Logo

السفارات اليمنية.. مؤسسات دولة لا أدوات إقصاء

 يتعرض بعض المواطنين والطلاب اليمنيين في الخارج للتجاهل، أو يُحرمون من أوجه العون والرعاية التي يحتاجون إليها، رغم أنها ليست منّة من أحد، بل حقوق أصيلة لكل مواطن تكفلها الدولة، وتترتب عليها مسؤوليات دستورية وقانونية وأخلاقية.

فالسفارات والبعثات الدبلوماسية اليمنية لا ينبغي أن تتحول إلى مراكز للاستهداف أو العقاب، ولا إلى أدوات للتمييز أو تصفية الحسابات السياسية، وإنما هي مؤسسات تمثل الجمهورية اليمنية، وتستمد مسؤولياتها من دستورها وقوانينها، وتضطلع بواجب خدمة جميع اليمنيين ورعاية مصالحهم، دون تمييز بسبب الانتماء الحزبي أو المذهبي أو الجغرافي أو الفكري.

ومتى وُجدت الدولة، وجب أن تظل هذه المسؤولية قائمة تجاه كل مواطن يمني، حتى وإن كان منتميا إلى جماعة الحوثي، أو مؤيدا لها، أو مدافعا عنها إعلاميا؛ 

فالموقف السياسي، مهما اختلفنا معه، لا يسقط عن صاحبه حقوق المواطنة، ولا يعفي الدولة من واجبها تجاهه، ما لم يكن هناك حكم قضائي أو إجراء قانوني مشروع يقتضي خلاف ذلك.

وهنا تكمن المسافة الفاصلة بين شرعية تفكر وتتصرف بعقلية الدولة، وشرعية تفكر وتتصرف بعقلية الجماعة؛ 

فالدولة تتسع لجميع مواطنيها، وتحمي حقوقهم، وتحتكم إلى الدستور والقانون، بينما تضيق الجماعة حين تجعل الولاء معيارا للاستحقاق، والاختلاف سببا للإقصاء والحرمان.

إن مواجهة المشروع الحوثي لا تكون بإنتاج مشروع إقصائي مضاد، ولا باستبدال التمييز على أساس المذهب أو الفكر بالتمييز على أساس النسب أو المنطقة أو الانتماء السياسي. فذلك لا يهزم منطق الاستعلاء، بل يعيد إنتاجه بأدوات وعناوين مختلفة، ويعمّق الشروخ في النسيج الوطني.

إن المواجهة الحقيقية تكون بالانتصار لمفهوم الدولة والمواطنة المتساوية، ومناهضة كل فكر أو ممارسة تنتقص من حقوق اليمنيين، أو ترفض الشراكة، أو تفرض الوصاية على المجتمع، أيا كان مصدرها أو من يتبناها.

فطريق العبور إلى الدولة ينبغي أن يظل مفتوحا وآمنا أمام الجميع، لا أن يتحول إلى طريق مشروط بالولاء أو محاط بحواجز الإقصاء.

فالدولة التي نريدها لا تسأل مواطنيها: مع من أنتم؟ قبل أن تؤدي واجبها تجاههم، بل تسأل مؤسساتها: هل أنصفتموهم؟ وهل صُنتم حقوقهم وكرامتهم؟

تلك هي الدولة التي تستحق أن يدافع عنها اليمنيون، وتلك هي الشرعية التي تستمد قوتها من احترام الدستور، والإنصاف، وسيادة القانون، لا من القدرة على الإقصاء أو حرمان المخالفين.

* دبلوماسي وسياسي يمني