Logo

رسائل "البيرقدار" فوق أجواء اليمن: تحولات الردع والسباق التقني

الرأي الثالث 

 مع تسارع الأحداث الميدانية في اليمن وتزايد المؤشرات على قرب انفجار الوضع عسكرياً بشكل شامل، أعلنت جماعة الحوثي ، الأحد الماضي، إسقاط طائرة استطلاع مسلحة من طراز "بيرقدار أكنجي" تركية الصنع، مشيرة إلى أنها تابعة لسلاح الجو السعودي، أثناء تحليقها في أجواء محافظة الجوف، شمالي البلاد.

وأوضح البيان الصادر للجماعة أن الطائرة كانت "تنفذ أعمالاً عدائية" في أجواء المحافظة الحدودية، وأن عملية الإسقاط تمت بواسطة "سلاح مناسب"، من دون الإفصاح عن تفاصيل إضافية بشأن الموقع الدقيق للحادثة، أو طبيعة المهمة التي كانت تنفذها. 

وأكد البيان امتلاك الجماعة القدرات التي تمكنها من التصدي لأي محاولات لاختراق ما وصفتها بـ"السيادة الوطنية"، متعهدة بمواصلة مواجهة التحركات العسكرية المعادية في الأجواء اليمنية.

تركيز الحوثيين على تحديد بلد تصنيع المسيّرة

غير أن اللافت في إعلان الحوثيين لم يكن مجرد واقعة الإسقاط بحد ذاتها، بل التركيز المباشر على تحديد هوية الطائرة وبلد تصنيعها، وإبراز كونها تعمل تحت مظلة العمليات الجوية للتحالف بقيادة السعودية.

 ومن خلال هذا البُعد، سعى الحوثيون إلى إرسال رسائل سياسية مفادها أن الشراكة الدفاعية المتصاعدة بين الرياض وأنقرة لن تحول دون تحييد خطط التحالف أو الحد من القدرات الدفاعية والهجومية للجماعة.

وتثير واقعة الجوف أسئلة حول طبيعة التسليح الجوي للحكومة الشرعية في اليمن ومستوى استقلاليتها عن العمليات السعودية المباشرة، 

حيث كان الحضور الجوي مرتهناً بمسيّرات كشفية تشغلها الرياض مثل (Kareyel) من شركة "فيستل" التركية، وصولاً إلى الطرازات الهجومية الثقيلة والأحدث كـ"بيرقدار أكنجي".

 غير أن مصادر خاصة كشفت لـ"العربي الجديد" عن تحركات حكومية بعيدة عن الأضواء لامتلاك منظومة مسيّرات خاصة. 

وأكد مصدر مسؤول في وزارة الدفاع اليمنية، أن "المسيّرات بالفعل تركية، وهناك صفقة مبرمة مع أنقرة منذ عدة أشهر، إلا أن الطائرات لم تصل إلى الميدان حتى الآن"، 

كاشفاً عن أن "مجموعة من طياري المسيّرات اليمنيين يجرون حالياً دورة تدريبية مكثفة في تركيا للتدرب على التحكم بهذه الطائرات الحديثة".
 
من جانبه، أوضح مصدر آخر في وزارة الدفاع، أن الجيش اليمني لم يعد يعتمد كلياً على نمط تسليحي واحد، مؤكداً أن "الجيش يمتلك بالفعل أنواعاً متعددة من المسيّرات الحديثة التي يتم الحصول عليها عبر طرق ومسارات متعددة". 

وتأتي هذه الخطوات الحكومية في اليمن لتجاوز القيود المالية والعسكرية الشديدة، وفرض واقع جديد يسعى لتقليص الفجوة التسليحية مع الحوثيين، والانتقال من الاعتماد التقليدي المباشر على غطاء التحالف نحو بناء قدرات ذاتية مرتقبة.
 
تسيير "أكنجي" في أجواء اليمن محكوم بعمليات التحالف

وتأتي هذه الحادثة لتسلط الضوء على أبعاد الشراكة العسكرية المتنامية بين الرياض وأنقرة، حيث أبرمت السعودية صفقات دفاعية ضخمة مع شركة "بايكار" التركية لاقتناء مسيّرات "أكنجي"، 

ما يجعل تسيير هذا الطراز المتطور ضمن أجواء المعركة في اليمن محكوماً بأسقف عمليات التحالف وسلاح الجو الملكي السعودي. 

وتدحض هذه المعطيات التكهنات والشائعات المتداولة حول إبرام الحكومة الشرعية في اليمن صفقة شراء مستقلة ومعلنة مع تركيا، لتؤكد أن حضور هذه التقنية في الميدان ينطوي حالياً تحت أطر الدعم الإقليمي والغطاء الجوي للتحالف، وليس ضمن ترسانة خاصة جرى نقل ملكيتها منفردة للجيش اليمني.
 
ميدانياً، لا تبدو "بيرقدار أكنجي" مجرد طائرة استطلاع عادية، بل تنتمي لفئة الطائرات القتالية القادرة على التحليق بارتفاعات شاهقة تصل إلى أكثر من 40 ألف قدم، وتتميز برادارات مسح إلكتروني متطورة (AESA) وحمولات ضخمة من الصواريخ الذكية والموجهة.

 ومن هنا، يحمل إعلان الحوثيين إسقاط هذا الطراز في أجواء اليمن دلالات عسكرية لافتة، إذ تشير الحادثة إلى تطور في كفاءة منظومات الدفاع الجوي لدى الجماعة، سواء عبر استغلال صواريخ أرض ــ جو معدلة محلياً أو بالاعتماد على منظومات إيرانية مطورة قادرة على اصطياد أهداف على ارتفاعات عالية كانت خارج نطاق التهديد سابقاً.

