Logo

«العدو السعودي» في الخطاب الإيراني

 يحفل الخطاب الديني والسياسي الإيراني بكم هائل من مفردات العداء للعرب، بشكل عام، وللمملكة العربية السعودية، بشكل خاص، وذلك لأسباب طائفية وجيوسياسية متعددة، تكرست على مدى عقود، بعد ثورة المرشد الإيراني الراحل الخميني، وهي الثورة التي جعلت الهدف النهائي لها أن تتصدى إيران، لـ»ولاية» أي قيادة العالم الإسلامي،

 في تجاهل تام لحقيقة كون الأغلبية من المسلمين – سنة وشيعة – لا يؤمنون بـ»ولاية الفقيه» التي جاء بها الخميني، الأمر الذي يعني – من وجهة النظر الإيرانية – أن تحقيق هذا الهدف سيصطدم بالعديد من الدول العربية والإسلامية، وبالمملكة العربية السعودية، على وجه التحديد، بما أنها البلد العربي الأكبر مساحة وسكاناً، في الخليج، والبلد الذي يقع فيه الحرمان الشريفان اللذان هما أقدس مقدسات المسلمين، عدا عن كونها قوة اقتصادية عالمية.

يرى النظام في إيران في السعودية صخرة أمام طموحاته في قيادة العالم الإسلامي، دون أن ينظر للحقائق المتمثلة في كون «ولاية الفقيه» التي على أساسها يسعى النظام لهذه القيادة، ولاية الفقيه تلك إنما تمثل توجهاً أقلوياً، بين مراجع الشيعة أنفسهم، ناهيك على الأكثرية السنية التي تضع الشؤون السياسية، وقضايا الولاية، ضمن الفروع الفقهية، لا الأصول العقدية.

من هنا يدمج النظام، في خطابه، بين الديني والسياسي، والماضي والحاضر، حيث يظهر السعوديون والعرب عامة، في هذا الخطاب، باعتبارهم «وهابيين، ورثة بني أمية، وأبي لهب، وأبي سفيان ومعاوية ويزيد»، حسب خطاب سابق للراحل الخميني، عدا عن العديد من التصنيفات التي تعج بها أدبيات الخطاب الإيراني الذي يستقي من جذوره الطائفية والتاريخية الكثير من المفردات والأفكار والرؤى.

وبالنظر إلى الصياغات التي توظفها الدعاية الدينية والسياسية، ضد السعودية، نجد أن الخطاب الإيراني، وخطاب أتباعه في المنطقة يعبر عن السعودية، بشكل لافت بعبارة «آل سعود»، وهي عبارة تبدو عادية، على المستوى اللغوي، 

إذ أن «آل سعود» هم حكام المملكة، لكن الترميز السلبي لهذه العبارة ينفتح على دلالات عدم الاعتراف بوجود شعب أو دولة في السعودية، وإنما أسرة حاكمة، بما تحمله عبارة «آل سعود» من انزياحات دلالية تنفتح على دلالات أسرية وقبلية وبدوية لم تصل بعد إلى مستوى الدولة، 

وهو ديدن الخطاب الإيراني، في النظر إلى العرب الذين لم ينتقلوا بعد من القبيلة إلى المجتمع أو من البداوة إلى التحضر، أو من المشيخة إلى الدولة، حسب الرؤى والتصورات النمطية الإيرانية.

وبالإضافة لذلك، دأب الخميني على ترديد عبارات مثل: «الإسلام الأمريكي، إسلام أبي سفيان، إسلام الذل والنكبة»، في إشارات طائفية، تتكئ على تراث طائفي، لا يبدو أن آيديولوجيا النظام في طريقها للتخفيف منه، ناهيك على التخلص منه، مع محاولة إسقاط التاريخ وأحداثه على الحاضر، وربط الدول والأفراد بنظائر متخيلة لهم في التاريخ.

ولأهمية الحرمين الشريفين دأب الخميني على محاولاته سلب السعودية ميزة تنظيم الحج وكان يردد أن الحرمين ينبغي أن يدارا من قبل هيئة مستقلة، حيث دعا إلى «تحرير الكعبة من يد الآثمين»، ولا زال كثير من الميليشيات التي أنشأتها إيران ترى أن «مكة محتلة»، كما جاء في تصريحات لحكومة الحوثيين في صنعاء التي قالت – قبل أيام – إن السعودية «تحتل مكة والمدينة».
 
