تظاهرة 4 مايو في عدن: هل سيحقق «الانتقالي» بالشارع ما عجز عن تحقيقه بالحرب؟
استعدادٌ مكثف ومغاير بدأه مبكرًا المجلس الانتقالي الجنوبي للاحتفال بذكرى تأسيسه التاسعة (4 أيار/مايو)، ولأنه لم يعد يملك سوى ورقة الشارع بعد هزيمته العسكرية في محافظتي حضرموت والمهرة مستهل كانون الثاني/يناير الماضي،
وانفضاض شراكته مع الحكومة، وفرار رئيسه إلى خارج البلاد، فقد كرّس كل جهده لحشد أنصاره في جميع محافظات الجنوب والشرق، خلال الشهور القليلة المنصرمة؛ لتمثل ذكرى تأسيسه في هذا العام فرصة أهم، يريد أن يقول فيها إنه ما زال حاضرًا وقويا.
وتمثل تظاهراته، التي سينظمها غدًا الاثنين في عدن، والثلاثاء في حضرموت (المكلا)، والأربعاء في المهرة، والخميس في سقطرى، رهانًا يعتقد أنه سيمنحه ما خسره عسكريًا وسياسيًا بمغامرته في غزو محافظتي حضرموت والمهرة في كانون الأول/ديسمبر الماضي؛ على الأقل يستعيد، من خلالها، ثقة جماهيره كمقدمة لتوظيف تحشيدهم في إحداث مزيد من إرباك المشهد والضغط على القرار الحكومي والإقليمي.
وعلى الرغم من كل ما يُظهره من إصرار وثبات، إلا أنه ما زال يبدو، في الوقت نفسه، مرتبكًا، تحت وطأة شعوره بعِظم الورطة التي يعيشها في الوقت الراهن، إثر فقدانه الجاه والنفوذ والمال؛
بالإضافة إلى تراجع سيطرته على ميليشيات، لم تعد له عليها سلطة قرار أو تأثير، بقدر ما هي سلطة مصدرها الولاء في الغالب؛ وهو ما لا يعني، بأي حال من الأحوال، خلو جعبته مما قد يفاجئ به الساحة.
وانطلاقًا من ذلك الشعور؛ فإن الانتقالي، الذي يطالب بانفصال جنوب اليمن عن شماله، يعتقد أن حلول ذكرى تأسيسه التاسعة، تمثل فرصة ذهبية ليُثبت، من خلالها، أنه ما زال رقمًا من الصعب تجاوزه،
وبالتالي إيصال رسالة للداخل والخارج مفادها: لا يمكنكم تجاهلي في أي تسوية سياسية. وهو ما سبق وعبر عنه- صراحة- في بياناته الأخيرة.
وكان اللافت، في تحضيراته لإحياء هذه الذكرى، حرصه على تحوير المناسبة من ذكرى تأسيس مكون سياسي إلى ذكرى ما يسمّيه التفويض الشعبي للانتقالي حاملًا سياسيًا لما يسمّيها القضية الجنوبية،
وهو بهذا يريد تكريس مكونه ممثلًا حصريًا، ومن خلال ذلك يؤكد رفضه مسبقًا لمؤتمر الحوار الجنوبي، الذي تنظم له الرياض، ودعت إليه المكونات الجنوبية.
وكان عدد من قيادات الانتقالي يتقدمهم أمينه العام، عبد الرحمن الصُبيحي، أعلن في بيان من الرياض في التاسع من كانون الثاني/يناير الماضي قرار حل المجلس وإغلاق كافة هيئاته ومكاتبه في الداخل والخارج؛
وهذا القرار مثل ضربة أخرى عقدّت من مهمة استعادة مكانته، إذ أحدثت شرخًا كبيرًا في مركزه القيادي.
كان الانتقالي قبل هزيمته العسكرية يمارس حياته السياسية مزهوًا بقوة صنعها فراغ الساحة وضعف الدولة ودعم الخارج؛
وانطلاقًا من ذلك لم يكن يأبه لأي مكون جنوبي آخر، بل لقد صاغ ما سمّاه الميثاق الجنوبي، واعتبره وثيقة منحته، من خلال الموقعّين عليه، تفويضًا جنوبيًا بالتمثيل، وكان ذلك تجاوزًا منه للواقع، تحت تأثير سيطرته على مفاعيل النفوذ،
أما في الوقت الراهن فهو أمام امتحان عسير، لاسيما في حال إصراره على المضي على ذات المسار، الذي يتجاهل فيه التنوع الجنوبي في اليمن من ناحية،
وبقاء اليمن كيانًا جغرافيًا وسياسيًا وثقافيًا لا يمكن الانفصال عنه هوياتيًا بشطحة انفعال أو قرار تحت تأثير مفاعيل عديدة، بل إن ما يتبناه في الوقت الراهن – وفق مراقبين- ما هو إلا نتاج طبيعي لاختلال قدرته واهتزاز قوته،
وبالتالي هو يعيش اليوم حالة من الارتباك، لكنه في حال لم يفق منها، فلن يجد نفسه إلا في ورطة أخرى تعمّق خسارته؛ فالمشهد تغيّر تمامًا، وعليه أن يُعيد قراءته بمنطق توحد التنوع تحت مظلة اليمن، وباعتبار الجنوب جزءا منه،
بالإضافة إلى أهمية أن يتجاوز الانتقالي وعي الانفصال الهوياتي، الذي اندفع إليه متجاوزًا حقائق التاريخ والجغرافيا والثقافة.
