Logo

"فجر اليمن" تصطدم بتعثر الجبهات وتصعيد الحوثيين ضد السعودية

الرأي الثالث 

دخلت عملية "فجر اليمن" التي أُطلقت في الرابع من أكتوبر/تشرين الأول الحالي، يومها الحادي عشر اليوم الخميس، وسط أسئلة حول ما أحرزته ولماذا تعثرت العمليات في عدة جبهات.

وحققت عملية "فجر اليمن" تقدماً ملموساً خلال اليومين الأولين، خصوصاً في محور باب المندب، إذ تمكّنت القوات الحكومية، عبر عملية التفاف في مسرح العمليات، من استعادة السيطرة على مناطق في باب المندب وذوباب، ومواصلة التقدم إلى مشارف مديرية الوازعية. 

لكن الأيام التالية شهدت تراجعاً في زخم العمليات، مع مواجهة القوات الحكومية صعوبات ميدانية ولوجستية أعاقت مواصلة التقدم، كان أبرزها الألغام المزروعة على مختلف محاور التقدم، 

فضلاً عن استماتة الحوثيين في الدفاع عن الأراضي التي سيطروا عليها في سبتمبر/أيلول الماضي في جبهة باب المندب، ما أظهر حجم التعقيدات التي تواجهها القوات الحكومية في محاولة الحفاظ على زخم العمليات وتوسيع نطاق تقدمها.

ولم يكن هذا التحول المتغير الوحيد المصاحب للعملية، إذ برز متغيران رئيسيان آخران، تمثّل الأول في تحقيق الحوثيين تقدماً واضحاً في جبهة أرياف تعز، التي تشكّل الظهير الجبلي للامتداد الساحلي لباب المندب والساحل الغربي، بما يفتح جبهة موازية ذات تأثير مباشر في مسار العمليات على الساحل.

أما المتغير الثاني، فتمثّل في عدم تحرك بقية الجبهات الحكومية في مأرب والجوف والبيضاء وصعدة وميدي بالزخم المتوقع، وفقاً لما أُعلن عنه في بيان إطلاق العملية. 

وأثار ذلك تساؤلات بشأن القدرة على ترجمة الإعلان السياسي والعسكري إلى تحرك ميداني متزامن على مختلف الجبهات، وطبيعة مسرح العمليات وتعقيداته، والحسابات السياسية والعسكرية المحيطة بالعملية، ومدى التوافق بين رغبة السلطة الشرعية في خوض مواجهة عسكرية مع الحوثيين وقدرتها الفعلية على ذلك.

 كما يطرح هذا الواقع تساؤلات بشأن تأثير البعد الإقليمي، الذي يتجلّى في مسارين متوازيين: تفاهمات حوثية ــ إيرانية تنعكس في وحدة الاستراتيجيات الميدانية، وتصعيد حوثي متزايد يستهدف المصالح الحيوية في العمق السعودي، بما يجعل مسار العملية مرتبطاً بتشابك الحسابات الداخلية والإقليمية.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي أعلن، في بيان الثلاثاء الماضي، أن عملية "فجر اليمن" مستمرة حتى إنهاء ما وصفه بتهديد جماعة الحوثيين، واستعادة مؤسسات الدولة، وإعادة قرار الحرب والسلم إلى السلطة الشرعية، 

مشيراً إلى أن العملية تمضي نحو هدفها النهائي بدعم من السعودية، بعد استنفاد فرص التهدئة، حسب قوله.
 
مساران لعملية "فجر اليمن"

وقال الباحث السياسي اليمني مصطفى الجبزي، إن الجبهات والمواقع المنتشرة على خطوط التماس في مناطق سيطرة القوات المنضوية تحت الحكومة الشرعية، في تعز ومأرب والجوف وحرض وميدي، كانت في الأصل دفاعية، 

وبالتالي فإن الانتقال من الدفاع إلى الهجوم في وقت قصير، من دون استكمال بناء القوات وتجهيزها، ليس بالأمر السهل.
 