ويأتي ذلك الضخ كخطوة مرحلية، في سبيل تحقيق حلم الخميني في التدخل في إدارة الحرمين، وهي الخطوة الضرورية – في تصوره – لتحقيق الهدف النهائي، في قيادة العالم الإسلامي، 

حيث كان يسعى إلى تسييس الحج، من خلال صياغته لعبارات كانت بمثابة دعوة للعنف وإشاعة الفوضى، أثناء مواسم الحج، مثل فتواه في أن «البراءة من المشركين من الوظائف السياسية للحج، ومن دونها لا يكون حجنا حجًا»، وهي الفتوى التي حدثت بسببها اضطرابات وفتن كثيرة من قبل الحجاج الإيرانيين الذين دأبوا على إثارة الفوضى في تلك الشعيرة الدينية العظيمة، 

وهي الاضطرابات التي صاحبتها عبارات للخميني من مثل: «سفاكو آل سعود»، التي رددها رجل أفتى بإعدام أكثر من ثلاثين ألف من معارضيه السياسيين، أعدمتهم ما سميت حينها بـ»لجان الموت»، في محاكمات شهيرة، سنة 1988.

وفي محاولات الخميني إحداث فتنة سنية شيعية في المملكة كان يشير إلى «كربلاء الحجاز»، محرضاً على إسقاط نظام الحكم في المملكة، على اعتبار أن السعوديين هم «ورثة بني سفيان»، حيث لم يكن الخميني يكف عن إسقاطاته التاريخية، وتوظيفه للصراع السياسي بين العلويين والأمويين، في القرن الهجري الأول، في حديثه عن العرب بشكل عام، وعن دول الخليج، بشكل خاص، والمملكة العرية السعودية، بشكل أكثر خصوصية.

وعندما جاء محمد خاتمي في 1997 اتجه الخطاب الإيراني إلى قليل من البراغماتية، حيث كثر الحديث عن مفردات من مثل «الوحدة الإسلامية»، وعن السعودية باعتبارها «دولة إسلامية جارة»، وتحدث المرشد الراحل علي خامنئي عن «أن التعاون والعلاقات الواسعة بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والسعودية سيكونان مفيدين أيضًا للعالم الإسلامي»، وغيرها من عبارات، لم تغير من الرؤية الإيرانية الثابتة للسعودية، وهي الرؤية التي صاغها الراحل الخميني.

ومع ذلك فقد عاد خامنئي في 2015، مع اندلاع الحرب في اليمن، ليغترف مرة أخرى من لغة الخميني، ومن مرويات الصراع القديم بين الحسين ويزيد، مع إسقاطه على الحاضر، والاتكاء – كسلفه الخميني – على السرديات التاريخية الشيعية، لتشويه دول الخليج والسعودية على وجه التحديد، والدعوة «لإدارة الحرمين من طرف هيئة مستقلة»، وهي اللهجة التي عادت – مرة أخرى – للبراغماتية مع الاتفاق السعودي الإيراني في بكين، واستئناف العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، عام 2023، قبل أن تعود مرة أخرى للظهور، بشكل فج، بعد تفجر الصراع بين إيران والولايات المتحدة.

ومع تأمل تطور لغة الخطاب الإيراني – سياسياً ودينياً – يلحظ أن هذا الخطاب – غالباً – يبرز السعودية كخصم، في مستواه السياسي، وكعدو، في مستواه الديني، وفي فترات قليلة تظهر السعودية في الخطاب الإيراني، «دولة إسلامية جارة»، ما يعني أن الأصل في الخطاب الإيراني هو عداوة السعودية، وأن بعض المفردات، أو العبارات الناعمة والإيجابية التي تصدر عن هذا الخطاب – في حق المملكة – في فترات قصيرة لا تعبر عن النسق العام، ولا عن جوهر التصور الديني والسياسي، للنظام الإيراني، تجاه المملكة العربية السعودية.