وللأسف لم يدرك بعض قيادته أن السياسة تتطلب مراجعة المقدمات، التي صنعت النتيجة الخاسرة، لتجاوز ما مضى، إلا أنه في حال لم يفعل سيذهب بعيدًا، حسب تقديرات وقراءات مستقلة.
وبالتالي تمثل تظاهرة 4 أيار/مايو تحديًا له، ويأمل مراقبون أن ينظمها جيدًا، بدون خروج عن مسارها السلمي المدني، وتجاوز خطاب التحريض والكراهية والإقصاء، تحت تأثير الانفعال والشطح السياسي،
لاسيما في مرحلة فقد فيها الكثير من مفاعيل التأثير، وتبقت معه ورقة الشارع، التي بالتأكيد لن تمنحه ما حققه بالقوة والسطوة والمال.
كما يأمل المراقبون ألا يُفاجئ الساحة بما قد يسهم في تعقيد المشهد، والذهاب بالبلاد إلى مرحلة أكثر تعقيدا.
ورقة الشارع
وهنا نقف أمام السؤال: أين هو الانتقالي بعد تفكيك عناصر قوته؟ وهل ورقة الشارع كافية لتمكينه مما يريد؟
يرى الأمين العام المساعد السابق لجامعة الدول العربية، الأمين العام المساعد لحزب التجمع الوحدوي اليمني، د.علي عبدالكريم، «أن الانتقالي يعيش في الوقت الراهن لحظة أشبه بلحظة عدم التوازن بعد ضربة حضرموت،
وخروج عيدروس الزُبيدي بطريقة لا تليق بمحارب في الميدان، كما أن خروج الإمارات من المعادلة أوحى له بفقدان حليف يعتمد عليه اعتمادًا مطلقًا، أي لم يتبق له غير ما تبقى من أسلحة تم الاستيلاء عليها، ومقدرات ذات طابع مالي لم تعد تتجدد،
كما أن تحركاته ميدانيًا طيلة مرحلته السابقة اعتمدت على تحريك الساحات على عنصري المال والقوة ووجود الإمارات على الأرض».
ويقول «الآن يحاول إظهار ما تبقى من قوة بشرية، ويلوح باستخدامها وتحريكها خلال فعالية 4 مايو، لكن كل المؤشرات تشير إلى أن هذه الورقة لم تعد بالقوة والتماسك السابق، ضف إلى ذلك أن قوى حراكية أخرى لم تعد تدور تحت فلك ومعصم الانتقالي».
ويعتقد أن «كل تجارب الصراعات السابقة تؤكد بأن من خرج من السلطة ويحاول مجددًا سيجد أن الميعاد قد فاته. ثانيًا: إن المجاميع القيادية للانتقالي التي ذهبت إلى الرياض، وأعلنت حله قد أحدثت تصدعًا له تأثيره في تخلخل مركز القيادة،
وبالتالي تأتي محاولته حاليًا لإحياء أو تجديد ما يسمى بالتفويض لعيدروس الزُبيدي، كمحاولة لإظهار قوة ومكانة وتأثير انتقالي لم يعد صاحب القرار والسلطة على الأرض، ناهيك عن ظهور مجاميع على الأرض تبحث عن حل بعيدًا عن التصعيد.
ثالثًا إن طروحاته السياسية وتبنيه لمشروع الانفصال عبر ما سمّاها دولة الجنوب العربي يتناقض بالمطلق مع المرجعيات الحاكمة، التي تستند إليها مشروعية الشرعية،
بمعنى أن رفض الانتقالي المرجعيات المتمثلة بالمبادرة الخليجية، مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرارات الشرعية الدولية خاصة القرار 2216، وعدم إيمانه بتلك القرارات وغيرها،
كل ذلك قاد إلى ما أسفرت عنه مغامرة غزوة حضرموت المهرة» حسب عبدالكريم الذي يرى أن «الانتقالي أصبح بحاجة للملمة جراحه وإعادة قراءة خريطة تحالفاته مع العديد من الأطراف بالساحة الجنوبية،
ذلك يعني أن الأخرين لن يقبلوا أفكار الانتقالي عن الانفصال، خاصة في عدن وحضرموت والمهرة، إضافة لأبين أو الجزء الأكبر منها. الكثير هنا يبحثون عن مكانة الجنوب ضمن دولة اتحادية».
وأعرب عن الأمل في»ألا يتبنى الانتقالي خطابًا تحريضيًا ضد مَن يختلف معهم خاصة الشرعية، وعليه ألا يكرر خطاب الاستبعاد للآخر، والانتقال إلى مربع الشراكة الحقيقية، وتبني خطاب مصالحة حقيقية للوصول إلى صيغة برنامج سياسي، يمثل كتلة جنوبية أوسع بعيدًا عن خطاب النفوذ والاقصاء» على حد قوله.
القدس العربي
أحمد الأغبري