ظلام واحتجاجات واسعة.. هل تنجح السعودية في إنقاذ كهرباء اليمن؟
الرأي الثالث
أعادت الاحتجاجات الغاضبة التي شهدتها عدن وحضرموت، خلال الأيام الماضية، ملف الكهرباء إلى صدارة المشهد اليمني، بعد سقوط قتلى وجرحى وخروج مئات المحتجين إلى الشوارع تنديداً بالانقطاعات الطويلة للتيار الكهربائي وتدهور الخدمات الأساسية، في وقت تواجه فيه المحافظات الساحلية موجة حر شديدة زادت من معاناة السكان.
وجاءت التطورات الميدانية بالتزامن مع إعلان السعودية تقديم منحة جديدة بقيمة 150 مليون دولار لتوفير المشتقات النفطية اللازمة لتشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء في المحافظات اليمنية، في خطوة وصفتها الحكومة بأنها دعم عاجل يهدف إلى تعزيز استقرار الخدمة الكهربائية وتخفيف الضغوط المتزايدة على المنظومة.
ويفتح هذا التدخل السعودي الباب أمام تساؤلات جديدة حول قدرة الدعم الطارئ على احتواء أزمة الكهرباء المتفاقمة وتهدئة الشارع الغاضب، خصوصاً مع استمرار الاحتجاجات واتساع دائرة المطالب الشعبية التي لم تعد تقتصر على تحسين ساعات التشغيل بل تشمل معالجة الاختلالات المزمنة التي يعاني منها قطاع الكهرباء منذ سنوات.
احتجاجات الغضب
شهدت مدن عدن والمكلا وسيئون وتريم، خلال الأيام الأخيرة، موجة احتجاجات متصاعدة احتجاجاً على تدهور خدمة الكهرباء وارتفاع ساعات الانقطاع بالتزامن مع دخول فصل الصيف، حيث خرج محتجون إلى الشوارع وقطعوا طرقاً رئيسية وأشعلوا إطارات تالفة للمطالبة بتحسين الخدمات الأساسية ووضع حد للأزمة المستمرة.
وتصاعدت حدة الاحتجاجات بعد سقوط قتلى وجرحى خلال بعض التحركات الشعبية، الأمر الذي ضاعف من حالة الغضب في الشارع ودفع دعوات الاحتجاج إلى التوسع في عدد من المحافظات الجنوبية، وسط مطالبات بمعالجات عاجلة لأزمة الكهرباء وتوفير الوقود وخفض الأعباء المعيشية المتزايدة على المواطنين.
كما وصل محتجون في عدن إلى محيط قصر معاشيق الرئاسي ونظموا وقفات احتجاجية للمطالبة بتحسين الخدمات، فيما شهدت مدن حضرموت تحركات مماثلة شملت قطع الطريق الدولي في تريم والتنديد بما وصفه المحتجون بانهيار الخدمات العامة وتراجع مستوى المعيشة.
ويأتي هذا التصعيد في ظل شكاوى متواصلة من وصول ساعات الانقطاع في بعض المناطق إلى أكثر من 12 ساعة مقابل ساعات تشغيل محدودة، وهو ما دفع كثيراً من المواطنين إلى قضاء ساعات الليل خارج منازلهم هرباً من درجات الحرارة المرتفعة وانعدام وسائل التبريد.
ماذا تتضمن المنحة السعودية؟
أعلنت السعودية والحكومة اليمنية (9 يونيو 2026) توقيع اتفاقية جديدة لتوريد مشتقات نفطية بقيمة 150 مليون دولار بتمويل من البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، بهدف دعم تشغيل محطات توليد الكهرباء وتعزيز استقرار الخدمة في مختلف المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة.
وتشمل المنحة توفير مادتي الديزل والمازوت لأكثر من 70 محطة توليد كهرباء، إضافة إلى آلية رقابة وإشراف مرتبطة برئاسة الوزراء لضمان وصول الوقود إلى المحطات وفق الاحتياجات الفعلية للمنظومة الكهربائية وتحقيق أكبر قدر من الاستفادة التشغيلية.
كما أعلنت وزارة الكهرباء بدء تنفيذ خطة عاجلة لرفع كفاءة التوليد في عدن وحضرموت عبر توفير كميات إضافية من الوقود بدعم سعودي، مؤكدة أن المرحلة الأولى بدأت بالفعل مع زيادة الكميات تدريجياً خلال الأسبوعين المقبلين بهدف الحفاظ على استقرار الخدمة حتى نهاية العام الجاري.
وترافق ذلك مع توقيع اتفاقية أخرى بين البرنامج السعودي ووزارة الكهرباء وشركة "بترومسيلة" الحكومية للمساهمة في تعزيز كفاءة الشركة التشغيلية واستدامة أعمالها، في إطار الجهود الرامية إلى دعم قطاع الطاقة وتخفيف الضغوط التي تواجهه.
