات المقاتلين ثمناً للوصول إلى تخوم الحديدة، ثم تتراجع من دون أن نعرف بوضوح:
من اتخذ قرار التراجع؟
ولماذا؟
ومن ضمن أن الاتفاق السياسي سيعوض المكسب العسكري؟
وما الضمانة التي منعت الخصم من استخدام الهدنة لإعادة بناء قوته؟
ثم، بعد سنوات، عندما تنتقل المعركة مرة أخرى جنوباً، ويخسر المعسكر نفسه المخا، ثم يبدأ الانسحاب باتجاه ذباب، نعود إلى اللغة ذاتها:
إعادة تموضع.
إعادة انتشار.
مرونة تكتيكية.
لكن السؤال الذي لا يمكن دفنه تحت المصطلحات هو:
من يقرر؟
---
إذا كان القرار يمنياً، فليظهر صاحبه.
وإذا كان القرار جماعياً، فليظهر مركزه.
وإذا كان القرار موزعاً بين الرياض وأبوظبي وصنعاء وعدن والساحل الغربي ومراكز القوى المحلية، فهذه ليست تهمة.
إنها حقيقة سياسية ينبغي الاعتراف بها كي يمكن علاجها.
فالاعتماد على حليف خارجي ليس عيباً في ذاته.
الدول كلها تتحالف.
والحروب كلها تحتاج إلى دعم.
لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الدعم الخارجي بديلاً عن القرار الوطني، لا أداة لخدمته.
هناك فرق هائل بين أن تستعين بقوة إقليمية لتحقيق قرارك، وبين أن يصبح قرارك نفسه نتاجاً لتوازن مصالح القوى التي تمولك وتسلحك وتحميك.
الأول تحالف.
والثاني تبعية استراتيجية.
والفارق بينهما هو: من يملك الكلمة الأخيرة عندما تتعارض المصالح؟
---
ولعل هذه هي النقطة التي ينبغي أن نتوقف عندها أكثر من غيرها.
لقد عانى اليمن طويلاً من وهم «الحكومة» بوصفها مرادفاً لـ«الدولة».
لكن الدولة ليست مبنى حكومياً.
الدولة هي القدرة على اتخاذ قرار ملزم، وعلى إنفاذه، وعلى احتكار القوة المنظمة، وعلى تحمل نتائج ذلك القرار.
وحين تتعدد الجيوش داخل الدولة، وتختلف مراكز القوة، ويصبح لكل قوة مجالها وسلاحها وراعيها السياسي، فإن الدولة تصبح اسماً قانونياً أكثر منها واقعاً استراتيجياً.
وهذا هو أحد جذور المأزق اليمني.
---
ولذلك فإن الخطر الأكبر في سقوط المخا ليس أن الحوثيين انتصروا في معركة.
الجيوش تخسر معارك.
والمدن تسقط وتُستعاد.
الخطر أن يكون المعسكر المناوئ للحوثيين قد خسر شيئاً أكبر:
المبادرة.
فمن يملك المبادرة هو الذي يفرض على خصمه أن يتفاعل.
أما من يفقدها فيتحول إلى قوة تشرح لماذا انسحبت.
وهنا يصبح الفرق بين الجيش والمليشيا، وبين الدولة والتحالف، وبين القرار الوطني والقرار الموزع، واضحاً بصورة مؤلمة.
القوة التي تملك المبادرة تستطيع أن تختار مكان المعركة.
أما القوة التي فقدت المبادرة فتختار فقط المكان الذي ستدافع فيه.
---
ومن هذه الزاوية، لا أرى أن السؤال الأكثر أهمية الآن هو:
هل يستطيع الحوثيون الوصول إلى باب المندب؟
السؤال الأعمق هو:
هل يستطيع خصومهم إنتاج قرار استراتيجي وطني يعيد تعريف الحرب قبل أن تعيد الجغرافيا تعريف اليمن؟
لأن المسألة لم تعد مسألة المخا وحدها.
لقد أصبحت مسألة الساحل الغربي كله.
ثم مسألة باب المندب.
ثم أمن البحر الأحمر.
ثم أمن التجارة العالمية.
ثم التوازن السعودي ـ الإيراني.
ثم العلاقة بين الخليج والقرن الأفريقي.
ثم موقع اليمن في النظام الإقليمي الجديد.
وهكذا، فإن مدينة يمنية صغيرة يمكن أن تتحول، بفعل موقعها، إلى عقدة في صراع دولي.
وهنا يصبح ضعف القرار الوطني أكثر كلفة من أي وقت مضى.
---
قد يكون من الممكن عسكرياً استعادة المخا.