وبعيداً عن التكتيك العسكري المباشر، ينطوي الإصرار الحوثي على إبراز "الجنسية التركية" للطائرة على رسائل إقليمية تهدف للإيحاء بأن الصفقات والتكنولوجيا الحديثة لن تغير معادلة الردع في الميدان اليمني.

أسئلة حول شكل الحسم في اليمن

وتطرح جولات التصعيد الأخيرة في اليمن أسئلة جوهرية حول شكل الحسم في حال اندلاع مواجهة شاملة على خطوط التماس الحيوية، كالجوف ومأرب والساحل الغربي. وعلى الرغم من أن إدخال المسيّرات المتطورة يمنح القوات الحكومية والتحالف في اليمن أسبقية في كشف التحركات وتسيير ضربات استباقية خاطفة، 

إلا أن القواعد العسكرية تؤكد أن التفوق الجوي لا يعني حسم السيطرة الميدانية دون وجود قوات مشاة متماسكة قادرة على التثبيت والتقدم على الأرض. 

وفي المقابل، يدرك الحوثيون هذه الفجوة التقنية، ما دفعهم لتطوير شبكات دفاع جوي لإيجاد "توازن حذر" يقلل من فاعلية هذا الغطاء، لتتحول السماء إلى ساحة سباق محتدم بين تقنيات الاستطلاع والضرب الدقيق، ومحاولات التحييد والاستنزاف.
 
وفي سياق القراءة العسكرية لأبعاد الحادثة، رأى المحلل السياسي والعسكري، المقدم أحمد المليكي، أن تمكن الحوثيين من إسقاط طائرة تعمل على ارتفاعات شاهقة ينطوي على دلالات مهمة، في مقدمتها أن الجماعة "استغلت سنوات التهدئة والهدنة غير المعلنة بفاعلية لإعادة ترتيب أوراقها وتعزيز ترسانتها العسكرية الهجومية والدفاعية".

 ورجّح المليكي أن تكون الجماعة قد نجحت مؤخراً - عبر قنوات الدعم الإيراني - في الحصول على "أنظمة دفاع جوي وأسلحة صينية متطورة جرى تكييفها للتعامل مع تهديدات معظم أنواع الطيران المسيّر الأكثر تعقيداً".

وأشار المليكي إلى أن هذا المتغير التقني يُرجح كفة السلاح المسيّر ليكون "العنصر الأبرز والأكثر حضوراً في حال تفجر الوضع عسكرياً بالكامل" 

مرجعاً ذلك إلى "انخفاض التكلفة التشغيلية لهذا السلاح مقارنة بالأثر العملياتي الذي يحققه في شل حركة الخصوم واستهداف المواقع الثابتة وخطوط الإمداد".

المسيّرات عامل مساعد

ورغم المحورية التقنية لسلاح المسيّرات بالنسبة لكافة الأطراف، خصوصاً في الجبهات ذات الجغرافيا المفتوحة والصحراوية، إلا أن المليكي شدد على أن هذا السلاح "سيظل عاملاً مساعداً، 

إذ إن تغيير معادلة السيطرة الأرضية لا يمكن حسمه نهائياً إلا عبر القوة البرية وعناصر المشاة الثابتة". 

واختتم تصريحه بالإشارة إلى أن المعركة القادمة في اليمن قد تشهد "تكافؤاً ميدانياً حذراً"، لافتاً إلى أن الحوثيين "ركزوا طيلة الفترة الماضية على حملات تجنيد مكثفة وتعبئة واسعة لتغطية أي عجز محتمل في العنصر البشري".

بدوره، رأى الصحافي والمحلل السياسي رضوان فارع، أن التركيز الحوثي على جنسية الطائرة التركية "لا يتعدى كونه تحديداً فنياً لنوعية السلاح والمُصنّع دون أبعاد سياسية إضافية".

 وأضاف أن "استعانة التحالف بالتقنية التركية لن تخلق فارقاً جوهرياً، خاصة أنه يمتلك بالفعل تقنيات واستخبارات أميركية متقدمة فوق الميدان". 

وأكد فارع أن الفارق الحقيقي في مسار المعركة في اليمن لا يتوقف على إضافة طيران مسيّر تركي أو غيره، بل يكمن في "تغيير قواعد الحرب داخل عقلية التحالف والشرعية، واتخاذ قرار فعلي بتحريك الجبهات نحو مناطق سيطرة الجماعة".

ولفت فارع إلى أن انتظار صناعة قرار سياسي أو قواعد اشتباك جديدة في اليمن يشير إلى أن "قرار المواجهة الشاملة للتخلص من النفوذ الإيراني لم يُتخذ بعد"،

 مؤكداً أن التحالف لا يعاني من نقص السلاح، بل إن موقفه "لا يزال يتراوح بين خيار المواجهة العسكرية الحاسمة أو العودة إلى خريطة السلام". 

وفي المقابل، اعتبر فارع أن امتلاك الحكومة الشرعية في اليمن لسلاح مسيّر خاص وتفعيل طيرانها الذاتي "سيعزز فرصها الميدانية"،

 مشدداً على أن المفترض بالشرعية "خوض المعركة بهدف استعادة الدولة وتحرير الأرض، لا مجرد فرض شروط تفاوضية جديدة".

فخر العزب
صحافي يمني