الحوثيون يكثفون هجماتهم على المخا: مفتاح باب المندب
الرأي الثالث
لم يعد الساحل الغربي ينعم بذلك الهدوء النسبي الذي لطالما شكّل استثناءً في خريطة الحرب الممتدة لأعوام في البلاد،
إذ عاد التوتر ليضرب بعنف جذور الاستقرار في المنطقة، مع تصدر مدينة المخا الساحلية الواقعة في أقصى غرب محافظة تعز بنك الأهداف الحوثية منذ بدء موجة التصعيد الواسعة مطلع شهر أغسطس/آب الحالي.
وتعرضت مدينة المخا، خلال الأيام الماضية، لما يقرب من 50 صاروخاً باليستياً وعشرات الطائرات المسيّرة المفخخة، متجاوزةً حدود المناوشات على خطوط التماس، لتتحول إلى استهداف مباشر وممنهج للبنية التحتية المدنية والاقتصادية،
أدى إلى خروج ميناء المخا عن الخدمة وإلحاق خسائر مادية وبشرية جسيمة، بعدما طاول القصف مرافق الميناء وعمّاله الذين يمثلون عصب الحياة لشريان تجاري عُدّ طويلاً المنفذ البديل الأكثر أمناً في اليمن لدخول السلع والمساعدات.
وفي آخر الهجمات، أعلن الجيش اليمني، أمس الاثنين، رصد إطلاق جماعة الحوثيين صاروخين باليستيين باتجاه مدينة المخا والبحر الأحمر.
وقال بيان صدر عن محور تعز العسكري التابع للجيش اليمني، نشره عبر حسابه على "فيسبوك"، إن فرق الاستطلاع التابعة له رصدت إطلاق الحوثيين "صاروخين باليستيين فرط صوتيين باتجاه مدينة المخا والبحر الأحمر"
مضيفاً أن "الصاروخين أُطلقا من مقر قيادة اللواء 170 دفاع جوي سابقاً في جبل أومان، شرقي مدينة تعز، الخاضعة لسيطرة الحوثيين". وجاء ذلك بعدما استهدفت المخا، أول من أمس الأحد، بسبع طائرات مسيّرة.
وتتبوأ مدينة المخا اليمنية مكانة استثنائية بالغة التعقيد على الخريطة الجيوسياسة الإقليمية والدولية، فهي تقع في أقصى الجنوب الغربي لمحافظة تعز على بعد نحو 90 كيلومتراً من مركز المحافظة، وتقترب جنوباً بنحو 60 إلى 70 كيلومتراً من مضيق باب المندب.
هذا الموقع الفريد والملاصق للشريان المائي الأبرز عالمياً جعلها عقدة مواصلات وممراً استراتيجياً لا غنى عنه لتجارة الطاقة وناقلات النفط الضخمة، وضامناً رئيسياً لحرية الملاحة وتدفق الإمدادات،
وحين تتقاطع النيران والصواريخ مع هذه الأهمية العسكرية والجيوسياسية الهائلة، يجد المتابع نفسه أمام مشهد يتجاوز حدود الاشتباك الميداني العابر، ليتحول إلى معركة كبرى على عصب الجغرافيا والسيادة الاقتصادية لليمن.
ولم تعد المخا مجرد حاضنة ساحلية هادئة تنعم ببيئة مستقرة، فقد شهدت في الآونة الأخيرة طفرةً خدميةً وتنمويةً نوعيةً أعادت الاعتبار إلى قيمتها التشغيلية من خلال إحياء مينائها الحيوي، إلى جانب تشييد مطار دولي جديد يترقب البدء الفعلي لنشاطه.
غير أن وزن المدينة يتجاوز الأبعاد التنموية البحتة ليمثل عسكرياً المعقل الحصين للقوى المناهضة لجماعة الحوثيين، والمركز العصبي للقيادة والتموين للتشكيلات الأمنية والعسكرية التابعة لـ"قوات المقاومة الوطنية" بقيادة طارق صالح،
حيث تمتد خطوط إمدادها الاستراتيجية وصولاً إلى أطراف مديرية الخوخة جنوبي محافظة الحديدة، متخذةً من المدينة رأس الحربة والمنطلق الأساسي لأي تحرك عسكري مستقبلي.
