Logo

ظهور عيدروس الزبيدي: اختبار للشارع الجنوبي وسط تحوّلات النفوذ

الرأي الثالث 
 
عاد رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل عيدروس الزبيدي إلى الظهور العلني، مساء أمس الثلاثاء، للمرة الأولى منذ مغادرته اليمن مطلع يناير/كانون الثاني الماضي، في خطاب مصوّر ألقاه عشية الذكرى الثالثة والستين لثورة 14 أكتوبر 

 جامعاً بين الدعوة إلى التعبئة الشعبية في المحافظات الجنوبية والتأكيد على المضي في مشروع انفصال جنوب اليمن، ومطالبة السعودية والمجتمعين الإقليمي والدولي بالاعتراف بالإعلان الدستوري والبيان السياسي اللذين أعلن عنهما في الثاني من يناير/ كانون الثاني الماضي.

ويكتسب توقيت ظهور الزبيدي دلالات، إذ لا تبدو كلمته مجرد مناسبة لإحياء ذكرى وطنية، بل محاولة لإعادة تثبيت حضوره السياسي، وإظهار أن مشروع الانفصال لا يزال قائماً رغم التحولات التي أصابت موقعه وموقع القوى التابعة له.

 وكانت مغادرة الزبيدي قد ارتبطت بأحداث يناير/كانون الثاني، عندما تصاعد الخلاف بشأن تحركات قوات المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة شرقي البلاد، الذي جاء بعد التطورات العسكرية والسياسية التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة أواخر العام الماضي ومطلع العام الحالي، 

وما أعقبها من تراجع قوات المجلس الانتقالي عن مناطق سيطرت عليها، وإقالة الزبيدي من مجلس القيادة الرئاسي، واتهامه بالخيانة العظمى، والإعلان عن حل المجلس الانتقالي الجنوبي في يناير الماضي. 

وأعلن التحالف آنذاك عن هروب الزبيدي من عدن عبر مسار بحري إلى إقليم أرض الصومال، قبل انتقاله إلى أبوظبي.
 
ويحمل الظهور العلني للزبيدي، بعد أشهر من الغياب، رسالة إلى أنصاره مفادها أن غيابه لم ينهِ دوره في الخطاب السياسي للمشروع الانفصالي الذي يتبناه. 

لكن الظهور الإعلامي لا يعني، في حد ذاته، استعادة النفوذ الميداني الذي خسره المجلس الانتقالي خلال التطورات السابقة، ولا يثبت أن الزبيدي يمتلك القدرة على توجيه القوات أو إدارة المؤسسات من موقعه الحالي خاصة بعد تفكيك ما كان يُعرف بالقوات المسلحة الجنوبية التابعة للانتقالي. 

وتظل المسافة قائمة بين تأكيد استمرار المشروع في الخطاب السياسي، وبين القدرة على تحويله إلى واقع سياسي وعسكري في ظل المتغيرات الأخيرة.
 
وتتجاوز هذه الدعوة، من حيث دلالتها السياسية، حدود الاحتفال بالمناسبة التاريخية المرتبطة بطرد المحتل البريطاني من جنوب اليمن (انطلقت الثورة في 14 أكتوبر/ تشرين الأول 1963 وتم الاستقلال في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967) 

إلى محاولة استعادة المبادرة في الشارع الجنوبي، بعد الانتكاسة التي تعرض لها المجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة نهاية العام الماضي. 

فالتعبئة تمنح الزبيدي وسيلة لإظهار أن لديه قاعدة اجتماعية قادرة على الحشد، وأن تراجع نفوذه العسكري لا يعني بالضرورة انتهاء قدرته على التأثير في المشهد السياسي.

غير أن اختبار هذه الرسالة يرتبط بما ستسفر عنه الدعوات من مشاركة فعلية، وبمدى قدرة أنصاره على تنظيم تحركات في المحافظات المختلفة، خصوصاً في حضرموت والمهرة، حيث تتداخل مسألة النفوذ العسكري مع خلافات أوسع بشأن تمثيل السكان وإدارة الموارد ومستقبل المحافظتين. 

