Logo

في مديح الحرب

 عادت الحرب إلى اليمن. لم تكفّ عن العودة منذ ثمانية قرون. اليمن الذي مزّقته الحروب مئات المرّات صار أكيداً أنّه بحاجة إلى مزيد منها، وربّما إلى حرب كبرى، كي يخرج من تلك الدوامة. 

هذه الفكرة تمثّل جوهر رواية "حرب الشيخ أحمد" التي كتبتُها بين عامي 2019- 2021، وأصدرتها دار الفارابي في بيروت.

 قبل أن يصير أحمد إلى الشيخ انتظره والده على الجبل، سأله عن المعركة، فقال أحمد إنّه لم يقتل أحداً. يتكرّر الأمر، فيشعر الأب بالمهانة، سيموت يوماً وخلف ظهره غلامٌ لم ينل من دم أحد.

 فرّ أحمد من قريته، أخذته الوهاد والجرود، وكلّما توغّل في أرض التبابعة ضجّت الحربُ في رأسه. 

ركضت خلفه من جبل إلى آخر، ومن وادٍ إلى الثاني، بل كانت تسبقه، إلى أن اهتدى، وقد صار في الوادي، إلى الفكرة السهلة والعبقرية:

 لماذا لا نصنع نحنُ الحرب الكبيرة التي ستلتهم كلّ هذه الحروب الصغيرة؟

 ولمّا أدرك أنّ اليمنيين ليس في مقدورهم، بمفردهم، إنتاج الحرب الكبرى جلس وانتظرها. من أين ستجيء، إذاً، يا أحمد؟ كانوا يسألونه، وكان يشير إلى البحر.

 يتقادم به الزمن ويفرّ مرّة أخرى إلى جبل في جنوب اليمن، في تعز. هناك يسكن. يبني مسجداً ويجلس في انتظار كبرى الحروب. 

غير أنّها لم تأت. أحاطت الحروب بحياة أحمد وبالجبل، إلّا أنّها جميعها لم تكن كافية لإحلال السلام.

 أمّا وقد آوى إلى غرفته المُظلمة، المُطلّة على فراغ البلاد، وبدأ يفقد بصره، فقد تبيّن له أنّ أم الحروب لن تصل قط،

 وأنّ هذه البلاد موبوءة بالحروب الصغرى. ثم جاءه البشير، كان يصيح من أعلى الجبل: يا أحمد، يا أحمد... فعرف أحمد كلّ شيء.

الحرب الراهنة بدأت بالأناشيد والأشعار، لم يحدث أن تحمّس اليمنيون لمعركة مثل هذه، ظنّاً منهم أنّها يمكن أن تكون الحرب الأكبر، الحرب الأم، الحرب التي ستلتهم صغار الحروب وشظاياها وتأتي بالسلام.
 
ما الأخلاقي في الحرب الراهنة؟ ما هو غير الأخلاقي؟ لماذا وقعت في المُقام الأوّل؟

 كنتُ قبل أشهر أتحدّث إلى الصديق محمد العمراني، وهو من الذين يقعدون منها مقاعد للسمع، قال لي "الوضع الراهن غير قابل للاستمرار، لا لنا ولا للحوثيين، ولا للإقليم". 

ستحدث الحرب، قال. فلتكن الحرب الكبرى، قلتُ. في خطاب دانى الساعتَين بشّر عبدالملك الحوثي أتباعه بالتصعيد الشامل، أي الحرب الكبرى. احتشد بكلّ ما يملك. احتشد اليمنيون بعواطفهم وبما يزيد عن نصف مليون مقاتل.

 كلّهم ذاهبون إلى الحرب لإنهائها، ماضون إلى النار بنيّة إحلال السلام، يرحّبون بهذه الحرب لأنّهم ملّوا الحروب وسئموها، يلقون القصائد والأهازيج في طريقهم إلى الحرب التي أنهكتهم. إنّه البحث عن الشفاء في السم.
 
انفجرت الحربُ وكسب الحوثي معركة الساعات الأولى قبل أن ينكسر. وصل إلى البحر، وهو ابن جبل لا يدري ما يفعله بالبحار والجزر.