ولا ينفصل الاستهداف الممنهج الذي تتعرض له مدينة المخا من جماعة الحوثيين، عبر الصواريخ الباليستية والمسيّرات، عن حسابات سياسية واستراتيجية بالغة الدقة تسعى من خلالها الجماعة لفرض أهداف متعددة، في مقدمتها تعطيل النشاط التجاري والملاحي لميناء المدينة.
إلى جانب ذلك، تستهدف الهجمات الحوثية المباشرة على البنية التحتية المدنية والاقتصادية تقويض نموذج الاستقرار التنموي القائم في المخا، وعرقلة جهود الاستثمار وإعادة الإعمار لإبعاد النشاط التجاري عن المدينة.
كما تعكس رغبة حوثية واضحة في ممارسة الضغط العسكري والسياسي على "قوات المقاومة الوطنية" لكونها تشكّل مركز الثقل الأبرز لخصومهم، ومحاولة هندسة معادلة ردع تستبق أي تحركات عسكرية محتملة لقوات الحكومة الشرعية المعترف بها نحو محافظة الحديدة، التي تمثل الرئة الاقتصادية للحوثيين.
من هذا المنطلق، تتأكد مكانة المخا باعتبارها جائزة كبرى ونقطة ارتكاز سيادية لا يمكن لأي طرف محلي أو إقليمي التفريط في أمنها، لأن ذلك يعني بشكل مباشر شلل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر وتهديد عصب الاقتصاد العالمي بشكل واسع.
الخريطة العسكرية في المخا
تتخذ الخريطة العسكرية في الساحل الغربي لليمن صيغة معقدة من التموضع الاستراتيجي وخطوط التماس المتبادلة، حيث تشكّل المخا المعقل الرئيسي والمركز العصبي للعمليات العسكرية ومقر القيادة العامة لتشكيلات "القوات المشتركة".
وتعمل هذه القوات، المنضوية تحت شرعية مجلس القيادة الرئاسي، ضمن نسق عسكري متكامل يضم نخبة التشكيلات القتالية، وفي مقدمتها "قوات المقاومة الوطنية" بقيادة عضو مجلس القيادة الرئاسي طارق صالح
إلى جانب قوات "ألوية العمالقة الجنوبية" بقيادة أبوزرعة المحرمي و"ألوية المقاومة التهامية"، والتي أثبتت قدرتها على تأمين الشريط الساحلي وتحصين العمق الحيوي، خلال السنوات الماضية.
ويمتد خط التماس على طول قوس واسع يبدأ من الساحل وصولاً إلى تخوم تعز وغربها، مثل قطاعات البرح ومقبنة في ريف تعز الغربي.
وتضم القوات المشتركة اليوم نحو 30 لواءً عسكرياً، أُعيد تنظيمها وهيكلتها في مطلع عام 2026 ضمن خمس فرق وقوات رئيسية بإشراف سعودي مباشر
وهي: حراس الجمهورية، ألوية تهامة، ألوية الزرانيق، ألوية العمالقة، إلى جانب تشكيل بحري وقوات أمنية متخصصة
ما جعلها بحسب مراقبين، قوة ضاربة ومؤسسة عسكرية متكاملة تشكّل درعاً حصيناً على البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.
في المقابل، تفتقر جبهات الساحل الغربي الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين إلى إحصائيات رسمية دقيقة لعدد ألويتها العسكرية، لاعتماد الجماعة على بنية هجينة تدمج وحدات الجيش الموروث بالتشكيلات العقائدية.
ويتوزع انتشارها الميداني على ألوية الدفاع الساحلي والقوات البحرية التي تمثل النواة الصلبة الممتدة على شريط البحر الأحمر وتتمركز قيادتها في معسكرات الحديدة
إلى جانب محاور العمليات وقوات الاحتياط التي تشمل ألوية مشاة برّية موزعة على قطاعات القتال، مدعومة بكتائب مهام خاصة ووحدات رد سريع مركزية لا تلتزم بالهياكل التقليدية.
