حروب التجزئة في اليمن
بعد مضي أكثر من أسبوع على انطلاق عملية فجر اليمن، وكذلك تفعيل حلف مكة الدفاعي، تتشابك مسارات الحرب في اليمن، بما في ذلك تحولات خريطة السيطرة العسكرية بتعقيدات متداخلة،
تحدّد، إلى حد كبير، آفاق الصراع اليمني ومستقبله، بدءاً بإدارة السعودية الجبهة اليمنية، ودعمها حلفاءها المحليين ضد جماعة الحوثي وحدود هذا الدعم، إلى طبيعة إسناد شركاء السعودية في معركتها ضد الجماعة.
من نواحٍ عديدة، تختلف عملية فجر اليمن، بما في ذلك الإسناد العسكري السعودي حليفها السلطة الشرعية، عن "عاصفة الحزم"، سواءً من حيث الأهداف المعلنة أو طبيعة الغطاء السياسي، والتحالف المحلية والإقليمية،
إذ إن مسبّبات التصعيد الحالي الذي دشنته جماعة الحوثي بعد سيطرتها على جغرافيا شاسعة وصولاً إلى مضيق باب المندب، بما في ذلك تصعيد هجماتها ضد العمق السعودي، هدف إلى تنويع وسائل ضغطها ومساومتها للسعودية في الملف اليمني، وإن وسّع هذا شهيتها بضم مناطق جديدة إلى سيطرتها، إلى جانب تصدير السعودية لهذه التطورات باعتباره عدواناً حوثياً عليها في المقام الأول،
ومن ثم أثر ذلك على طبيعة المعارك، كما أن التسريبات السعودية باشتراط أي تهدئة مستقبلية مع الجماعة بانسحابها من المناطق التي سيطرت عليها في اليمن، وفي مقدمها الساحل الغربي ومضيق باب المندب، ولّدت حالة إرباك لدى السلطة الشرعية، ومخاوف من تقيدها بأولويات السعودية المتغيرة، بما ذلك تراوح سياستها ما بين احتواء الجماعة أو المضي إلى الحسم.
على مستوى العمليات العسكرية، حرصت السعودية على إدارة المعركة ضد الجماعة وفق ثلاثة مسارات منفصلة: دفاعي لتحجيم تهديدات الجماعة من خلال حلف مكة الدفاعي، وهو مظلة أمنية وعسكرية إقليمية داعمة لها ضد العدوان الحوثي، بما في ذلك الاستفادة من مقدّرات حليفيها الباكستاني والتركي لتطوير منظومتها الدفاعية
وكذلك تحسين الشراكة الاستخباراتية في مجال تجفيف شبكة موارد الجماعة، بما في ذلك الدفع لنشر قوات من البلدين في الأراضي السعودية لمضاعفة إمكانية صد هجمات الجماعة، ومسار هجومي رادع،
أي الرد على الأعمال العدائية الحوثية في العمق السعودي باستهداف المناطق الخاضعة لها، بما يتضمنه ذلك من تدمير أصولها العسكرية ومواردها التقنية من منصات إطلاق الصواريخ إلى مراكز الاتصالات المتقدمة وكذلك إمداداتها العسكرية، ومسار يمني، وذلك من خلال دعم وإسناد جوي لعملية فجر اليمن، وتوفير غطاء جوي لتحركات التشكيلات العسكرية على الأرض،
وتحرص السعودية على فصل الجبهة اليمنية عن الساحة السعودية كمجال لارتدادات الصراع مع الجماعة، لأهداف متعددة، سياسية لصبغ الحرب في اليمن بصبغة يمنية - يمنية، بعيداً عن البعد الإقليمي، وكذلك منح حليفها قدراً من الاستقلالية في إدارة العمليات العسكرية، ظاهرياً على الأقل، بموازه الاعتماد على تشكيلات عسكرية محددة ونوعية لانتزاع المناطق التي سيطرتها عليها الجماعة أخيراً.
