Logo

حكومة يمنية تتشكل على وقع الضغوط السياسية والاقتصادية

 جاء إعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة شائع الزنداني، الجمعة الماضي، في لحظة سياسية وإدارية بالغة التعقيد، أعقبت سلسلة من الإخفاقات الحكومية، وتراجع الثقة الشعبية بأداء السلطة التنفيذية، وتنامي الضغوط الإقليمية لإعادة ضبط المشهد في المناطق الخارجة عن سيطرة الحوثيين.

ويُنظر إلى الزنداني، القادم من خلفية إدارية وسياسية، بوصفه خيارا توافقيا أكثر منه صدامياً؛ إذ ينحدر من محافظة الضالع، مسقط رأس رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل عيدروس الزبيدي والعديد من القيادات المطالبة بالانفصال،

 ويمتلك خبرة سابقة في العمل المؤسسي داخل هياكل الدولة، حيث شغل منصب سفير اليمن في كل من المملكة المتحدة، وإيطاليا، والأردن، والسعودية، كما شغل منصب نائب وزير الخارجية بعد قيام الوحدة، ومنصب وزير الخارجية منذ مارس/آذار 2024،

 إضافة إلى امتلاكه علاقات متوازنة مع مراكز القرار داخل مجلس القيادة الرئاسي وخارجه.
 
وجاء قرار تكليفه بعد مرحلة من الجمود الحكومي، وتنامي الانتقادات لأداء الحكومة السابقة، في ظل تصاعد الأزمات المعيشية وتراجع الخدمات، ما جعل من مهمة الزنداني محاولة أخيرة لإعادة الإمساك بدفة الدولة في مرحلة توصف بأنها الأخطر منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي. 

وأقرّ مجلس القيادة الرئاسي اليمني، في اجتماع في الرياض مساء أول من أمس الجمعة، التشكيل الحكومي الجديد في اليمن برئاسة الزنداني. وتشكلت الحكومة من 35 وزيراً، بينهم وزراء دولة، احتفظ فيها رئيس الوزراء بمنصب وزير الخارجية وشؤون المغتربين، 

وضمت وزارات سيادية وخدمية واقتصادية، مع عودة عدد من الوزراء السابقين إلى حقائبهم أو إلى تسلم حقائب أخرى، مثل الداخلية والصحة والمياه والشباب والرياضة والإعلام والصناعة والتجارة والزراعة، إلى جانب شخصيات جديدة جاء توزيعها وفق اعتبارات سياسية ومناطقية. 

وتضم الحكومة ثلاث نساء فقط، هنّ: أفراح الزوبة، وزيرة للتخطيط والتعاون الدولي، والقاضية إشراق المقطري، وزيرة للشؤون القانونية، وعهد جعسوس، وزيرة دولة لشؤون المرأة.

وكشف توزيع الحقائب الوزارية عن استمرار اعتماد منطق التقاسم الجغرافي بين المحافظات والمناطق المرتبطة بأعضاء المجلس الرئاسي، بما يضمن حضوراً لمراكز القوى المحلية. 

فقد أبقت محافظات شرقي اليمن (حضرموت، شبوة، المهرة) على حصص مهمة في وزارات النفط والمالية والاتصالات والتربية والتعليم، 

فيما حصل الجنوب أيضاً على حقائب مؤثرة، أبرزها الداخلية والشؤون الاجتماعية ومحافظ عدن. 

كما حافظت المحافظات الشمالية على تمثيل وازن في وزارات الدفاع والمالية والإعلام والصناعة، في سياق محاولة الحفاظ على التوازن الحساس بين الكتل السياسية والعسكرية المكوِّنة للمجلس. 

ورغم تراجع دور الأحزاب اليمنية التقليدية خلال الحرب، إلا أن التشكيل الجديد يعكس حضوراً غير مباشر للمؤتمر الشعبي العام والتجمع اليمني للإصلاح ومكونات جنوبية متحالفة مع المجلس الانتقالي الجنوبي،

 ويبرز تأثير هذه القوى في توزيع الوزارات الخدمية والاقتصادية، في مقابل احتفاظ الأطراف الأكثر نفوذاً بالحقائب الأمنية والسيادية. 

وعُيِّن اللواء طاهر العقيلي وزيراً للدفاع، واللواء إبراهيم حيدان وزيراً للداخلية، ومروان فرج بن غانم وزيراً للمالية، وقاسم محمد بحيبح وزيراً للصحة العامة والسكان، ومحمد الأشول وزيراً للصناعة والتجارة، ومعمر الإرياني وزيراً للإعلام.

