ظل الرمح… فرقاطة ترافق سفينة شحن
ورد عن نبي الإسلام عليه الصلاة والسلام قوله: «وجُعِل رزقي تحت ظل رمحي»، وهو حديث أثيرت حوله الكثير من الشبهات، حول «عنف الإسلام» الذي يبيح استعمال القوة العسكرية لنهب الأرزاق، والعدوان على حقوق الآخرين، واتخاذ النهب والسلب والعنف والإرهاب والعدوان والظلم طريقاً مشروعاً للرزق،
وهو ما لا يُتصور أن يصدر عن نبي زاهد عاش على الكفاف، ومات مديناً، الأمر الذي يحيلنا إلى معنى عميق آخر لهذا الحديث.
مع توالي الأحداث والحروب في منطقتنا والعالم رأينا القوى العظمى ترسل سفنها الحربية، وحاملات الطائرات، وتنشئ القواعد العسكرية، في الدول المختلفة – براً وبحراً – ورأينا «الرمح الأمريكي» يمتد من سواحل أمريكا اللاتينية إلى شواطئ الخليج العربي،
ومن مياه بحر الصين الجنوبي إلى أواسط آسيا وشرق أوروبا، ورأينا السفن الحربية ترافق السفن التجارية لحمايتها.
ما معنى هذا؟ معناه أن «الرزق» يحتاج إلى «الرمح» لحمايته، وأن الاقتصاد – دون قوة – هو اقتصاد منهوب لا محالة، وأن القوة الاقتصادية تعد ضمن معادلات القوى الناعمة،
لكن القوى الناعمة مجتمعة – وعلى أهميتها – لا تستطيع الصمود، دون القوة الخشنة، أو دون «ظل الرمح» الذي يحمي الرزق في أعالي البحار والمضائق المائية، ويحمي سلاسل الإمداد وخطوط الطاقة، براً وبحرا.
لا بد للرزق من رمح يحميه، ورزق بلا رمح مدعاة للنهب والسلب والتطاول، والقوة الناعمة – دون قوة خشنة – لا تعدو كونها ضرباً من النعومة التي لا تستطيع تغيير موازين القوى، دون وجود السلاح الذي يحميها.
كان أبو الطيب المتنبي يقول:
حتى رجعت وأقلامي قوائل لي
المجد للسيف ليس المجد للقلم
اكتب بنا أبداً بعد الكتاب به
فإنما نحن للأسياف كالخدم
وكان أبو تمام يقول:
السيف أصدق أنباءً من الكُتُبِ
في حدِّه الحدُّ بين الجِدِّ واللعب
بيض الصفائح لا سود الصحائف في
متونهنَّ جلاءُ الشك والرِيَب
وبالعودة إلى الاقتصاد باعتباره فرعاً من فروع القوة الناعمة يمكن فهم ضرورة وجود القوة العسكرية اللازمة لحمايته، لأنه دون قوة عسكرية لحماية القوة الاقتصادية، فإن القوة الاقتصادية يمكن أن تتحول إلى عبء، وأحياناً يدفع صاحبها أثماناً باهظة، في سبيل الحفاظ عليها،
ويمكن أن تتحول إلى موطن من مواطن الابتزاز، أو في أسوأ الاحتمالات يمكن أن تؤول تلك القوة الاقتصادية إلى سلاح بيد العدو، إذا استطاع استلابها بالقوة العسكرية الخشنة.
وهناك شواهد من التاريخ لا تعد، حين سيطرت القوة العسكرية على القوة الاقتصادية، وحرمت منها أهلها، وحولتها – في المقابل إلى سلاح في نحور أصحابها الأصليين الذين لم يعدوا «الرمح» اللازم لحماية تلك القوة الاقتصادية العارية.
