Logo

العليمي يعيد تشكيل الملف العسكري: استعداد يمني للحرب؟

الرأي الثالث 

 في خطوة فُهمت بأنها تعكس توجهاً للتعامل مع تحديات الملف العسكري والأمني، أصدر رئيس مجلس القيادة الرئاسي ، رشاد العليمي، حزمة قرارات جمهورية رفيعة المستوى، أول من أمس الأربعاء، شملت تعيينات مفصلية في المؤسسة العسكرية والأمنية.

 ويأتي تحرك العليمي في توقيت بالغ الحساسية، متزامناً مع مواقف سياسية وشعبية داعمة، تمثلت بتصعيد برلماني وسياسي واسع النطاق يندّد بهجمات جماعة الحوثيين المستمرة على خطوط الملاحة الدولية في البحر الأحمر وخليج عدن، وكذا خروج مسيرات التأييد لمواقف قيادة الشرعية في محافظات عدة، على رأسها تعز.
 
العليمي يرتب البيت الداخلي

وبينما تتقاطع هذه القرارات مع تركةٍ ثقيلة من التحديات الأمنية والعسكرية المتراكمة، تتمثل بإشكاليات في هيكلية المؤسسة العسكرية والأمنية، تطرح التعيينات الجديدة تساؤلات ملحة في الشارع اليمني عما إذا كانت الشرعية تبدأ في إعادة ترتيب بيتها الداخلي فحسب، 

أم أنها ترسم معالم استراتيجية جديدة استعداداً لمرحلة حاسمة على وقع خيارات المواجهة والتصعيد العسكري.
 
تتجاوز حزمة قرارات العليمي الأخيرة، كونها مجرد تعيينات روتينية أو سدّاً لفراغات إدارية، لتشكّل إعادة تموضع هيكلي ومؤسسي تمسّ عصب المنظومة العسكرية والأمنية للشرعية. ومن خلال تفكيك خريطة هذه التعيينات، يتبين أنها راعت التوازنات السياسية والمناطقية ووزعت الأدوار بين مفاصل حيوية تتطلب معالجات عاجلة، وهو ما يتضح عند قراءة المواقع والأسماء.

وفي قطاع يعدّ من الأكثر حساسية وتعقيداً في هيكل القوات المسلحة، جاء تعيين اللواء الركن طيار عبد العزيز سعيد هزاع المحيا، قائداً للقوات الجوية والدفاع الجوي، والعقيد ناشر منصور سالم باجري رئيساً لأركان الحرب (مع ترقيته إلى رتبة عميد)، ليحمل دلالات عميقة، 

إذ يعاني سلاح الجو والدفاع الجوي اليمني منذ اندلاع الصراع من شلل شبه تام، وتدمير واسع للبنى التحتية، فضلاً عن تشتت القدرات الفنية والقتالية. 

وعليه، فإن اختيار شخصية عسكرية تمتلك خبرة تخصصية كاللواء المحيا، وإلى جانبه العميد باجري في رئاسة الأركان، يعكس توجهاً نحو إعادة بناء هذا القطاع الحيوي، وتفعيل قدرات الرصد والدفاع، ورفع الجاهزية الفنية والقتالية بما يتناسب مع طبيعة التهديدات الجوية المتطورة، خصوصاً في ظل تعاظم المخاطر المرتبطة بالطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية.
 
قفزة تسليحية

ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة عند حدود الهيكلة الإدارية، بل تتقاطع مع تطورات ميدانية تمثلت بالقفزة التي تحققت أخيراً في كفاءة هذا السلاح، بحسب الإعلانات الرسمية للقوات المسلحة؛

 حيث شهدت القوة الجوية للجيش اليمني تحولاً بإعادة إحياء المقاتلة الأميركية الخفيفة "نورث أف 5 أف تايغر 2"، وتفعيل قدرات الإسناد عبر المروحيات الهجومية، وصولاً إلى إعلان القوات الحكومية أخيراً إدخال منظومات حديثة ومتطورة من المسيّرات اليمنية إلى الخدمة العسكرية الفعلية.

 وكشفت القوات المسلحة اليمنية عن نقلة في قدرات التصنيع والتطوير الحربي، عارضةً للمرة الأولى نماذج مصنّعة ومطورة محلياً بأيدٍ وكفاءات يمنية تشمل منظومات متعددة المهام، بدءاً من المسيّرات الاستطلاعية، وصولاً إلى الطائرات الهجومية والانتحارية المصممة لضرب أهداف ثابتة ومتحركة بدقة عالية، وهو ما يعيد إحياء قواعد جديدة ورسمها لإدارة المعركة الجوية.
 
على الصعيد الاستشاري والسيادي، حملت قرارات العليمي ترقية وتعييناً لشخصيات ذات ثقل سياسي وعسكري، برتبة فريق؛ وفي مقدمتها اللواء الركن أحمد سعيد محمد بن بريك، واللواء الركن طيار راشد ناصر علي الجند.
 