 نيابة عنه تحدّثت إيران عن مكاسبه، وهدّد قادتها بإشعال البحار اليمنية في وجه أميركا إن هي هاجمت إيران!

صار الشأن اليمني إلى مسألة دولية، مياه اليمن تخصّ العالم. ماذا عن ترابه؟ 

يخصّ فقط اليمنيين. اليابسة لنا والمياه لغيرنا. في الزمان القديم كان رسول كسرى يقرأ على اليونانيين: ونريد منكم الماء والتراب. ما من حدود لجوع فارس للماء. 
 
مع سقوط المخا وباب المندب في القبضة الواهية للحوثيين تحدّثت الصحف الإسرائيلية عن نجاح إيران في اختراع حلقة نار جديدة تمتدّ من الخليج العربي إلى البحر الأحمر، مروراً بالمحيط الهندي. 

دول أخرى في المنطقة رأت حلقة النار تلك وشعرت بحجم التهديد. الحرب الكبرى التي أرادها اليمنيون ليُغيّروا واقعهم الصعب باتت تهدّد بتغيير واقع الإقليم بأكمله. 

ميزة الحرب الكبرى أنّه لا حدّ لسقفها، وأنّها لا تنهي الحروب الصغيرة وحسب، بل الكيانات الجيوسياسية.

 فعندما أطلق شابٌ صربي، كان يقف أمام محل كباب، النار على ولي عهد النمسا لم يكن يفكّر سوى بأمر واحد: على النمسا أن تتوقّف عن التدخّل في بلادنا. 

طاشت تلك الرصاصة وأشعلت حرباً كبيرة بين عامي 1914 و1918. مع نهاية الحرب كانت هذه الإمبراطوريات قد اختفت من الوجود: الإمبراطورية العثمانية، الإمبراطورية البروسية/ الألمانية، الإمبراطورية النسماوية- المجرية، والإمبراطورية الروسية.

ستحدث الحربُ الأم يوماً ما، وهذا ما ينتظره اليمنيون. الطريق إلى السلام الآمن والدولة يمرّ عبر السيل الخطر، لا بُدّ من تخطّي السيل.

 لا أخطر من أن تصير الحربُ إلى وضع مستدام، كما يجري في اليمن. لا ينشأ وضعٌ كهذا ما لم تكن التناقضات الداخلية قد استعصت على الحل، أو بلغت من التعقيد مستوى يجعل من خلق أرض مشتركة لكلّ الناس أمراً مستحيلاً. 

في الحقيقة، يحدث ذلك في غياب الأفكار، الأفكار الخلاقة في المقام الأوّل. وتلك ينتجها الأدباء والفلاسفة لا الساسة والجنرالات. افتقر اليمن في قرونه الماضية إلى ذلك النوع من المنتجين. 

هل يمكن تسوية الأرض الصعبة عبر آلة الحرب؟ تاريخياً نعم، الإمبراطوريات القديمة، ونسبة كبيرة من الدول الحديثة، قائمة على التنوّع العرقي والثقافي. 

ينصّ دستور نيجيريا، على سبيل المثال، على أنّ البلاد تتأسّس على التنوّع العرقي.

 لنأخذ إندونيسيا مثالاً: استقرّ المجتمع الإندونيسي على عقيدة اجتماعية جديدة عنوانها "الوحدة في التنوع". إليكم الشكل الذي يأخذه التنوّع في إندونيسيا: 17 ألف جزيرة، ستة أديان، 1300 عرقية، وحوالي 700 لغة محلية. 

السلام الهادئ الذي ترسو عليه كلّ هذه الاختلافات، ولا أقول التناقضات، لم يحدث مصادفة ولا قدراً، ولا يمكن القول إنّ الوصول إليه كان وليد صدفة هادئة.

 تعيّن على الشعب أن يعبر السيل مرّات عديدة، أن يواجه أشكالاً مختلفة للاستعمار، وأن يتجاوز تاريخاً مُعقّداً من الحروب الأهلية والتناقضات. 

تأخّر اليمن كثيراً، وربما لاحت له فرصة الآن. 

*كاتب وروائي وطبيب قلب يمني، حازت أعماله عدداً من الجوائز العربية