رفض الدمج والتلويح بالشارع.. "المجلس الانتقالي" المنحل يعود للتصعيد
الرأي الثالث
تشهد العاصمة المؤقتة عدن نشاطاً ملحوظاً للمجلس الانتقالي الجنوبي الذي أعلن حلّ نفسه، في يناير الماضي، بعد حالة من التهدئة أعقبت أحداثاً عاصفةً توجت بهزيمة المجلس عسكرياً في حضرموت والمهرة جنوب شرق البلاد.
الانتقالي تمكن، خلال الأسابيع الماضية، من إعادة فتح مقراته في عدن، وأيضاً في المكلا، عاصمة حضرموت أكبر محافظات اليمن، بعد قرار حكومي بإغلاقها ووقف فعاليات المجلس.
كما عاود المجلس تصعيد خطابه الانفصالي، وذلك خلال حشد كبير لأنصاره في العاصمة المؤقتة عدن، أكد خلاله تمسكه بخيار فك الارتباط، واستعادة ما أسماها "الدولة الجنوبية"، ورفض دمج التشكيلات العسكرية ضمن وزارتي الدفاع والداخلية.
هذا التحشيد جاء تزامناً مع سلسلة من الإجراءات التي تنفذها الحكومة اليمنية بدعم من الجانب السعودي لإعادة تشكيل الخريطة العسكرية والأمنية في عاصمة اليمن المؤقتة، وغيرها من محافظات الجنوب.
تحشيد الأنصار
في 9 يناير الماضي، أعلن المجلس الانتقالي الجنوبي حل نفسه، في أعقاب مواجهات عسكرية دامية اندلعت في محافظة حضرموت شرقي البلاد، وهي المواجهات التي تدخلت فيها السعودية تدخلاً مباشراً لصالح الحكومة اليمنية.
وبعد أيام قليلة من تقهقر المجلس، غادر رئيسه عيدروس الزبيدي، وعدد من قيادات المجلس إلى وجهة مجهولة، بينما توجه العشرات من قيادات المجلس إلى الرياض، ومن هناك جاء قرار الحل، لتُطوى بذلك صفحة هذا المكون الذي امتلك قوة عسكرية ونفوذاً ميدانياً غير مسبوق.
وبعد أشهر من الانكفاء، عاد المجلس للنشاط مجدداً، وهذه المرة من قلب عدن، حيث احتشد الآلاف من أنصار المجلس في فعالية أكد خلالها المجلس أن قضية الجنوب تمثل خياراً استراتيجياً ثابتاً غير قابل للمساومة أو التأجيل.
كما أعلن المجلس تمسكه بحق "استعادة دولة الجنوب"، معتمداً في بيان صادر في ختام التظاهرة التسمية الجديدة للمجلس، وهي: "المجلس الانتقالي الجنوبي للجنوب العربي"، بهدف تعزيز ما أسماها "الهوية الوطنية الجنوبية".
وشدد المجلس على رفضه دمج التشكيلات المسلحة التابعة له ضمن قوام وزارتي الدفاع والداخلية، وهو ما يعني رفضاً للإجراءات التي تتبعها السعودية لتطبيع الأوضاع في عدن.
ويرفض من تبقى من قيادات المجلس في عدن ومحافظات أخرى القبول بقرار حل المجلس، ويصرون على أنه "الممثل الشرعي" للقضية الجنوبية، وهو ما ترفضه بقية المكونات الجنوبية، التي تعمل الرياض على جمع كلمتها في الرياض لإيجاد صيغة لحلحلة هذا الملف المعقد، وبما يضمن تعزيز موقف الحكومة الشرعية في مواجهة جماعة الحوثي التي لا تزال تسيطر على صنعاء.
والجديد في الأمر أيضاً ظهور عيدروس الزبيدي في خطاب مسجّل دعا فيه أنصار المجلس إلى التمسك بالسلمية، والتفريق بين الحق السلمي والفوضى، في خطاب حمل نوعاً من الرسائل الإيجابية إلى السعودية في المقام الأول.
تحذيرات حكومية
تحركات المجلس الانتقالي (المنحل) تثير مخاوف احتمال اندلاع موجة عنف، خصوصاً في عدن والمكلا ومناطق أخرى، ولا سيما أنها تأتي في مرحلة حساسة، تسعى فيها الحكومة اليمنية بدعم السعودية لتثبيت وجودها في العاصمة المؤقتة عدن.
وسبق أن أصدرت الحكومة اليمنية تعليمات بمنع تسيير أي تظاهرات إلا بتنسيق مع السلطات المحلية في عدن وبقية المحافظات اليمنية الواقعة تحت سيطرتها، إلا أن المجلس الانتقالي لم يلتزم بها، وأخرج تظاهرات في عدن وحضرموت تسببت بوقوع عنف محدود، مطلع أبريل الماضي.
