Logo

أزمة الطائرة الإيرانية.. اليمن على شفا مواجهة مفتوحة على كافة الاحتمالات

الرأي الثالث 

يدخل اليمن مفترقاً صعباً، مع إعلان جماعة الحوثيين "نهاية مرحلة خفض التصعيد" في البلاد، وتشديد الحكومة المعترف بها دولياً على "رفع أعلى درجات الجاهزية"، بهدف ما تقول إنه منع لانتهاكات أجواء البلاد وأراضيها، لتبقى الأوضاع مفتوحة على احتمالات عدة. 

وتتأرجح جبهة اليمن ما بين التصعيد والاحتواء، في أعقاب غارات على مطار صنعاء الدولي، أول من أمس الاثنين، قالت الحكومة المعترف بها دولياً إن هدفها كان منع طائرة إيرانية من الهبوط، 

في وقت ردّ فيه الحوثيون الذين حمّلوا الرياض مسؤولية الغارات، باستهداف مطار أبها السعودي بصواريخ باليستية اعترضتها قوات تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية.

وفي كل الأحوال باتت هدنة 2022 رهن مواجهة عسكرية ودبلوماسية، وإن كانت محدودة، في ظل مرحلة تتجه إليها البلاد، لا تنفصل عن الأحداث في المنطقة. 

يأتي ذلك خصوصاً في ظل موقف كل من طهران وواشنطن في الملف اليمني، ما بين سياسة جبهات الإسناد من جهة والضغط على الجماعات الموالية لإيران من جهة ثانية. 

علماً أن ارتباط التصعيد الحالي بمسألة خط الطيران بين طهران وصنعاء يبدو أقرب لمحاولة فرض أمر واقع، في مقابل الحظر المفروض على مطار صنعاء.
 
ودخل المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ على خط الأزمة بإعلانه أول من أمس إجراء اتصالات مكثفة لخفض التصعيد. 

وأمس الثلاثاء أعلن مكتب المبعوث الأممي، في بيان، أن غروندبرغ عقد "اليوم (الثلاثاء) سلسلة من الاجتماعات في مسقط، بإطار انخراطه المستمر (في الملف اليمني)، والتي شملت كبار المسؤولين العُمانيين وكبير مفاوضي الحوثيين، محمد عبد السلام".

 وأضاف البيان أن "النقاشات ركزت على ضرورة خفض التصعيد الفوري والتوصل إلى مسار متفق عليه للحفاظ على الهدوء النسبي الذي يشهده اليمن منذ اتفاق الهدنة في عام 2022" 

لافتاً إلى أن "المبعوث الخاص شدد على ضرورة انخراط الأطراف في مفاوضات تحت رعاية الأمم المتحدة بشأن الأولويات، قصيرة وطويلة الأمد، عبر المسارات الثلاثة لعملية الوساطة، المسار السياسي، والعسكري/الأمني، والاقتصادي، بما يدفع نحو التوصل إلى حل شامل ومستدام للصراع".

وفي أول تعليق من إيران على الأحداث في اليمن، قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الايرانية إسماعيل بقائي، في بيان مساء أول من أمس، إن "الأعمال الاستفزازية والخطيرة، مثل مهاجمة مطار مدني وتهديد أمن وسلامة طائرة ركاب، تُعد انتهاكاً صارخاً لقانون الطيران الدولي، وهي غير مقبولة بتاتاً". 

وأعلن في الوقت نفسه أن إيران "مستعدة لتقديم أي مساعدة لدفع العملية السياسية وتنفيذ خريطة الطريق (ديسمبر/كانون الأول 2023، أعلن غروندبرغ التزام الحكومة والحوثيين حزمة تدابير تشمل وقفاً شاملاً لإطلاق النار، وتحسين ظروف معيشة المواطنين) بهدف تحقيق سلام واستقرار دائمين في اليمن".
 
في المقابل، دانت كل من الخارجية القطرية والبحرينية والكويتية والعُمانية والرئيس اللبناني جوزاف عون، في بيانات متفرقة أمس الثلاثاء، الاعتداءات التي شنّها الحوثيون جنوبي السعودية.