وتسلمت الحكومة الجديدة في اليمن مهامها في لحظة تُعد من أكثر اللحظات السياسية تعقيداً منذ تشكيل مجلس القيادة الرئاسي،

 إذ تأتي ولادتها عقب أزمة سياسية كبرى أعادت رسم موازين القوة في المناطق الخاضعة للحكومة، وفرضت تحولات عميقة على بنية الشرعية نفسها، وعلى طبيعة الدورين الإقليميين السعودي والإماراتي في المشهد اليمني على خلفية تمدد المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي إلى الشرق (حضرموت والمهرة)،

 وتدخل السعودية عسكرياً وسياسياً ضد المجلس وصولاً إلى خروج قيادته من المشهد، وفي مقدمتهم عيدروس الزبيدي الذي غادر البلاد 

هذا التحول المفاجئ مثّل نقطة انعطاف كبرى في مسار الصراع داخل معسكر الشرعية في اليمن وأنهى مرحلة من ازدواج القرار، وفتح الباب أمام إعادة تشكيل مركز السلطة.

فرصة لمجلس القيادة الرئاسي

في هذا السياق، يرى الكاتب الصحافي راضي صبيح، أن التحولات الأخيرة منحت الحكومة "فرصة لضبط إيقاع التوازنات داخل مجلس القيادة الرئاسي بتشكيلته الجديدة"،

 مشيراً إلى أن نجاح هذا الدور مرهون بمدى الصلاحيات الممنوحة لها، وقدرتها على توحيد القرار الأمني والعسكري ودمج التشكيلات المختلفة تحت مظلتي الدفاع والداخلية. 

وعن البُعد الإقليمي، يلفت صبيح إلى أن وجود "داعم إقليمي وحيد ترتبط مصالحه استراتيجياً بمصالح اليمن يمثل فرصة لترتيب المشهد الأمني والخدمي، وتجاوز عشر سنوات من الصراع المحلي وتشابك المصالح الدولية التي أوصلت البلاد إلى ذروة التأزم أخيراً".
 
ويأتي تشكيل الحكومة الجديدة في اليمن انعكاساً مباشراً لهذه المتغيرات، التي أسفرت عن غياب مكونات كانت تفرض حضورها بقوة السلاح أو تحجيمها، وحضر بالمقابل منطق "الحد الأدنى من الانسجام" بدلاً من منطق المحاصصة الصدامية.

 غير أن هذا التشكيل، وإن بدا أكثر تماسكاً، يواجه اختباراً قاسياً يتمثل في ترجمة التحول السياسي إلى أداء فعلي على الأرض. وتواجه الحكومة في اليمن مهمة مزدوجة، تتمثل بتثبيت نتائج التحول السياسي إلى واقع جديد، ومنع الارتداد إلى الفوضى،

 وفي الوقت نفسه إدارة ملفات معقدة في الجوانب السياسية والعسكرية والاقتصادية والخدمية، وهي ملفات تراكمت خلال سنوات من الانقسام والتجاذب.
 
على المستوى السياسي، يبرز تحدي ترميم مفهوم الشرعية داخل المجتمع، بعد سنوات من تآكل الثقة وتعدد مراكز القرار، ويتطلب ذلك إدارة متوازنة للعلاقة مع القوى المحلية، وضبط الخطاب السياسي، واحتواء التداعيات الاجتماعية لانهيار مشاريع سياسية كبرى، مثل مشروع "الانتقالي". 

كما يبرز ملف مكافحة الفساد بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية، في ظل تقديرات غير رسمية تشير إلى هدر مليارات الريالات سنوياً في قطاعات النفط والجمارك والمنافذ، 

بالإضافة إلى عشرات المليارات التي كانت تُدفع إلى المجلس الانتقالي الجنوبي نتيجة سياسة الابتزاز التي مارسها ضد الحكومة الشرعية. ويُعد تفعيل الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة وهيئات المساءلة اختباراً حقيقياً لجدية الحكومة.

الملف العسكري الأشد تعقيداً في اليمن

في المقابل، يظل الملف العسكري التحدي الأشد تعقيداً، إذ تشير تقديرات ميدانية إلى وجود ما بين 250 ألفاً و300 ألف جندي في مناطق الحكومة، موزعين على عشرات الألوية والتشكيلات ذات الولاءات المتباينة. 

الجيش الوطني، الذي يضم رسمياً نحو 75 لواءً ضمن 7 مناطق عسكرية، يعاني من نقص التمويل وتداخل الصلاحيات، حيث يبلغ راتب الجندي 1140 ريالاً سعودياً (الدولار يساوي 3.75 ريالات سعودية)، بينما تصرف للوحدات العسكرية الأخرى رواتب تتراوح بين 1000 إلى 2000 ريال سعودي للجندي. 

