Logo

الحوثيون يستنفرون في صنعاء... وخياراتهم محدودة بعد ضرب إيران

الرأي الثالث 

تجد جماعة الحوثيين نفسها اليوم أمام استحقاق غير مسبوق بعد الهجوم الأميركي الإسرائيلي المشترك على إيران وتصفية كبار القادة الإيرانيين، بما في ذلك المرشد الأعلى علي خامنئي، وسط حالة من الترقب الحذر في الميدان اليمني. 

فمنذ الإعلان عن غياب القيادة العليا في طهران جراء ضرب إيران سادت حالة من "الجمود العملياتي" رغم لغة الوعيد المتصاعدة وإعلان مسؤولين في الجماعة، لوكالة "أسوشييتد برس"، يوم السبت الماضي، بأن الجماعة قررت استئناف الهجمات على السفن التي تعبر البحر الأحمر من دون إعلان رسمي.

وعكس خطاب زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، الأحد الماضي، هذا الارتباك الاستراتيجي، إذ تراوح بين إعلان "النفير العام" وتأكيد وحدة المصير مع طهران، وبين غياب الفعل العسكري المباشر على الأرض حتى اللحظة، ما يطرح تساؤلات جوهرية حول قدرة الجماعة على تحمل كلفة الدخول في الحرب، والحسابات التي قد تكبح مثل هذا الانخراط.

مغادرة قيادات الحوثيين صنعاء

في موازاة ذلك، كشفت مصادر خاصة، عن حالة استنفار أمني في صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة، بالتزامن مع مغادرة قيادات حوثية العاصمة باتجاه محافظات عمران وحجة وصعدة شمالي البلاد، تنفيذاً لتوجيهات داخلية صارمة قضت بتبديل أماكن وجود جميع القيادات باستمرار، ونقلهم إلى مساكن سرية. 

مع العلم أن الجماعة لا تزال تلملم جراحها بعد "زلزال" أغسطس/آب الماضي، حين أدت ضربات إسرائيلية دقيقة إلى مقتل قيادات عسكرية وأمنية رفيعة على رأسهم رئيس هيئة الأركان اللواء محمد الغماري، 

إضافة إلى تصفية معظم قوام الحكومة التابعة للجماعة، بما في ذلك رئيسها أحمد غالب الرهوي. هذه الضربة، التي كشفت عن اختراقات أمنية عميقة داخل الهيكل القيادي، تضاعف مخاوف الجماعة من تلقي مصير مشابه لما واجهه حزب الله في لبنان،

 ما يدفعها حالياً إلى إعطاء الأولوية لإعادة ترتيب صفوفها وتأمين قياداتها الباقية. وتزامن هذا "الإخلاء القيادي" مع صدور تعليمات بوضع القوة الصاروخية وسلاح الجو المسيّر والقوات البحرية في حالة جاهزية قصوى.

وتتحضر الجماعة لأي تصعيد محتمل مستندة إلى ترسانة عسكرية ضخمة، كشفت عن ملامحها في عرضها العسكري في سبتمبر/أيلول 2023.

 وتبرز الصواريخ الفرط صوتية من طراز "فلسطين 2" أخطر أسلحتها، بقدرتها على قطع مسافات تصل إلى 2150 كيلومتراً، معتمدة على دقة عالية ومديات واسعة تتكامل مع منظومة الصواريخ الباليستية والمجنحة مثل "طوفان" و"عقيل" و"قدس 4" و"ميون"، 

وهي منظومات مصممة لضرب الأهداف البرية والبحرية في نطاق جغرافي واسع يشمل البحر الأحمر ومحيطه، ما يعكس تركيزاً استراتيجياً على تطوير قدرات الضربات البعيدة.

ولضمان فاعلية هذه الضربات، تتبنى الجماعة تكتيك "أسراب النحل" عبر المسيّرات الانتحارية والاستطلاعية بعيدة المدى، مثل "صماد 4" و"وعيد 2" التي يصل مداها إلى 2000 كيلومتر، 

إذ تهدف هذه الطائرات إلى إشغال الرادارات واستنزاف الدفاعات الجوية تمهيداً لضرب منشآت حيوية قد تعيد صياغة معادلة الطاقة في المنطقة. 

وتتوازى هذه القدرات الهجومية مع تعزيز منظومات الدفاع الجوي والرادارات مثل "نبأ" و"شفق" و"أفق"، مدعومة بصواريخ اعتراضية من طراز "برق 1" و"برق 2" و"صقر 2"، ما يخلق مظلة حماية لقواعد الانطلاق، ويمنح الجماعة قدرة على الرصد والاشتباك الجوي في أي مواجهة محتملة.
 