 كما أكد جاسم محمد البديوي؛ الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، في بيان أمس، أن "أمن السعودية يعد جزءاً لا يتجزأ من أمن دول مجلس التعاون، وأن المجلس يقف صفاً واحداً مع السعودية في كل ما تتخذه من إجراءات لحماية أمنها واستقرارها وسلامة مواطنيها والمقيمين على أراضيها". 

على صعيد آخر، نقل موقع أكسيوس الأميركي فجر أمس الثلاثاء، عن مسؤولَيْن أميركيَيْن، أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قدم لولي العهد السعودي محمد بن سلمان دعمه، الأسبوع الماضي، لتحرك عسكري ضد الحوثيين.

 بحسب الموقع فإن ذلك يشير إلى أن الجانب السعودي قلق من صراع أوسع مع الحوثيين، سيتطلّب دعماً عسكرياً ودبلوماسياً من الولايات المتحدة.
 
تصاعد الأزمة في اليمن

وتمثلت الانعطافة التي فجّرت الأوضاع في اليمن بإعلان الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً استهداف مدرّجي الإقلاع والهبوط لمطار صنعاء الدولي لمنع هبوط طائرة إيرانية كانت تقل وفداً حوثياً شارك في مراسم تشييع المرشد الإيراني علي خامنئي. 

وحمّل رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، في بيان أول من أمس، "المليشيات الحوثية" مسؤولية التصعيد وسط الدعم الذي تحظى به "من النظام الإيراني، واستمرار استخدام وسائل وشركات خاضعة للعقوبات الدولية في تنفيذ هذه الانتهاكات".

ورصدت بيانات الملاحة الجوية تغيير الطائرة الإيرانية مسارها لتتحدى الحظر وتهبط في مطار الحُديدة الخاضع للحوثيين غربي البلاد. قوبل هذا التحدي باستنفار استثنائي في العاصمة المؤقتة عدن، إذ أعلن مجلس الوزراء برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني حالة "الانعقاد الدائم".

 وأمس، وجّه وزير الداخلية في الحكومة المعترف بها دولياً إبراهيم حيدان الوحدات الأمنية كافة في المحافظات برفع مستوى الجاهزية الأمنية والعملياتية، في ظل "ما يشهده اليمن من تهديدات إرهابية متصاعدة، تقودها إيران عبر ذراعها المتمثل في مليشيا الحوثي الإرهابية".

وكان رئيس المجلس القيادي الرئاسي رشاد العليمي قد ترأس، مساء الاثنين، اجتماعاً مشتركاً مع مجلس الدفاع الوطني. 

وأكد الاجتماع أن المسؤولية الكاملة عن "هذا التصعيد وتداعياته تقع على عاتق مليشيا الحوثي الإرهابية، التي رفضت جميع المبادرات السلمية التي رعاها الأشقاء والأصدقاء، وفي المقدمة خريطة الطريق التي حظيت بدعم إقليمي ودولي واسع، وأصرت على انتهاك سيادة الدولة وتقويض فرص السلام". 

كما حمّل الاجتماع "النظام الإيراني المسؤولية عن استمرار دعم هذه الممارسات المخالفة للقانون الدولي وقرارات مجلس الأمن". 

وأكد أنه "لا يمكن، تحت أي ظرف، السماح مستقبلاً بدخول أو هبوط أي طائرة أجنبية أو تسيير أي رحلة جوية إلى أي مطار في أراضي الجمهورية اليمنية خارج موافقة الحكومة والسلطات المختصة، باعتبار ذلك اختصاصاً سيادياً حصرياً للدولة".

على الجهة الأخرى، وبينما وجّه الحوثيون اتهاماتهم مباشرة نحو الرياض، إذ أكّد المتحدث العسكري باسم الجماعة يحيى سريع، الاثنين، أن "العدوان السعودي على مطار صنعاء الدولي لن يمر دون رد وعقاب" 

معتبراً أن العدوان "أنهى بذلك مرحلة خفض التصعيد"، لم يطل الوقت حتى تُرجم الوعيد ميدانياً. 

فقد أعلن المتحدث باسم تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية، تركي المالكي، في بيان مقتصب على منصة إكس مساء أول من أمس، أن "الدفاعات الجوية تعاملت مع تهديد بصواريخ باليستية أطلقتها المليشيا الحوثية الإرهابية باتجاه المنطقة الجنوبية" في السعودية.
 