وقد يكون من الممكن إيقاف التقدم الحوثي.
وقد تتغير خطوط التماس مرة أخرى.
ولا شيء في الحرب يبرر إعلان النهايات قبل أوانها.
لكن استعادة مدينة لن تحل المشكلة إذا بقي القرار موزعاً.
وإعادة السيطرة على الساحل لن تصنع دولة إذا بقيت الجيوش خارج مركز وطني واحد.
والانتصار على الحوثيين ــ إن تحقق ــ لن يكون نهاية الحرب إذا لم ينتج عنه احتكار وطني للقوة ونظام سياسي يستطيع أن يستوعب اليمنيين المختلفين، بما في ذلك الجنوب، وأن يحول القوة العسكرية إلى مؤسسة دولة.
فالانتصار العسكري الذي لا ينتج دولة ليس سوى هدنة مؤجلة.
---
لقد أخطأنا طويلاً حين كنا نقيس الحرب بعدد المدن التي سقطت.
وربما أخطأنا أيضاً حين كنا نقيس القوة بعدد الصواريخ والمقاتلين.
القوة الحقيقية في الحروب الطويلة هي القدرة على:
تحديد الهدف.
اختيار التوقيت.
توحيد القرار.
تحمل الكلفة.
إدارة الحلفاء.
استثمار الجغرافيا.
وتحويل المكسب العسكري إلى مكسب سياسي مستدام.
ومن لا يملك هذه السلسلة كاملة، قد ينتصر في المعركة ويخسر الحرب.
---
لهذا فإن سقوط المخا ينبغي ألا يكون مناسبة للبكاء على مدينة، ولا مناسبة للشماتة، ولا مناسبة لإعادة إنتاج الشعارات القديمة.
ينبغي أن يكون لحظة مراجعة استراتيجية.
فالسؤال الذي يجب أن يواجهه المعسكر المناوئ للحوثيين، بصدق قاسٍ ومن دون تجميل، هو:
من يملك قرار الحرب؟
من يملك قرار الانسحاب؟
من يملك قرار التفاوض؟
من يحدد الهدف النهائي؟
ومن يقرر متى يكون الدعم الإقليمي وسيلة، ومتى يتحول إلى قيد؟
ومن يملك حق القول:
نقاتل.
أو نتوقف.
أو نتقدم.
أو ننسحب.
أو نرفض.
أو نقبل.
أو نعيد بناء الدولة من جديد؟
إذا لم يكن هناك جواب يمني واضح عن هذه الأسئلة، فإن المشكلة ليست في البندقية.
المشكلة في اليد التي تحملها.
وليست في الجبهة.
المشكلة في مركز القرار الذي يحدد أين تكون الجبهة.
وليست في سقوط المخا وحده.
المشكلة في أن يصبح «إعادة التموضع» اسماً متكرراً لمسار واحد:
قوة تتقدم، وقوة تتراجع، ومبادرة تنتقل من يد إلى أخرى، بينما يظل القرار الوطني معلقاً بين أكثر من مركز.
---
لقد بدأت الحرب اليمنية، في جزء كبير منها، كصراع على السلطة.
ثم تحولت إلى صراع على الجغرافيا.
ثم إلى صراع إقليمي بالوكالة.
واليوم تقترب من أن تصبح صراعاً على الممرات البحرية الدولية.
وهنا لن يكون السؤال بعد الآن:
من يملك صنعاء؟
بل:
من يملك مفاتيح اليمن البحرية؟
ومن يملك القدرة على التأثير في البحر الأحمر؟
ومن يستطيع استخدام الجغرافيا اليمنية كورقة في صراع الإقليم؟
والأهم:
هل يملك اليمنيون، أخيراً، قرارهم في الإجابة عن هذه الأسئلة؟
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لبلد ليس أن يخسر مدينة.
أخطر ما يمكن أن يحدث له أن يخسر القدرة على أن يقرر بنفسه ماذا يفعل بعد خسارتها.
وهنا، تحديداً، تكمن مأساة اليمن.
فالبندقية التي لا يملك صاحبها قرار إطلاقها قد تمنحه قوة في الظاهر، لكنها لا تمنحه سيادة.
والدولة التي لا تملك قرار حربها وسلامها لا تكون قد فقدت معركة فحسب.
إنها لم تكتمل بعد كدولة.
والسؤال الذي يفرضه الساحل اليمني اليوم، من الحديدة إلى المخا، ومن المخا إلى باب المندب، ليس من سيحتل المدينة التالية.
بل:
متى يصبح القرار اليمني، أخيراً، يمنياً؟