أما بحراً، فقد انتقلت الجماعة من الهجمات السطحية التقليدية إلى إدخال الغواصات المسيّرة (القارعة) إلى الخدمة، ما يمكن أن يهدد المضائق والممرات الضيقة ويحولها إلى حقول ألغام عائمة، 

إضافة إلى زوارق قتالية تقول الجماعة إنها "محلية الصنع" كزورق "نذير" المخصص للاعتراض والاقتحام، وزوارق "عاصف" و"طوفان" السريعة. 

كما تقول الجماعة إنها تمتلك صواريخ باليستية ومجنحة ضد السفن مثل "سجيل" و"تنكيل"، التي يمكنها إصابة القطع العسكرية البحرية من مسافات تتجاوز مدى الرؤية البصرية.

ومن بين السيناريوهات المحتملة التي قد يلوّح بها الحوثيون، في حال الانخراط في المواجهة، وتتجاوز حدود البحر الأحمر، خيارات عسكرية "صفرية"، بما في ذلك "الإغلاق الكامل" للملاحة الدولية. 

ومن الناحية العسكرية، تبدو الجماعة قادرة على رفع كلفة العبور إلى مستويات غير مسبوقة، عبر تكثيف استخدام الغواصات المسيّرة والألغام البحرية الذكية، 

إلا أن "الإغلاق الشامل" يظل هدفاً يصطدم باستحالة الصمود طويلاً أمام ترسانة التحالف الدولي البحري التي تم تعزيزها على مدى الأشهر الماضية.

تداعيات ضرب إيران على الحوثيين

وفي نفس الوقت تدرك الجماعة أن دخول إيران في مواجهة مباشرة يعني واقعياً استحالة استمرار تدفق شحنات الأسلحة والقطع التقنية المسيّرة التي كانت تصل إليها بالوتيرة السابقة، خصوصاً في ظل الانتشار المكثف للقوات البحرية السعودية في بحر العرب منذ مطلع يناير/كانون الثاني الماضي. 

وبحسب ما كشفه المتحدث باسم التحالف اللواء الركن تركي المالكي، حينها، فإن القوات البحرية السعودية أكملت انتشارها لإجراء عمليات التفتيش ومكافحة التهريب، مستندة إلى ثقل عسكري يتمثل في أسطوليها الشرقي والغربي وقدرات جوية وبحرية خاصة، 

ما جعل مسارات الإمداد التقليدية تحت "قبضة دفاعية" خانقة تهدد ديمومة الترسانة العسكرية للجماعة في حال اندلاع حرب استنزاف طويلة.
 
ورأى الخبير المتخصص في شؤون جماعة الحوثيين، عدنان الجبرني، أن الجدوى العملياتية لأي تدخل عسكري مباشر من قبل الجماعة في الوقت الراهن تبدو "معدومة" 

معتبراً أن "طهران لا تزال تمتلك القدرة الكافية على الرد، وإدارة الموقف وتفاعلاته، ما لم تصل الأمور إلى مرحلة تهديد وجود النظام أو دعم تحركات داخلية تهدف إلى إسقاطه". 

وأشار إلى أن الاستراتيجية الإيرانية الراهنة قد تعتمد على "ادخار" الأذرع الإقليمية، ومنها الحوثيون، تحسباً لسيناريو الحرب الطويلة، وتجنباً لاستنزاف كافة الأوراق الضاغطة دفعة واحدة من دون وجود ضرورة ميدانية ملحة تفرض ذلك.

وفي ما يتعلق بالأنباء المتداولة حول تهديدات حوثية أخيراً، أوضح الجبرني أن الجماعة لم تُصدر أي تهديدات رسمية بهذا الخصوص، 

لافتاً إلى أن ما نُشر في بعض الوكالات الدولية مثل "رويترز" قد يكون استند إلى حسابات غير رسمية أو مستعارة، بينما غاب الموقف الرسمي المعلن عن منصات الجماعة المعتادة. 

وعزز هذا الغياب، بحسب الجبرني، "فرضية التريث وانتظار التوجيهات المركزية من طهران، بما يتناسب مع حدود المعركة الحالية وقواعد الاشتباك القائمة".
 
وعن التحركات الميدانية داخل اليمن، أشار الجبرني إلى أن الجماعة كثفت استعداداتها العسكرية بشكل ملحوظ خلال الأسابيع الماضية، بالتزامن مع تصاعد احتمالات ضرب إيران 

لكنه رأى، مع ذلك، أن هذه التحركات تندرج ضمن "حالة الجاهزية الدفاعية بالدرجة الأولى، تحسباً لأي تداعيات قد تطاولها جراء التصعيد الإقليمي". 