من جهتها تبنّت قوات الحوثيين تنفيذ عملية عسكرية استهدفت مطار أبها الدولي. وأعلنت الجماعة، في بيان مساء أول من أمس، أنه "رداً على العدوان السعودي الإجرامي، نفّذت القوات المسلحة عملية عسكرية استهدفت مطار أبها الدولي، وذلك بعدد من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة". 

وحذرت "جميع شركات الطيران من العبور في أجواء المملكة السعودية وأن عليها أخذ تحذيراتنا على محمل الجد حتى رفع الحصار عن مطار صنعاء الدولي". 

كما تقدمت في البيان "بالشكر الجزيل للجمهورية الإسلامية في إيران على مساعدتها في رفع الحصار الظالم عن مطار صنعاء الدولي".

ويوجّه الحوثيون التهديدات العسكرية مباشرة إلى الرياض، متجاوزين بذلك أي دور محتمل للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، ربما بهدف الحصول على اعتراف، ولو ضمنياً، بشرعيتهم كطرف وحيد يمثل اليمن. 

أما الرياض فترى في الرحلات بين طهران وصنعاء غير الخاضعة للتفتيش خطاً لوجستياً مباشراً لنقل التقنيات العسكرية المتقدمة والخبراء. 

وجاء قصف مطار صنعاء امتداداً لحرب التهديدات والبيانات المتبادلة التي تصاعدت حدتها أخيراً، وبلغت هذه التوترات ذروتها في الثالث من الشهر الحالي، مع وصول طائرة إيرانية تابعة لشركة "ماهان إير" إلى المطار، في تحدٍ للحظر المفروض.

موازين الردع

وقلّل الخبير اليمني المتخصص في شؤون جماعة الحوثيين، عدنان الجبرني، من فرضية حدوث انقلاب جذري في المشهد اليمني. ورأى أن "طريقة الاستهداف أو تبني وزارة الدفاع اليمنية للعملية لا يعتبر تحولاً جوهرياً، ولا يمثل دليلاً على متغير حاسم في مستوى إسناد تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية للحكومة اليمنية في الوقت الحال".

 أما على صعيد موازين القوة وتوازن الردع، فأشار الجبرني إلى أن "جماعة الحوثي تمتلك بالفعل مخزوناً ضخماً من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، ما يمنحها القدرة على استهداف منشآت ومصالح حيوية سعودية".
 
وأوضح أنه "مع أن الدفاعات الجوية السعودية قادرة على اعتراض وتحييد معظم هذه المقذوفات، إلا أنه بالنظر لحجم هذا المخزون والعوامل الجغرافية المتداخلة، فإن احتمالية نجاح الجماعة في إحداث أضرار مادية أو التسبب في تعطيل جزئي لبعض المرافق تظل قائمة بوضوح". 

واستدرك بالقول إن "مآلات هذا التصعيد وقدرة الجماعة على الاستمرار فيه ستعتمد بشكل أساسي على مستوى الردع العسكري الذي ستقابل به السعودية العمليات الحوثية ومدى حسمه".

من جهته، رأى الباحث اليمني المتخصص في العلاقات الدولية، يوسف مرعي، أن "محاولة طهران كسر ما يطلق عليه الحوثيون الحصار على مطارات اليمن لا يمكن فصلها عن الصراع الإقليمي وحرب الإرادات بين طهران وواشنطن". 

وأوضح أن "إصرار طهران على تسيير رحلتها الثانية (إلى مطار صنعاء) وتحدي السيادة اليمنية جاء مباشرة بعد ضربات أميركية عنيفة استهدفت جنوب إيران قريباً من مضيق هرمز، ما يعكس مسعى لتخفيف الضغط عن الداخل عبر تفعيل ورقة الحوثيين". 

وفي رأيه فإن "استهداف الحوثيين لمطار أبها الدولي يؤكد عملياً نهاية مرحلة خفض التصعيد وفتح الباب لسيناريو المواجهة المباشرة، وهو ما قد يعلن رسمياً وفاة مسار مسقط التفاوضي".

فخر العزب
صحافي يمني