وريثيات .. ثمن الحصانة
وأخيراً، وبعد جولات من الوساطات التي قادتها شخصيات اجتماعية اقتنع صاحب الكلب وأدخل كلبه إلى البيت كي يكف أذاه عن الناس ونحن هنا إذ نتوجه بالشكر والتقدير لأصحاب الوساطة على جهودهم لا يسعنا إلا أن نقف أمام الحقيقة المرة التي كشفتها هذه الحادثة ..
حادثة قد تبدو في ظاهرها بسيطة أو عابرة لكنها في جوهرها مرآة كاشفة لواقع أكبر وأشد إيلاماً إنها تختصر حال البلد بأكمله ..
إذا كانت أجهزة الدولة ومؤسساتها الرسمية قد وقفت عاجزة مشلولة عن رفع الحصانة عن كلب يُرهب المواطنين في حارة
فكيف سنقنع هذا المواطن المغلوب على أمره أن ذات الأجهزة قادرة على رفع الحصانة عن الفاسدين واللصوص والبلاطجة والمتهبشين والعطاعيط وكذابين الزفة الذين ينخرون في جسد الوطن صباح مساء؟ ..
إن الفوضى العارمة التي تجتاح حياتنا اليومية لم تأت من فراغ لكنها نتيجة طبيعية لمنظومة أصبحت تدار بقاعدة ادفع زلط وامشي غلط لقد أصبح كل من يخالف القانون يدرك أن بإمكانه شراء حصانته عبر دفع الثمن لمن يفترض أنهم حماة النظام ..
مما لاشك فيه أن المتهبشين والمقربعين والعطاعيط المنتشرين في كل زاوية لا يتواجدون لفرض هيبة القانون لكن لجباية ثمن الحصانة ولعق العظام التي تُلقى إليهم
وقد امتلأت مؤسساتنا بأرباب الفساد ممن يحتمون جميعاً بنفس جدار الحصانة التي احتمى بها ذلك الكلب
والفرق الوحيد بين الحالتين أن الكلب حماه العجز واللامبالاة بينما يحمي الفاسد شبكة من النافذين الذين يقبضون ثمن تحصينه من الفساد ومن الجبايات غير المشروعة المقتطعة من قوت المواطن اليومي ..
لقد أصبح المواطن المسكين حائراً يسحقه الخوف والظلم بين سندان حصانة الشارع ومطرقة حصانة المسؤول فهل يعقل أن أجهزة السلطة غارقة في العجز والتفاهة إلى هذا الحد؟
أم أن هناك صفقات وتفاهمات خفية في الكواليس لا يعلم تفاصيلها إلا الراسخون في الفساد ونهب الثروات وتفتيت الوطن؟
ومتى سيرى هذا الشارع يوماً نظيفاً من الفوضى والبلطجة ؟ وهل كُتب على هذا الشعب أن يفقد الأمل كلياً في سلطة عجزت عن حماية طفل من كلب وعن حماية دولة من فاسد؟ ..
اذا فالرسالة واضحة لا تحتاج إلى مزيد من الشرح فقد وصل الامر حدا لايطاق والمواطن الذي يطلب منه الصمود والصبر صباح مساء لم يعد يرى أمامه سوى حكومة غارقة في الفشل وعاجزة عن تأمين حارة من كلب وحماية دولة من فاسد..
فهل وصلت الرسالة لمن يعنيهم الأمر أم أن الصمم قد اكتمل؟ ..