ويعتمد الحوثيون في إدارة هذه الجبهات على غرف عمليات أمنية وعقائدية مركزية ترتبط بقيادتهم العليا مباشرة، متجنبين الإفصاح عن الأعداد الرقمية لألويتها.
ميدانياً، تشتعل الجبهات في قطاع البرح الواقع إلى الشرق من المخا وضمن أطراف مديرية مقبنة وغرب محافظة تعز، محتضنةً النسق الأشد سخونة ضمن التطورات العسكرية الأخيرة في الساحل الغربي.
وفي تفاصيل هذا المشهد الساخن، صرّح المتحدث باسم "القوات المشتركة"، العميد وضاح الدبيش، أول من أمس السبت، أن قطاع البرح شهد مواجهات عنيفة فجر 14 أغسطس استمرت ساعات، إثر هجوم حوثي مضاد ومتعدد المحاور ترافق مع قصف مدفعي ومحاولات تسلل.
وأضاف الدبيش أن "وحدات الجيش والقوات المشتركة والمقاومة الوطنية تصدت للهجوم بيقظة عالية، مدعومة بضربات مدفعية مركزة وطائرات الاستطلاع المسير، ما أسفر عن إحباط الهجوم، وتدمير آليات عسكرية، وتكبيد الحوثيين خسائر بشرية قُدّرت بين 45 إلى 55 فرداً بين قتيل وجريح ومفقود.
في المقابل، اقتصرت خسائر القوات المشتركة على ثلاثة شهداء وسبعة جرحى، مؤكدة جاهزيتها في حماية عمق المخا وإفشال أي اختراق ميداني".
منطقة البرح
وتكتسب منطقة البرح أهميتها الاستراتيجية بوصفها عقدة ربط محورية بين مدينة تعز والساحل الغربي، إذ ترتبط بالصراع حول طرق الإمداد منذ عام 2018 كبوابة للربط بين جبهة تعز والساحل والتحرك شمالاً باتجاه الحديدة.
وتكشف خريطة السيطرة الميدانية عن انقسام عملي لمنطقة البرح بين الطرفين، حيث تسيطر القوات الحكومية على مفرق البرح ومنطقة الوازعية وموزع والارتفاعات والجبال المطلة عليها
بينما يحتفظ الحوثيون بمدينة البرح نفسها ومصنع أسمنت البرح والمواقع الاستراتيجية المحيطة بها، إلى جانب الطريق الحيوي الممتد باتجاه تعز عبر هجدة.
وبهذا، يمثل مفرق البرح للمخا موطئ قدم متقدماً يحمي جانب الطريق القادم من الساحل، بينما تحتفظ الجماعة بقلب المنطقة كعقدة مواصلات مهمة.
وعليه، فإن الهجوم الحوثي الأخير، بوضعه إلى جانب التصعيد المتزامن في المخا وذباب وباب المندب، لا يعكس بالضرورة رغبة في تحقيق اختراق واسع نحو الساحل، بقدر ما يستهدف الضغط على الحافة الشرقية لمنظومة الساحل الغربي،
وتثبيت القوات الموجودة هناك ومنعها من نقل ثقلها إلى محور آخر، مما يثبت أن البرح تمثل فعلياً البوابة البرية الشرقية الحارسة للمخا والعمق الساحلي.
وتسعى جماعة الحوثيين من وراء ذلك كلّه إلى هندسة معادلة ردع استباقية تجعل أي تحرك عسكري حكومي محفوفاً بالدمار، لمراكمة أوراق تفاوضية تستخدم لابتزاز المجتمع الدولي وتهديد خطوط الملاحة وكسر شروط أي تسوية مقبلة.
وتضع هذه التطورات المشهد أمام مفترق طرق، ففي حين تسعى جماعة الحوثيين لفرض حرب استنزاف تربك الخطوط الخلفية، تثبت الجهوزية العالية للقوات المشتركة قدرتها على حماية المخا وصون مينائها
لتحدد الأيام المقبلة ما إذا كانت جبهة الساحل الغربي ستنزلق نحو مواجهة واسعة النطاق أم ستتحطم عندها كافة رهانات التصعيد.