أكثر من مليار دولار منذ 2018
ترفع المنحة الجديدة إجمالي الدعم السعودي المخصص للمشتقات النفطية في اليمن منذ عام 2018 إلى أكثر من مليار دولار، بعد سلسلة منح سابقة استهدفت دعم تشغيل محطات الكهرباء ومنع انهيار المنظومة في المحافظات الواقعة تحت إدارة الحكومة.
وشملت تلك المنح دعماً بقيمة 180 مليون دولار في عام 2018، ثم 422 مليون دولار في عام 2021، و200 مليون دولار في عام 2022 إضافة إلى 81.2 مليون دولار خلال العام الجاري، قبل إعلان المنحة الجديدة البالغة 150 مليون دولار.
وساهمت هذه المنح، خلال السنوات الماضية، في تشغيل محطات التوليد وتأمين الوقود اللازم لها في ظل الصعوبات المالية التي تواجهها الحكومة، كما اعتبرتها وزارة الكهرباء أحد العوامل الرئيسية التي ساعدت على استمرار الخدمة ومنع خروج المنظومة بالكامل عن الخدمة.
ويعكس تكرار الدعم السعودي حجم التحديات التي يواجهها قطاع الكهرباء في اليمن، حيث ما تزال الحكومة تعتمد بصورة كبيرة على الوقود الممول خارجياً لتشغيل محطات التوليد وتغطية جزء من الاحتياجات المتزايدة للطاقة الكهربائية.
حلول مؤقتة
يعتقد الصحفي الاقتصادي محمد العمودي أن المنحة السعودية الجديدة ستمنح قطاع الكهرباء متنفساً مهماً، خلال الأشهر المقبلة؛ لأنها تستهدف المشكلة الأكثر إلحاحاً حالياً، وهي توفير الوقود اللازم لاستمرار تشغيل محطات التوليد، خصوصاً في ظل الارتفاع الكبير للطلب على الطاقة خلال فصل الصيف.
ويقول إنه من الناحية العملية فإن أي تحسن ملموس في ساعات التشغيل خلال الأيام والأسابيع القادمة سينعكس مباشرة على مستوى الاحتقان الشعبي في عدن وحضرموت؛ لأن جزءاً كبيراً من الغضب الحالي مرتبط بطول ساعات الانقطاع وتأثيرها على الحياة اليومية للمواطنين.
ويضيف: "إن نجاح المنحة سيُقاس أولاً بقدرتها على إعادة الاستقرار النسبي للخدمة الكهربائية خلال موسم الصيف".
ويؤكد أنه "لا يمكن النظر إلى المنحة باعتبارها حلاً نهائياً لأزمة الكهرباء في اليمن، فالتحديات لا تقتصر على الوقود فقط، بل تشمل شبكات النقل والتوزيع والفاقد الفني والربط العشوائي وارتفاع كلفة الإنتاج، وهذه ملفات تحتاج إلى استثمارات وإصلاحات طويلة الأمد تتجاوز طبيعة الدعم الإسعافي الذي يهدف أساساً إلى منع تدهور الوضع الحالي".
وتابع: "إذا نجحت الحكومة في استثمار هذه المنحة بالتوازي مع تنفيذ إصلاحات فنية وإدارية وتحسين كفاءة المنظومة، فقد تتحول إلى نقطة انطلاق لمعالجة أوسع للقطاع، أما إذا اقتصر الأمر على توفير الوقود دون معالجة الاختلالات الهيكلية، فإن الأزمة قد تتراجع مؤقتاً لكنها ستعود للظهور مجدداً مع أي ضغط جديد على منظومة الكهرباء".
لماذا تتكرر الأزمة؟
تقر الحكومة اليمنية بأن أزمة الكهرباء ليست وليدة الأشهر الأخيرة بل نتيجة تراكمات ممتدة منذ سنوات، تفاقمت بفعل الحرب وتراجع الموارد العامة وتهالك البنية التحتية وارتفاع كلفة التشغيل واعتماد معظم محطات التوليد على الوقود التقليدي مرتفع الكلفة.
كما تشير وزارة الكهرباء إلى أن المنظومة تواجه تحديات مرتبطة بنقص التمويل وتأمين الوقود واحتياجات الصيانة وارتفاع الطلب على الطاقة خلال فصل الصيف، فضلاً عن الأعطال الطارئة التي تؤثر بصورة مباشرة على استقرار الخدمة الكهربائية.
وخلال الأيام الماضية خرجت منظومة الكهرباء في عدن عن الخدمة بصورة شبه كاملة بعد مشكلة فنية في محطة الحسوة أدت إلى توقف محطات التوليد وانقطاع التيار عن عدن وأبين ولحج والضالع، قبل إعادة تشغيل المنظومة وفق برامج تقنين يومية.
وتتحدث تقارير يمنية عن أن معالجة الأزمة بصورة جذرية تتطلب إصلاحات أوسع تشمل تحديث شبكات النقل والتوزيع وتقليل الفاقد والربط العشوائي والتوسع في استخدام الغاز والطاقة المتجددة، إلى جانب توفير مصادر تمويل مستدامة بعيداً عن الحلول الإسعافية المؤقتة.