وتحمل مخاطبة القبائل الجنوبية أهمية إضافية، بالنظر إلى دورها في التوازنات المحلية في شرق اليمن، فحضرموت، بما تمتلكه من ثقل جغرافي واقتصادي واجتماعي، ليست مجرد امتداد جغرافي للمشروع الذي يتبناه المجلس الانتقالي 

 كما أن المهرة تتمتع بخصوصية محلية وروابط اجتماعية وسياسية، تجعل مواقف القوى القبلية والاجتماعية فيها عاملاً مؤثراً في أي محاولة لإعادة تشكيل النفوذ.
 
وسعى الزبيدي إلى الفصل بين خسارة مواقع النفوذ السياسي والعسكري (عضويته في مجلس القيادة الانتقالي الجنوبي والقائد الأعلى للقوات المسلحة الجنوبية) والتمسك بالمشروع السياسي 

مقدماً الانفصال بوصفه مساراً مستمراً لا يرتبط ببقاء المجلس في مؤسسات السلطة أو بحجم سيطرته العسكرية في مرحلة بعينها. 

لكن مطالبة السعودية بالاعتراف بالإعلان الدستوري تفتح باباً آخر يتعلق بطبيعة العلاقة التي يريد الزبيدي إقامتها مع الرياض،

 فالسعودية كانت طرفاً أساسياً في التطورات التي أعقبت تمدد القوات التابعة للمجلس الانتقالي في حضرموت والمهرة، كما دعمت تحركات القوى الموالية للحكومة لاستعادة السيطرة على المناطق الشرقية.

وفي هذا الإطار، فإن إعلان التعبئة لا يضمن وحده توحيد الجبهة العسكرية، ولا يبدد الخلافات السابقة بين المجلس الانتقالي والحكومة اليمنية. 

بل إن استعادة الدور السياسي للزبيدي ستظل مرتبطة بقدرته على التعامل مع هذه التناقضات، وتحديد طبيعة علاقته بالقوى الجنوبية الأخرى وبالسلطات المعترف بها دولياً.

نقطة تحوّل أم غياب التأثير؟

ويرى الناشط السياسي المقرب من المجلس الانتقالي، عمار الضالعي، أن "الظهور العلني الأخير لعيدروس الزبيدي لا يشكل مجرد خطوة رمزية في مناسبة وطنية 

بل يمثل نقطة تحول مفصلية ستعيد إحياء الزخم السياسي والحراك الجماهيري في الشارع الجنوبي من جديد، لا سيما أن الخطاب جاء حاسماً ومؤكداً ثوابت القضية الجنوبية والتمسك بالإعلان الدستوري وخيار استعادة الدولة كاملة السيادة".

 ويضيف أن "الرهان على تحجيم تطلعات الجنوبيين أو تحويل مسار قضيتهم الوطنية من خلال المتغيرات الميدانية الأخيرة، هو رهان أثبت عدم صوابيته، فشعب الجنوب متمسك بحقه العادل في تقرير مصيره، وسيستمر في تصعيد فعالياته السلمية والنضالية لتثبيت هذه الحقوق".
 
ويشدد على أنه "بات يتوجب على المجتمع الدولي والتحالف العربي، وفي مقدمته السعودية ودول الإقليم، التعاطي بمسؤولية وواقعية مع هذه الإرادة الشعبية، واحتواء مطالب الجنوبيين بصفته المفتاح الأساسي لأي استقرار مستدام في المنطقة، بدلاً من تجاوز هذه الحقيقة السياسية والميدانية".

بدوره، يرى المحلل السياسي خالد المقطري، أن عيدروس الزبيدي حاول استغلال الظروف التي تمر بها البلاد في ظل التصعيد العسكري وحاجة القوات اليمنية لتحشيد القوى السياسية والعسكرية ضد الحوثي، واستغلال التقارب السعودي الإماراتي الأخير، من أجل العودة إلى الواجهة من جديد، خاصة مع توظيف التعبئة العامة لتمرير الخطاب السياسي الذي يتبلور في جوهره مع مطلب الانفصال".

ويضيف أن "الزبيدي خسر نفوذه السياسي والعسكري، خاصة بعد نجاح التحالف في تفكيك القوة العسكرية التابعة للانتقالي، 

وبالتالي فإن ما عجز الزبيدي عن تحقيقه خلال امتلاكه للنفوذ السياسي والعسكري، لن يستطيع تحقيقه بعد اتخاذ التحالف قراراً بحل "الانتقالي "وتفكيك قواته، ولذا فإن عودة الزبيدي إلى المشهد السياسي لن يكون لها أي تأثير يذكر".

فخر العزب
صحافي يمني