وفي الجانب الأمني والاستخباري، استهدفت القرارات إعادة صياغة مفاصل الجهاز المركزي لأمن الدولة عبر تعيين العميد الركن يحيى محمد يحيى كزمان وكيلاً لقطاع الأمن الداخلي، والعميد الركن أحمد سعد أحمد السقطري وكيلاً لقطاع الأمن الخارجي.

وتعكس هذه الخطوة إدراكاً عميقاً لحجم التهديدات الاستخبارية والاختراقات الأمنية التي تواجهها المناطق المحررة، فضلاً عن نشاط الخلايا النائمة وشبكات التهريب.

 ويؤكد الفصل والتنظيم الدقيق بين قطاعي الأمن الداخلي والخارجي، وإسنادهما إلى قيادات ميدانية وأمنية متمرسة، مساعي الشرعية الحثيثة لترتيب البيت الأمني، وتوحيد الجهد الاستخباراتي، ورفع كفاءة التنسيق لمجابهة المخاطر المتداخلة.

وتتصدر التساؤلات الملحة في الشارع اليمني والدوائر السياسية إشكالية جوهرية مفادها: هل تمهد قرارات العليمي العسكرية والأمنية لطريق عمل هجومي واسع، أم أنها مجرد ترتيبات دفاعية بحتة؟ 

وفي قراءة موضوعية لاتجاهات الموقف العسكري، يذهب اتجاه أول إلى أن حزم التعيينات، خصوصاً في سلاح الجو والدفاع الجوي والجهاز الاستخباراتي، تعكس إدراكاً متصاعداً لدى القيادة الشرعية باحتمالية انهيار جهود التسوية السياسية والدبلوماسية تماماً. 

وبناءً عليه، يرى أصحاب هذا الرأي أن الشرعية باتت مجبرة على التحضير لخيارات بديلة ورفع الجاهزية القتالية على مختلف الجبهات، لامتلاك زمام المبادرة والقدرة على ردع أي تصعيد عسكري محتمل قد تقدم عليه جماعة الحوثي، مستغلة حالة المراوحة الراهنة.

علماً أن جماعة الحوثيين شنّت أمس، سلسلة هجمات صاروخية وبالطائرات المسيّرة استهدفت معسكرات تابعة للقوات الحكومية في محافظتي مأرب وحضرموت، ما أسفر، بحسب مصادر عسكرية، عن سقوط عشرات القتلى والجرحى، في واحدة من أعنف الهجمات التي تستهدف هذه القوات خلال الفترة الأخيرة. 

وقالت مصادر عسكرية وميدانية إن الحوثيين استهدفوا، معسكر الثنية في منطقة الرويك شرقي محافظة مأرب، والذي تتمركز فيه الفرقة الأولى طوارئ ويضم عدداً من الألوية العسكرية، باستخدام موجات متتالية من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة المفخخة.

 وفي تطور متصل، أفادت مصادر عسكرية بأن الهجوم الحوثي استهدف أيضاً معسكرات للقوات الحكومية في منطقة العبر بمحافظة حضرموت، 

مؤكدة أن الحصيلة الأولية تشير إلى مقتل أكثر من 40 عسكرياً، فيما تحدثت مصادر أخرى عن مقتل 45 ضابطاً وجندياً من قوات الطوارئ.
 
في المقابل، يقلّل محللون آخرون من طابع قرارات الحرب الشاملة، معتبرين إياها خطوة ضرورية في مسار ترتيب البيت الداخلي وتوحيد ودمج القوى، وملء الفراغات الإدارية والقيادية المزمنة، وسد الثغرات الأمنية في المناطق المحررة. 

ويشير أصحاب هذا الطرح إلى أن هذه الإجراءات تأتي في ظل قيود وضغوط إقليمية ودولية صارمة تدفع باتجاه التهدئة والحفاظ على مسار خفض التصعيد، ما يجعل القرارات أقرب إلى رفع الكفاءة المؤسسية والدفاعية وتأمين الجبهة الداخلية منها إلى كونها إعلانات فورية لفتح جبهات مواجهة واسعة النطاق.

ورغم الأهمية الاستراتيجية للتعيينات الجديدة، إلا أن الطريق أمام القيادات العسكرية والأمنية المعينة حديثاً لا يفرش بالورد، إذ تصطدم بحزمة من التحديات المعقدة والمتراكمة على الأرض. 

تبرز في طليعة هذه العقبات تعقيدات التنسيق العسكري والعملياتي بين مختلف التشكيلات والتشظي التاريخي الذي عانت منه البنية العسكرية للشرعية لفترات طويلة، وهو ما يتطلب جهداً مضنياً لتوحيد الرؤى وغرف العمليات. 

إلى جانب ذلك، يبرز عائق شحّ الإمكانات وشبه انعدام الدعم اللوجستي اللازم لرفع كفاءة قطاعات حساسة وتأهيلها، كالدفاع الجوي والأمن الداخلي، ما يحدّ من فاعلية الخطط التطويرية، 

فضلاً عن انعكاسات الوضع الاقتصادي والمعيشي المتردي وانهيار العملة على معنويات الأفراد والمنتسبين إلى المؤسسة العسكرية والأمنية.