وأضاف الجبزي أن المعركة تمضي عبر مسارين؛ يتمثّل الأول في استكمال الترتيبات والاستعدادات والتجهيزات، إذ رأى أن معركة "فجر اليمن" كبيرة وتحتاج إلى حشد قوى أكبر من تلك الموجودة على خطوط التماس.

 أما المسار الثاني، فيتمثّل، بحسب الجبزي، في استكمال هيكلة القوات الحكومية وإعادة تنظيمها ضمن منظومة عمليات موحّدة، 

موضحاً أن هذا المسار بدأ مطلع العام الحالي، وينبغي أن يستمر ليشمل مختلف الأطر والهياكل القيادية وقنوات التواصل وآليات الضبط والربط، بما يسهّل التنسيق بين القوات والمحاور المختلفة.
 
وأشار الجبزي إلى أن المعركة، حتى الآن، لا تمثّل اجتياحاً برياً واسعاً بقدر ما تقوم على استهداف دقيق لقدرات جماعة الحوثيين وخطوط إمدادها ومخازنها. 

وبحسب تقديره، ينصبّ تركيز القوات الحكومية والتحالف حالياً على مراكز التخزين والتصنيع والتعبئة والحشد، في إطار العمل العسكري الرامي إلى إضعاف قدرات الجماعة.

 وأوضح أن الحوثيين حشدوا للمعركة وكأنها الأخيرة، ويعتمدون تكتيكاً معقداً ومختلفاً يقوم على الدفع بمجاميع كبيرة من المقاتلين، مع التركيز على استغلال المناطق الرخوة وغير المؤمّنة. 

وتوقع أن يصل الحوثيون إلى مرحلة يصعب فيها تحمّل مزيد من الخسائر، نتيجة ارتفاع الكلفة اليومية للحرب، وعندها قد يبدأ مسار التراجع والهزيمة.

الحوثيون وإضفاء طابع إقليمي للحرب

وقال المحلل العسكري اليمني، مصطفى القحفة، إن الأسبوع الأول من عملية "فجر اليمن" شهد تصعيداً عسكرياً واسع النطاق، إذ نفّذ الطيران الحربي وطائرات التحالف المسيّرة مئات الغارات الجوية التي استهدفت معاقل ومستودعات أسلحة وتحصينات جماعة الحوثيين في صنعاء ومأرب والجوف وصعدة وتعز والحديدة. 

وأضاف أن التحركات البرية للقوات الحكومية تركزت في محاور الساحل الغربي ومحيط باب المندب وجبهات الجوف ومأرب، إلى جانب محاولات كسر الحصار المفروض على تعز والتقدم في المرتفعات المحيطة بها.

وأوضح القحفة أن هذه التطورات دفعت الحوثيين إلى تصعيد عملياتهم العابرة للحدود، مستهدفين السعودية ومنشآتها المدنية بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، الأمر الذي أضفى طابعاً إقليمياً على الحرب اليمنية.

 ورأى أن الحوثيين يسعون إلى إضفاء هذا الطابع على الصراع الداخلي، بما يتيح لهم أن يصبحوا جزءاً من معادلة الصراع والتسويات الإقليمية. 

وأشار إلى أن هذه الاستراتيجية تتكامل، من وجهة نظره، مع تحركات إيران في حربها مع الولايات المتحدة، محذراً من أنها قد تنقلب على الحوثيين، لأنها قد تستدعي حشداً إقليمياً ودولياً ضدهم، وهو ما يرى أنه بدأ يتشكّل بالفعل.

ولفت القحفة إلى أن الطبيعة الجغرافية الوعرة والتضاريس الجبلية المعقدة في اليمن، خصوصاً في الجبهات المحيطة بصنعاء ومأرب، تمنح الحوثيين، الذين يتخذون مواقع دفاعية في هذه الجبهات، أفضلية ميدانية كبيرة، وتجعل التقدم البري البطيء محفوفاً بالمخاطر.

 كما أن الكثافة السكانية والبنية التحتية، والخشية من إلحاق أضرار بالمدنيين في المناطق التي لا تزال خاضعة لسيطرة الحوثيين، تشكّل ضغوطاً وقيوداً عملياتية على الضربات الجوية والتقدم البري.

