Logo

من نداء شيخ الأزهر إلى إنقاذ اليمن

 ليس اليمن أمام أزمة عابرة، ولا أمام حرب يمكن اختزالها في خلاف بين أطراف متنازعة؛ إنه أمام سؤال وجودي ومصيري: هل يبقى اليمن وطنا موحدا لأبنائه، أم يظل ينزف حتى يفقد مقومات بقائه؟
وفي الوقت الذي يحتاج فيه اليمن إلى من يمد له طوق النجاة، ويخفف عنه أثقال الحرب، ويفتح أمامه نافذة للأمل، تتراكم عليه الأعباء، وتتعدد مراكز الصراع، وتتسع دائرة المعاناة، وكأن هناك من يدفع به نحو الغرق بدلا من انتشاله إلى بر الأمان.
في هذا المشهد المثقل بالمآسي، تأتي دعوة شيخ الأزهر الشريف، الدكتور أحمد الطيب، إلى وقف الحروب والقتال والتدمير في المنطقة العربية والإسلامية، وتشكيل لجنة وساطة من الحكماء والعقلاء للمساعدة في إنهاء الصراعات، وتغليب لغة الأخوة والحوار والاحتكام إلى العقل والحكمة، لتبعث برسالة أخلاقية وإنسانية نحن في أمس الحاجة إليها.
إنها دعوة تلامس جوهر الرسالات السماوية، وتسير على خطى الأنبياء والصالحين الذين جعلوا الإصلاح بين الناس، وحقن الدماء، وإطفاء نيران الفتن، من أعظم واجباتهم ومسؤولياتهم.
فالأزهر الشريف ليس مجرد مؤسسة دينية عريقة، بل منارة علم واعتدال ومرجعية إسلامية يتطلع إليها ملايين المسلمين. ومن هذه المكانة، تبرز مسؤوليته في الانتصار لحرمة الإنسان، ورفع صوت الحكمة حين لا صوت يعلو أصوات السلاح.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى تشكيل لجنة وساطة عربية وإسلامية من الحكماء والعقلاء تعبر عن مسؤولية دينية وأخلاقية وإنسانية تستوجب الانتقال من القول إلى الفعل، من خلال خطوات عملية تقرب وجهات النظر، وتنزع فتيل الأزمات، وتحمي سيادة الدول، وتصون مستقبل الأجيال القادمة.
وقد وضع القرآن الكريم قاعدة واضحة للإصلاح بين المتخاصمين، فقال تعالى:
﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾.
فإذا كان الإصلاح واجبا حين يقتتل المؤمنون، فما بالنا حين تتحول الحروب إلى مآس ممتدة، ويصبح المدنيون وقودا للصراع، وتستنزف مقدرات الشعوب، ويحرم الأطفال من الغذاء والأمان، ويترك الناس بين الجوع والخوف والموت؟
اليمن المنسي في جزيرة العرب... الضحية التي لا يجوز أن تنسى
وإن لم يسم شيخ الأزهر اليمن صراحة في دعوته، فإن دعوته العامة إلى وقف الحروب والصراعات في المنطقة تنطبق على المأساة اليمنية بكل ما تحمله من وجع، وتستدعي أن يكون اليمن في صدارة الاهتمام، لا على هامشه.
فالشعب اليمني هو الذي يدفع ثمنا باهظا لصراع طال أمده، وتعددت أطرافه، وتداخلت فيه الحسابات المحلية والإقليمية. وهو الذي يتحمل تبعات الانقسام، وانهيار مؤسسات الدولة، وتدهور الاقتصاد، وضيق سبل العيش، فيما تتراجع فرص السلام كلما غلبت حسابات القوة والنفوذ على مصلحة الإنسان والوطن.
إن المسؤولية عن هذه المأساة الإنسانية لا تسقط عن أي طرف أسهم في إشعال الحرب أو إطالة أمدها أو تعميق آثارها. ولا يجوز أن يتحول اختلاف المسؤوليات إلى ذريعة لإعفاء أي طرف من واجبه تجاه شعب أنهكته الصراعات.
إن اليمن ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا غنيمة يتقاسمها المتنافسون، ولا ورقة تفاوض تستخدم لتحقيق مصالح الآخرين. إنه وطن وشعب وتاريخ، ومن حق أبنائه أن يعيشوا فيه بأمان وكرامة، وأن يقرروا مستقبلهم بإرادتهم، وأن يستعيدوا دولتهم ومؤسساتهم وسيادتهم، بعيدا عن الوصاية والإكراه والارتهان.
إن إنقاذ اليمن لا يتحقق بإضافة طرف جديد إلى قائمة المتصارعين، ولا بتوسيع دائرة التحالفات العسكرية، ولا بتحميل الشعب مزيدا من الأعباء؛ بل يبدأ بوقف القتال، وفتح أبواب الحوار الجاد، وتوفير ضمانات حقيقية للسلام، وإطلاق مسار وطني جامع يعيد الاعتبار للدولة والمواطنة المتساوية، ويضع مصالح اليمنيين فوق كل اعتبار.
نداء إلى الأزهر... وإلى كل من يستطيع إنقاذ اليمن
إننا، ونحن نثمن موقف شيخ الأزهر الشريف، نتطلع إلى أن يتبنى الأزهر، بالتعاون مع المؤسسات الدينية والعربية والإسلامية والجهات القادرة على التأثير، جهدا عمليا عاجلا للوساطة من أجل اليمن، يجمع الحكماء والعقلاء، ويقرب وجهات النظر، ويدفع الأطراف المعنية إلى وقف الحرب، ويجعل إنقاذ الإنسان اليمني أولوية لا تحتمل التأجيل.
كما نناشد علماء الدين وقيادات الدول العربية والإسلامية التي لم تتورط في سفك دماء اليمنيين أو الإسهام فيه، وكل أصحاب الضمير الحي، ألا يكتفوا بالتعبير عن الأسى، وألا يتركوا اليمن وحيدا في مواجهة مصيره. فالكلمة المسؤولة حين تتحول إلى مبادرة، والموقف الأخلاقي حين يسنده فعل جاد، يمكن أن يفتحا طريقا للخروج من نفق طال ظلامه.
إن اليمن لا يحتاج إلى مزيد من الخطب، بل إلى إرادة صادقة توقف نزيفه، وتمنع انهياره، وتعيد إلى أبنائه الأمل في غد لا يتحكم فيه السلاح، ولا تصادره مشاريع المتصارعين، ولا يفرض فيه مستقبلهم من خارج إرادتهم.
فهل من مبادرة تنقذ اليمن قبل فوات الأوان؟ وهل من حكماء يتقدمون لإطفاء الحريق، بدلا من انتظار احتراق ما تبقى من الوطن؟
يا شيخ الأزهر، إن صوتكم يصل إلى ضمائر الملايين، ونأمل أن يجد صداه في خطوات عملية تنحاز إلى السلام، وتنتصر للإنسان، وتمنح اليمنيين فرصة لاستعادة وطنهم وحياتهم وكرامتهم.
شكرا لكم، أيها الشيخ الجليل، على صوت الحكمة في زمن غلبت فيه أصوات السلاح، وعلى التذكير بأن الإصلاح ليس ضعفا، وأن الحوار ليس تنازلا عن الحق، وأن حقن الدماء ليس هزيمة، بل انتصار للإنسان والدين والوطن.
اليمن اليوم بين أن يكون أو لا يكون... فمن يمد له طوق النجاة، ومن يثقله حتى يغرق؟

* دبلوماسي وسياسي يمني