ربما من المهم تقييم المعارك في الجبهات اليمنية، وذلك في ضوء نتائجها من مساراتها العملياتية إلى دور الاستراتيجية السعودية في التأثير على المعارك وكذلك على تحولات خريطة السيطرة،
إذ إنه ومع محاولة امتلاك التشكيلات العسكرية الحكومية زمام المبادرة على الأرض بعد أسبوع من انطلاق عملية فجر اليمن، بما في ذلك تضاعف مستويات الإسناد الجوي، فإن العمليات العسكرية الرئيسية ما زالت تتركز في الجبهة الغربية من اليمن، وتحديداً في المناطق المتاخمة لمضيق باب المندب والمطلّة عليه،
وبالتالي فإن الاستراتيجية العسكرية العامة ما زالت تدار وفق نمط تجزئة جبهات القتال ضد الجماعة، ومن ثم تركيز القتال الميداني في بؤر جغرافية محددة، وإخراج الجبهات الأخرى من الصراع وكذلك تعطيل جاهزيتها القتالية، بما في ذلك عدم الاستفادة من مواردها لتشتيت تقدم الجماعة، وتحقيق ضغط عسكري عليها،
كما أن تركيز القتال في جبهة باب المندب يعني فرض الاستراتيجية السعودية في إدارة العمليات العسكرية في اليمن وأهدافها الجيوسياسية، أي ضمن منظومة أدوات الردع ضد الجماعة، من خلال السيطرة على باب المندب، وبالتالي انتزاع إحدى أدوات الجماعة لفرض حصار اقتصادي على السعودية.
وتبعاً لهذه المحدّدات خاضت قوات العمالقة الجنوبية السلفية وقوات درع الوطن السلفية معارك طاحنة وبغطاء جوي سعودي، مكّنتها من السيطرة على المضيق.
وإذا كانت هذه التطورات تمثل انتصاراً للسعودية وللشرعية، مع عدم التكهن بإمكانية تثبيت سيطرتها على المضيق، بسبب الأنفاق الأرضية وحقول الألغام،
فالبديهي أنه وقبل التقدم في اتجاه مضيق باب المندب، وهي منطقة طبوغرافية مفتوحة، لا بدّ من السيطرة أولاً على المرتفعات الجبلية الغربية لتأمين تقدم التشكيلات العسكرية وحمايتها، وأيضاً للحفاظ على هذه المكاسب،
إذ إن استمرار تمركز مقاتلي الجماعة في المرتفعات الجبلية المحاذية والمطلة على باب المندب يجعل التشكيلات العسكرية مكشوفة لنيرانها؛
ومن جهة أخرى، فإذا كان التكتيك السعودي يهدف إلى استنزاف قوات الجماعة في جبهة باب المندب وكذلك في مديريات غرب مدينة تعز، فإن إحصائية القتلى اليومية تؤكد استنزاف الطرفين في معارك غير محسومة،
بيد أن الأخطر في تركيز السعودية على جبهة باب المندب، ودفع حلفائها لتحقيق أهدافها، هو تجاهل الضغط العسكري الذي تشنه الجماعة على جبهات مدينة تعز، وسعيها إلى إسقاط ما تبقى من المدينة،
فبعد سيطرتها على معظم أرياف تعز من منطقة التربة وأنحائها إلى أرياف الحجرية، بدأت الجماعة تحقيق اختراقات متقدمة في جبل صبر وكذلك في غرب مدينة تعز، أي على مدخلها الرئيسي، وهو ما يعني فرض واقع عسكري وسياسي على المدينة، بما في ذلك تشديد الحصار وخنقها، مقابل ترك السعودية ما تبقّى من التشكيلات العسكرية والمقاومين المدنيين الدفاع عن تعز.