ورغم أن الجماعة تواصل مراكمة استعداداتها لهجوم محتمل في الجبهات الداخلية اليمنية، 

إلا أن الجبرني يعتقد أن "الظروف الموضوعية والميدانية لشن مثل هذا الهجوم غير متوفرة في اللحظة الراهنة، ما يجعل نشاطها الحالي مقتصراً على التحصن وتأمين المكتسبات القائمة".

وتبدو الجبهات الداخلية متنفساً محتملاً لتفريغ الضغط الإقليمي المسلط على الجماعة؛ إذ دفعت الجماعة بقوة عسكرية كبيرة مما يسمى "ألوية النصر" (قوات احتياط المنطقة العسكرية الخامسة) من مديرية كحلان الشرف بمحافظة حجة شمال غربي البلاد باتجاه المديريات الجنوبية لمحافظة الحديدة الساحلية، 

في خطوة تهدف إلى تعزيز السيطرة على خطوط الملاحة وتأمين المنصات الصاروخية. 

ولم يقتصر هذا التحشيد على الساحل الغربي، إذ خرجت قوة عسكرية من مدينة رداع بمحافظة البيضاء وسط البلاد باتجاه خطوط التماس جنوبي محافظة مأرب النفطية شمال شرقي البلاد. 

كما تبرز الأزمة الاقتصادية الخانقة في مناطق سيطرة الحوثيين كأحد المحركات المحتملة لقرار الحرب في ظل العجز عن صرف الرواتب وتقديم الخدمات الأساسية.

من جهته، رأى الكاتب الصحافي وسام محمد، أن تأثير ضرب إيران أخيراً يمتد ليضرب عمق هيكلية جماعة الحوثيين في اليمن، بأبعاد تتجاوز التقديرات السائدة، 

مؤكداً أن "ارتدادات ضرب إيران تضع الجماعة في مأزق وجودي بالنظر إلى انعدام استقلاليتها السياسية والعسكرية عن المركز الإيراني". 

وأشار إلى أن أي مساس باستقرار النظام هناك "من شأنه أن يربك حسابات الجماعة كلياً، خاصة أن تسارع الأحداث الميدانية تجاوز بالفعل الدور الوظيفي الذي رُسم لها مسبقاً في حال ضرب إيران مباشرة، 

ما جعل الجماعة تبدو كأنها فقدت بوصلة المناورة التي اعتادت عليها".
 
وأضاف محمد أن "الأوراق الضاغطة التي كانت تملكها الجماعة، وفي مقدمتها تعطيل الملاحة الدولية في البحر الأحمر، قد استُنفدت وباتت مكشوفة تماماً أمام المجتمع الدولي،

 إذ اتضحت الحدود القصوى التي يمكن للحوثيين الوصول إليها من دون القدرة على إحداث تغيير استراتيجي حقيقي". 

وأوضح أن "الضربات الأميركية التي استهدفت الجماعة رداً على تلك التحركات شكلت عامل ردع ملموس، وهو ما ينطبق أيضاً على سلاح الصواريخ والمسيّرات الموجهة نحو إسرائيل، 

إذ تشكل لدى الجماعة تصور يقيني بحجم الكلفة الباهظة لمثل هذا التصعيد، ما يجعل رغبتهم في دفع أثمان مماثلة مجدداً أمراً مستبعداً في ظل المعطيات الراهنة".

وفي ما يخص احتمال استهداف دول خليجية، تحديداً السعودية والإمارات، لتخفيف الضغط العسكري عن إيران، أشار محمد إلى أن "هذا المسار يصطدم بحسابات سياسية وإقليمية بالغة التعقيد والمخاطرة. 

فاستهداف السعودية يعني المقامرة النهائية بفرص التسوية السياسية التي يطمح الحوثيون إليها، وهي تطلعات ستسقط تلقائياً في حال انهيار النظام الإيراني. 

أما التصعيد تجاه الإمارات، فسيؤدي بالضرورة إلى إنهاء حالة التباين في المواقف الإقليمية وتوحيد الصفوف ضدهم مرة أخرى، بعد أن استثمر الحوثيون طويلاً في التنافر السعودي-الإماراتي لتعزيز وضعهم الميداني". 

وخلص إلى أن "حالة الاستنفار الواسعة التي أبدتها الجماعة قبل ضرب إيران لا تخرج عن كونها وضعية دفاعية محضة، تهدف إلى التحصن ضد أي هجوم محتمل، سواء أكان داخلياً، تستغله القوى المحلية المناوئة لهم، أم خارجياً يسعى لاستثمار لحظة الانكشاف الإيراني.

 فالجماعة اليوم لا تسعى إلى المبادرة بقدر ما تحاول الحفاظ على بقائها في ظل متغيرات إقليمية كبرى قد تنهي الدور الذي لعبته لسنوات ذراعاً متقدمة في المنطقة".
 
فخر العزب
صحافي يمني