وإلى جانب وحدات الجيش الوطني، تنتشر ألوية "العمالقة" بنحو 12 لواءً، وقوات "درع الوطن" المدعومة سعودياً، بالإضافة إلى ذلك هناك تشكيلات عسكرية أخرى تشمل بقايا "الحزام الأمني"، والمقاومة الوطنية (حراس الجمهورية) بنحو 20 ألف مقاتل. 

ورغم تشكيل لجنة عسكرية وأمنية عليا، لا تزال عملية الدمج وإعادة الهيكلة بطيئة، وسط مخاوف من أن استمرار تعدد مراكز القرار يهدد أي استقرار أمني مستدام. 

ويحذر مراقبون من أن أي إخفاق في دمج هذه التشكيلات وإعادة هيكلة المؤسسة العسكرية سيقوض نتائج التحول السياسي الأخير، ويُبقي خطر الانفلات قائماً، خصوصاً في المدن الكبرى.

في الجانب الخدمي، تواجه الحكومة وضعاً بالغ الهشاشة، حيث تعاني عدن ومدن أخرى من عجز كهربائي يصل إلى 70% في ذروة الصيف، مع انقطاعات تتجاوز 20 ساعة يومياً. 

وتكلّف محطات التوليد التقليدية أكثر من 100 مليون دولار شهرياً، ما يجعل هذا الملف عبئاً دائماً على الموازنة. 

كما يبقى فتح الطرق، خصوصاً في تعز، مطلباً إنسانياً وسياسياً ملحاً، بعد أن رفعت الطرق البديلة كلفة النقل بنسبة تصل إلى 300%، ما انعكس مباشرة على أسعار السلع.

الملف الاقتصادي

يتصدر الملف الاقتصادي أولويات الحكومة باعتباره التهديد الأكثر مباشرة للاستقرار. ووفق تقديرات أممية، يحتاج أكثر من 21 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، فيما يعاني نحو 18.1 مليون شخص من انعدام الأمن الغذائي. 

وتعد أزمة الرواتب من أبرز التحديات التي تواجه حكومة الزنداني، خصوصاً أن عملية صرفها توقفت أكثر من مرة خلال الأشهر الأخيرة. 

ويُقدَّر عدد الموظفين المدنيين والعسكريين في مناطق الحكومة بما بين 1.2 و1.4 مليون موظف، تتجاوز فاتورة مرتباتهم الشهرية 120 مليار ريال (الدولار يساوي 1615 ديناراً). 

ومع دين عام تخطى 100% من الناتج المحلي الإجمالي منتصف 2025، بات صرف المرتبات المنتظم تحدياً سياسياً واجتماعياً، لا مالياً فقط. 

أما العملة المحلية فقد فقدت أكثر من 70% من قيمتها منذ 2023، مقتربة في فترات من 2500 ريال للدولار، نتيجة توقف تصدير النفط، والانقسام النقدي، وغياب أدوات فاعلة للبنك المركزي.
 
وفي هذا السياق، يؤكد الصحافي الاقتصادي وفيق صالح،  أن قدرة الحكومة على ضمان انتظام الرواتب واستقرار سعر الصرف مرهونة بتوفير الموارد الذاتية، وعلى رأسها استئناف تصدير النفط والغاز المسال، وتوحيد الأوعية الإيرادية، وإغلاق الحسابات الحكومية خارج البنك المركزي في عدن. 

ويرى صالح أن تحويل وقود الكهرباء إلى منحة سعودية خفف الضغط على العملة، ووفّر أثراً إيجابياً مزدوجاً عبر دعم الاحتياطي النقدي والإنتاج المحلي، كون الوقود يُشترى من شركة "بترومسيلة".

ورغم هذا المشهد القاتم، تتحرك الحكومة الجديدة في ظل دعم سعودي غير مسبوق مقارنة بالحكومات السابقة. ويشمل الدعم السعودي ملفات الرواتب والكهرباء ودعم البنك المركزي.

 ويهدف التوجه السعودي إلى تعويض تراجع الدور الإماراتي في عدد من الملفات، خصوصاً الاقتصادية والخدمية. 

ويتجلى ذلك في دعم صرف رواتب المدنيين والعسكريين، ومساندة البنك المركزي، إضافة إلى توقيع اتفاقية لتشغيل أكثر من 70 محطة كهربائية في مختلف المحافظات. 

ويرى مراقبون أن هذا الدعم يمنح الحكومة هامش حركة أوسع، لكنه يظل مشروطاً بقدرتها على تنفيذ إصلاحات حقيقية وتوحيد القرار المالي والعسكري.

فخر العزب
صحافي يمني