وحول ذلك، رأى المحلل العسكري، الرائد خليل الصبري، أن جبهة الساحل الغربي تمثل الهدف الأبرز لجماعة الحوثيين الساعية إلى إحداث اختراقات استراتيجية ذات أبعاد إقليمية
مشيراً إلى أن السيطرة على المخا تعني الإشراف المباشر على المحافظات الجنوبية، وخنق مدينة تعز، وتوجيه تهديد مباشر لعدن، وصولاً إلى محاولة السيطرة التامة على مضيق باب المندب لفرض أمر واقع على المجتمع الدولي".
وأوضح المحلل العسكري أن المخا تشكل المعقل الرئيسي للقوات المشتركة والمقاومة الوطنية، ما يجعل الدفاع عنها معركة وجودية. وأكد أن "القوات المشتركة تمتلك من الألوية والجاهزية القتالية ما يتيح لها إحباط أي هجوم برّي"
لافتاً إلى "أن الجماعة لجأت نتيجة عجزها الميداني، إلى القصف بالصواريخ الباليستية والمسيّرات لاستهداف ميناء المخا، والبنية التحتية، وتعطيل نموذج الاستقرار والتنمية الذي تجسد خلال السنوات الماضية".
وفي ما يتعلق بالتعامل الميداني مع هذه الاعتداءات، شدّد الصبري "على ضرورة تجاوز موقف الدفاع البحت، معتبراً أن الخيار العسكري الأنسب يتمثل في المبادرة ونقل المعركة إلى معاقل الحوثيين برّياً".
وأشار إلى أن "التركيز على محور البرح ومديرية مقبنة بالكامل يمثل هدفاً استراتيجياً حاسماً، من شأنه عزل خطوط إمداد الجماعة الرابطة بين تعز وجبهات جنوب الحديدة، وتأمين العمق السكاني وخطوط الملاحة الدولية بشكل تام".
بدوره، أكد الكاتب والمحلل السياسي عصام السفياني، أن "مساحة التصعيد التي أشعلتها مليشيا الحوثيين أخيراً في الساحل الغربي وتوقيتها لا يمكن فصلهما عن خريطة الصراع التي رسمتها إيران في مياه الإقليم،
وانتدبت المليشيا لهذه المهمة في التوقيت المحدد من قِبل إدارة الحرب والمواجهة في طهران"، وفق رأيه.
وأوضح السفياني أن "تتبع مسار التصعيد الحوثي في المخا وجزيرة زقر وباب المندب، واستهداف نقاط حيوية وأهداف متحركة في البحر، يُعد إعلاناً صريحاً من قِبل المليشيا بالانخراط الكلّي في هذه المعركة، حتى وإن رفعت شعارات بعيدة عن جوهر التصعيد الحقيقي".
وعلى الصعيد الميداني، أشار المحلل السياسي إلى أن التحرك الحوثي يتركز بدرجة رئيسية على القصف بالصواريخ والمسيّرات، والهجمات البحرية بالقوارب المفخخة،
ولم يُرصد أي تحرك حقيقي في الجبهات البرّية حتى الآن، باستثناء محاولات تسلل وهجمات متقطعة خلال الفترة الأخيرة
معتبراً أن ذلك يعد دليلاً قاطعاً على أن المليشيا تنفذ حالياً مهمة مرسومة وبأدوات تناسب طبيعة المعركة التي تتركز ساحتها في البحر وخطوط الملاحة".
وفي ما يخص الأهداف الاستراتيجية للجماعة، بيّن السفياني أن التحرك في جبهات الساحل والسيطرة على الجغرافيا المطلة على باب المندب يهدف إلى إحكام السيطرة على الممر الدولي، وعدم الاكتفاء بالسيطرة النارية وحدها.
في المقابل، شدّد المحلل السياسي اليمني على أن حجم القوة العسكرية للتشكيلات الحكومية والشرعية في الساحل الغربي تجاوزت مرحلة القدرة على الدفاع إلى الجاهزية للمشاركة الفاعلة في أي جهد دولي أو إقليمي لتحرير الشريط الساحلي ومحافظة الحديدة، والوصول إلى أبعد من ذلك، وفق قوله.
فخر العزب
صحافي يمني