لا تكمن الأخطاء الكارثية فقط في النموذج العملياتي المعمول به، بل في غياب استراتيجية واضحة توحد العمل العسكري ضد جماعة الحوثي، إلى جانب عدم الاستفادة من تجارب الماضي، مقابل الاعتماد على منطق تصعيد تكتلات عسكرية والتضحية بأخرى،
وإذا كانت تعز حتى الآن هي نموذج لمفاعيل تسييس الجبهات اليمنية وتحميلها عبء الحسابات السياسية، فإن الكارثة تتمثل في ربط مصيرها بتطورات معارك باب المندب، وما يعنيه ذلك من إنقاذها من سقوط وشيك أم لا،
يضاف إلى ذلك، وفي السياق العملياتي أيضاً، استمرار اعتماد السعودية على سلاح الجو، كعامل حاسم في تغيير معادلة الصراع على الأرض، وهو ما يعني أنها ما زالت تتبع نفسها نهجها القديم،
كما أن استمرار التناقض العملياتي بينها وبين حلفائها في إدارة المعارك، بما في ذلك تضارب نسبة الغارات الجوية التي تستهدف الجماعة يضفي إرباكاً عميقاً على المشهد العسكري، بما في ذلك طبيعة اختيار الأهداف، وأهميتها مقارنة بأخرى،
كما أن اعتماد السعودية على التشكيلات السلفية كرأس حربة في استعادة المناطق من جماعة الحوثي، مقابل تعطيل التشكيلات الأخرى، أو عدم دعمها لأسباب سياسية، يؤكد استمرار السياسة السعودية التقليدية في انتخاب القوى بناء على الولاءات،
فضلاً عن تأكيد فشل استراتيجيتها في هيكلة المؤسسة العسكرية لحلفائها، وبقاء مشكلاتها المزمنة، وأن نهج التغطية الجزئية بإزاحة قيادات لا يؤدّي إلى تحسين الموازين العسكرية على الأرض، وفي ذات سياق مثالب تصعيد القوة السلفية وحدها،
فإذا كانت قوات درع الوطن تدين بولائها للسعودية التي شكلتها، فإن الأمر مختلف في حالة قوات العمالقة الجنوبية، إذ إنه وإن أسهمت التفاهمات الأخيرة بين السعودية والإمارات في إدخالها إلى مسرح العمليات ضد الجماعة،
فإن استمرار التنافسات في معسكر حلفاء السعودية، بما في ذلك تقديم الانتصارات في باب المندب باعتبارها انتصاراً للجنوب بقيادة قوات العمالقة الجنوبية، يربك التوازنات السياسية التي تديرها السعودية في مواجهة الحوثي، ويطرح أسئلة عن طبيعة علاقتها بالإمارات مستقبلاً وانعكاسها على الساحة اليمنية.
من جهة أخرى، تحضر نتائج استراتيجية الردع السعودي ضد الجماعة فشلاً آخر، فمع تفعيل حلف مكة الدفاعي، أخفقت السعودية حتى الآن في تعطيل هجمات الجماعة، بل إنها انتقلت إلى مستوى متقدم، وذلك بجعل المطارات السعودية والملاحة الجوية ضمن معادلة الحصار مقابل الحصار، ما ترتب عليه استهداف مطاراتها المدنية من جيزان ونجران إلى الدمام والعاصمة السعودية،
حيث قصفت الجماعة مطار الرياض أكثر من أربع مرات، ما أسفر عن مقتل عشرات من المواطنين والمقيمين، ومن ثم فإن الجماعة تستثمر قدرتها على التصعيد والمضي دون كابح إلى جانب فرض معادلة جوية تهدف إلى مضاعفة الضغط السياسي على السعودية، بعيداً عن قدرتها على تحقيق ذلك،
ومن ثم تبقى خيارات السعودية إلى حد كبير مقيدة بإسناد شركائها في حلف مكة والأهم الإدارة الأميركية، وإن كان هذا رهناً بإدارة حربها ضد إيران ووكلائها في المنطقة، أي بعد انتخابات التجديد النصفي،
ومن ثم، وفي ضوء الواقع اليمني الحالي، فإن الحقيقة الجلية هي استنزاف شعب مستنزف أصلاً، في حرب طاحنة وبلا أفق للحسم العسكري أو التهدئة المشروطة.
* كاتبة وناشطة يمنية