وفي اجتماع مصغر مع الحكومة، يوم الاثنين 4 أبريل، دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، اليمنيين والقوى السياسية والمجتمعية إلى تعزيز وحدة الصف، والالتفاف حول مشروع الدولة، وتعزيز الثقة بمؤسساتها، والتعاون الكامل مع الأجهزة الأمنية في ترسيخ الأمن والاستقرار.
سياسة الاحتواء
وفي هذا السياق يرى عاتق جار الله، رئيس مركز المخا للدراسات الاستراتيجية باليمن، أن المجلس الانتقالي الجنوبي تعرّض خلال الفترة الماضية لـ"ضربة كبيرة وموجعة"، لم تقتصر على الجانب العسكري فحسب، بل امتدت إلى ما وصفه بـ"حملة تفكيك واستقطاب واسعة" أثّرت على بنيته الداخلية.
وأوضح جار الله، أن المجلس الانتقالي، "المنحل"، ومن يقف خلفه من نفوذ إماراتي، لم يعد في مواجهة مباشرة مع الحكومة الشرعية أو السعودية، بل بات يواجه انقسامات داخلية وصراعات بين مكوناته.
وفي قراءته لتطورات المشهد، اعتبر أن "سياسة الاحتواء" التي انتهجتها الحكومة الشرعية عقب أحداث يناير منحت المجلس الانتقالي فرصة لالتقاط أنفاسه، مشيراً إلى أن الإفراط في هذه السياسة وفّر له "رصيداً زمنياً" مكّنه من إعادة ترتيب صفوفه.
وأضاف أن السماح لما وصفهم بـ"صقور الانتقالي" بأداء أدوار إضافية، سواء من داخل مؤسسات الشرعية أو عبر تحركات ميدانية، شكّل خطأً من جانب الحكومة ومؤسساتها.
ولفت إلى أن التراجع في الأوضاع المعيشية، لا سيما في عدن، بالتزامن مع تراجع نفوذ الانتقالي وتمدد القوات الموالية للحكومة، أوجد بيئة قد تتيح للمجلس استعادة جزء من شعبيته، في ظل حالة السخط الشعبي على مستوى الخدمات.
وفي ما يتعلق بالدور الإقليمي، أشار جار الله إلى أن السعودية لا تبدو راغبة في التدخل المباشر بأدواتها، خاصة مع إعلان الإمارات خروجها رسمياً من اليمن، ما يجعل الرياض، وفق تقديره، غير مضطرة للانخراط المباشر، مع احتمال إسناد مهام المواجهة إلى قوات محلية مثل "العمالقة"، للتعامل مع القادة الرافضين لقرارات الحكومة الشرعية.
وتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة استكمال ما وصفها بـ"معركة تسليم المعسكرات"، التي كان يُفترض استمرارها، غير أن سياسة الاحتواء، بحسب رأيه، أبطأت هذا المسار ومنحت الانتقالي فرصة للاستمرار.
وربط مآلات هذا الملف بشكل كبير بالموقف السعودي، وبأداء السلطة الشرعية، في ظل انشغال المملكة بملفات إقليمية أخرى.
وأشار إلى أن قادة الألوية والتشكيلات العسكرية التابعة للمجلس الانتقالي لا يزالون يحتفظون بسيطرة على وحدات عسكرية وإمكانات بشرية ومادية مؤثرة، ما يفتح الباب أمام احتمالات عودة المواجهات، خصوصاً في عدن، إلى جانب احتمال خروج تحركات شعبية في حضرموت تطالب بعودة المجلس، كرد فعل على تراجع الخدمات.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب، وفق تقديره، ضغطاً أكبر على السلطة الشرعية لتحسين الخدمات ومكافحة الفساد، بالتوازي مع حسم أمني وعسكري في مناطق عدن ولحج والساحل الغربي، محذراً من أن غياب هذه المعالجات قد يقود إلى موجة جديدة من الاستقطابات والمواجهات.
وفي تقييمه لخطاب عيدروس الزبيدي الأخير، وصفه بأنه اتسم بالهدوء وانخفاض مستوى التصعيد، مرجحاً أن يكون ذلك في إطار "مناورة سياسية" تهدف إلى تجنب استفزاز الحكومة الشرعية والسعودية، وكسب مزيد من الوقت، في ظل قناعة لدى المجلس بأن عامل الزمن قد يعمل لصالحه في حال تغيرت المعطيات الإقليمية أو الداخلية.