وقال الكاتب والمحلل السياسي، علي الفقيه، إن حزمة قرارات العليمي "تحمل رسائل واضحة تؤكد جهوزية الحكومة الشرعية للمرحلة المقبلة، ومضيها قدماً في استكمال بناء الهياكل العسكرية وإحياء الوحدات التي عانت من شبه شلل خلال السنوات الماضية، وفي مقدمتها القوات الجوية".

وأوضح الفقيه أن القرارات تمثل أيضاً مؤشراً على استمرار مساعي توحيد القرار العسكري وإشراك مختلف القوى في استحقاقات المرحلة المقبلة،

 مشيراً إلى أن ذلك "اتضح جلياً من خلال استيعاب شخصيات وازنة كانت تقف في وقت سابق على النقيض من توجهات مجلس القيادة الرئاسي"، في إشارة إلى تعيين شخصيات بارزة في مواقع استشارية برتبة فريق مثل اللواء أحمد بن بريك واللواء راشد الجند.

وعلى الصعيد الإقليمي والدولي، لفت المحلل السياسي إلى أن الأطراف الدولية والإقليمية تحبذ بطبيعة الحال التعامل مع سلطة تمتلك القدرة والجاهزية للعب دور محوري وشريك فاعِل في تأمين الممرات المائية الدولية، ولا سيما في ظل تصاعد التهديدات المستمرة على ممرات الطاقة والتجارة العالمية.

 وأضاف أن الحكومة الشرعية تبعث من خلال هذه التعيينات برسائل تؤكد استمرارها في ترتيب صفوفها الداخلية ومعالجة الاختلالات الهيكلية التي سادت طوال السنوات الماضية، وهي اختلالات اعتبر أنها "اقتطعت من حضور الشرعية وقلصت أهليتها لتكون شريكاً كفوءاً ومتمكناً على الأرض".
 
بدوره، قال الباحث اليمني في الشؤون الأمنية والسياسية، عاصم المجاهد، إن "حزمة تعيينات العليمي العسكرية والأمنية تتجاوز بكثير فكرة سدّ الشواغر الإدارية، لتشكل محاولة جادة لإعادة تنشيط مؤسسات ظلّت لسنوات تعمل بقدرات محدودة وهياكل غير مكتملة".

وأوضح المجاهد أن "هذا التوجه يبرز بصورة واضحة في قطاع سلاح الجو والدفاع الجوي الذي يعدّ الأكثر تأثراً بالحرب، حيث تعكس إعادة ترتيب القيادة ورئاسة الأركان سعياً لبنائه تدريجياً بما يواكب التهديدات الراهنة واتساع استخدام الطائرات المسيّرة". 

وأشار إلى أن "تعيين العليمي لقيادات جديدة بقطاعي الأمن الداخلي والخارجي في الجهاز المركزي لأمن الدولة يستهدف تعزيز العمل الاستخباري ورفع كفاءة جمع المعلومات لمواجهة الاختراقات وشبكات التجسس".

وحذّر الباحث من أن هذه القيادات ستصطدم بتحديات جسيمة، في مقدمتها إعادة بناء القدرات الفنية وتقنيات القيادة والسيطرة وتوفير الموارد، مؤكداً أن "نجاح عملية الهيكلة لا يعتمد على تغيير الأسماء وحدها".

وعلى الصعيد الاستراتيجي، استبعد المجاهد أن تعني القرارات حتمية الحرب الشاملة، معتبراً إياها "خطوة استباقية لرفع الجاهزية والتعامل مع جميع السيناريوهات في ظلّ التصعيد الحوثي والظروف الإقليمية الراهنة، لتندرج بذلك ضمن مسار أوسع تنتهجه الشرعية لتوحيد القرار العسكري والاستعداد للتعامل مع أي تحول ميداني محتمل".

وفي الرياض، أعلنت وزارة الدفاع السعودية، أمس، تعيين اللواء البحري الركن عبد الله بن سالم الشهري قائداً للتحالف البحري الدفاعي المتعدد الجنسيات، وانضمام دول جديدة إليه بعد أسبوع من تأسيسه. 

وذكرت وكالة الأنباء السعودية "واس"، أن هذا التعيين "يعكس التزام الدول المؤسسة باستكمال الهيكل القيادي للتحالف، بما يعزز جاهزيته لتنفيذ مهامه الدفاعية لدعم الأمن البحري، وحماية حرية الملاحة، وتأمين الممرات والمضائق البحرية، ودعم التجارة الدولية وسلاسل الإمداد العالمية ضمن قطاع مسؤولية التحالف، وفقا لميثاقه وأحكام القانون الدولي".

 ويضم التحالف حالياً دولاً بينها: السعودية والولايات المتحدة واليمن والكويت وسلطنة عُمان والأردن والسودان والمغرب والمالديف وبنغلاديش ونيوزيلندا. 

وأفادت الوزارة بأن دولاً إضافية استكملت التوقيع على البيان المشترك التأسيسي، فيما تواصل دول أخرى استكمال إجراءاتها الوطنية للتوقيع على البيان وميثاق التحالف، تمهيداً لانضمامها الرسمي بوصفها من الدول المؤسسة.