لماذا تقدم الحوثيون في ريف تعز؟

وفي ما يتعلق بتقدم الحوثيين في ريف تعز، قال القحفة إن الفترة التي سبقت إعلان عملية "فجر اليمن" شهدت محاولات حوثية مكثفة لفرض طوق محكم على مدينة تعز، 

وشن هجمات واسعة للسيطرة على الطرق والمنافذ الغربية والجنوبية الغربية للمحافظة، بهدف قطع خطوط الإمداد عن القوات الحكومية.

 وأضاف أنه مع انطلاق العملية، تحولت جبهات تعز إلى مسرح لاحتواء الهجوم الحوثي، 

إذ خاضت قوات الجيش والمقاومة معارك شرسة في قطاعات، من بينها حيفان وذوباب، بهدف فك الحصار وضرب حشود الجماعة، ما أدى إلى تراجع محاولات تقدم الحوثيين في بعض المرتفعات الاستراتيجية لمصلحة القوات الحكومية.

وعن عدم تزامن الهجوم على مختلف الجبهات الحكومية، أوضح القحفة أن القوى المناهضة للحوثيين تتألف من تشكيلات عسكرية متعددة، لكل منها مسرح عمليات خاص بها، 

وتختلف طبيعة جبهة الساحل الغربي وباب المندب عن جبهات الصحراء والمثلثات في مأرب والجوف، وعن الجبهات الجبلية المحاصرة في تعز، إذ تتطلب كل جبهة تكتيكات مختلفة.

الحرب الشاملة لم تبدأ بعد

وقال الباحث اليمني في العلاقات الدولية عادل المسني، إن العملية البرية الشاملة المخطط لها ضمن "فجر اليمن" لم تبدأ بعد، وإن ما يجري على الأرض حالياً يمثّل تهيئة لمسرح العمليات المقبلة. 

وبحسب المسني، فإن ترتيبات السلطة الشرعية مع السعودية ترتبط أيضاً بالسياق الدولي، إذ تتداخل دوائر الصراع المحتدمة في المنطقة ويؤثر بعضها في بعض. 

ولفت إلى الترابط بين المواجهة في مضيق هرمز والحرب في اليمن، معتبراً أن ذلك يشير إلى وجود توقيتات إقليمية ودولية يجري التنسيق بشأنها لمواجهة التهديد الإيراني والحوثيين.
 
وأشار المسني إلى أن التطورات في المنطقة تجري وفق حسابات تتصل أيضاً بالانتخابات الأميركية (في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل)، وهو ما يفسّر، من وجهة نظره، التريث في إطلاق العملية البرية في اليمن. 

وأضاف أن الاستراتيجية المعتمدة حالياً تقوم على استنزاف الحوثيين عبر الضربات الجوية التي تستهدف مخزونات الصواريخ والطائرات المسيّرة وقدرات القيادة والسيطرة والإمكانات اللوجستية، 

وهو ما يفسّر، بحسب تقديره، غياب مسار عملياتي شامل وواضح في الوقت الراهن.
 
وفي ما يتعلق بالعمليات في تعز، رأى المسني أن الحوثيين يتحركون في مناطق الفراغ والمواضع الرخوة، بعدما واجهوا صعوبات كبيرة في ذوباب وباب المندب نتيجة تدخل الطيران ودخول "قوات العمالقة" إلى هذه الجبهة. 

وأضاف أن الحوثيين حاولوا تعويض ما خسروه في تلك الجبهة بالتوجه نحو منطقة الحجرية، التي وصفها بأنها مناطق مدنية لا توجد فيها أسلحة أو قوات مقاومة وجيش، ولم تكن في السابق مسرحاً للاشتباكات. 
 
وفي المقابل، أوضح المسني أن الوضع في مدينة تعز مختلف، مشيراً إلى أن الحوثيين لم يتمكنوا من إحراز أي تقدم فيها، بسبب وجود الجيش والمقاومة، إلى جانب الرمزية الجمهورية للمدينة وحالة الاستنفار الواسعة لمواجهة الجماعة.

ماهر أبو المجد
صحافي وكاتب يمني.