كانت الهند سلة اقتصادية كبيرة، لكن تلك السلة تحولت إلى سلاح في يد المستعمر البريطاني الذي ملك السلاح، وكانت أمريكا اللاتينية منجم ذهب كبير،
لكن ذلك الذهب تحول إلى مخازن ملوك إسبانيا الذين امتلكوا القوة العسكرية اللازمة للسيطرة على تلك المناجم التي تحولت فيما بعد على قوة في يد المستعمر الذي حرم منها أصحابها الحقيقيين،
وكانت الجزائر تبيع فرنسا القمح، لكنه لم يمكنها من مدافعة القوة العسكرية الفرنسية التي سيطرت على الجزائر وقمحها، قبل أن يدرك الجزائريون أهمية الرمح في حماية القمح،
وهو الرمح الذي لولاه لما فكرت فرنسا في الخروج من الجزائر التي كانت، حسب التشريعات الفرنسية أرضي فرنسية، لا يجوز التنازل عنها.
مرة أخرى، إنه الرمح الذي ينبغي أن يسبغ ظله (حمايته) على الرزق.
وبالعودة إلى الحديث الشرف المذكور في بداية المقال ينبغي التنبه إلى مغزى عميق لضمير «ياء المتكلم»، في عبارة «رمحي»، وهو الضمير الذي ينفتح على ضرورة كون الرمح رمحاً ذاتياً،
رمحاً مملوكاً لصاحبه، ليس عن طريق الاستعارة، أو عبر اتفاقيات الحماية المبرمة بين أصحاب الرماح، وأصحاب الأرزاق، أو بين «النافذين» الدوليين، الذين يستعرضون رماحهم، أمام الملأ، والتجار الذين لا يريدون حيازة الرماح، أو بذل القليل من أرباح التجارة لشرائها أو تصنيعها.
إن ضمير المتكلم في عبارة «رمحي» تشير إلى ضرورة أن يكون الرمح الذي يحمي «الرزق» هو رمح مملوك بالأصالة لصاحب الرزق، لكي لا يتعرض صاحب الرزق للابتزاز والتهديد والمساومات المختلفة التي تكون نتائجها – في الأغلب – لصالح صاحب الرمح على حساب صاحب الرزق.
من هنا يمكن القول إن قيام الدول القوية يتطلب امتلاك الرمح الذي يسبغ ظلاله على الرزق، كما يتطلب الرزق اللازم لتوفير الرماح التي تحميه، ولا بد للدولة لكي تكون قوية من أن تجمع بين القوتين اللازمتين، للاستمرار والديمومة والرخاء والاستقرار.
وهنا يمكن العودة مرة أخرى إلى أبي الطيب المتنبي الذي قال:
فلا مال في الدنيا لمن قل مجده
ولا مجد في الدنيا لمن قل ماله
وبالعودة للحديث الشريف الذي حُمِّل ما لا يحتمل من شبهات، والذي تم عن قصد تحريف معناه ومقصده الأصلي الذي يدور حول توفير القوة العسكرية اللازمة لحماية القوة الاقتصادية،
بالعودة لهذا الحديث نجد أن الواقع اليوم يؤكد ما ورد فيه، حيث نلحظ بشكل يومي رماح الدول الكبرى تجوب البر والبحر لحماية أرزاقها، بل وللسيطرة على أرزاق الآخرين،
فيما ينادي الحديث بضرورة إيجاد الرمح اللازم لمد ظله على رزق صاحبه، دون أن يمتد إلى أرزاق الآخرين، لأن الآية القرآنية تنص على: «ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين».
إن الدرس العظيم للتاريخ السياسي للأمم والشعوب يتلخص في أن الحق المجرد من القوة عرضة للهزيمة، والباطل المتسلح بها مهيأ للنصر، حيث إن القانون الذي يحكم العلاقات الدولية هو قانون «توازن القوى»، وليس قانون «الخطأ والصواب أو الحق والباطل».
من هنا تأتي أهمية الحديث النبوي المذكور أعلاه الذي يحث على امتلاك الرماح التي تسبغ ظلالها وحمايتها على الأرزاق والشعوب والأوطان.