Logo

تغييرات عسكرية في تعز ولحج لكبح تقدم الحوثيين نحو عدن

الرأي الثالث 

تتجه التطورات العسكرية المتسارعة في محافظتي تعز ولحج، إلى إعادة تشكيل المشهد الميداني على امتداد الجبهات المحاذية للجنوب، بالتزامن مع تغييرات قيادية وتعيينات واسعة ضمن القوات التابعة للحكومة المعترف بها دولياً. 

وشملت هذه التعيينات، بقرار من رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إبعاد اللواء يوسف الشراجي عن إدارة جبهة تعز وتكليف رشاد اليوسفي بدلاً عنه، إلى جانب إقالة العميد أبو بكر الجبولي من قيادة محور طور الباحة بمحافظة لحج وتعيين مجدي مناضل ثابت محله.
 
وتأتي هذه التحركات في توقيت بالغ الحساسية؛ إذ انتقلت المواجهات من خطوط التماس التي كانت قائمة قبل التصعيد العسكري الأخيرة منذ يوليو/تموز الماضي، إلى مناطق استراتيجية حيوية 

 أبرزها مديرية المقاطرة الرابطة بين تعز ولحج، والتي شهدت تقدماً ميدانياً لجماعة الحوثيين وصولاً إلى محيط طور الباحة، إحدى البوابات الرئيسية المؤدية إلى العاصمة المؤقتة عدن.

 وجاءت القرارات العسكرية في سياق عملية تقييم ومراجعة شاملة لأوضاع الجبهات، ومدى قدرتها على تجاوز الانقسامات ومراكز النفوذ التي ظلت لسنوات تتحكم في إدارة العمليات.

​وسيطر الحوثيون على مديرية المقاطرة عقب هجوم واسع استمر ثلاثة أيام، نهاية الشهر الماضي، ليصبحوا على مسافة تقارب 80 كيلومتراً من عدن، بحسب ما نقلته وكالة رويترز أول من أمس الاثنين، عن أربعة مصادر عسكرية، وذلك في أقرب نقطة يصلون إليها من العاصمة المؤقتة منذ إخراجهم منها عام 2015. 
 
ولا تقتصر خطورة هذا التمدد على تهديد شريان الإمداد الحيوي الرابط بين عدن وتعز فحسب، بل تمتد لتفتح المجال أمام احتمالات الالتفاف على مواقع القوات الحكومية في جبال كهبوب المطلة على مضيق باب المندب.

 يتزامن ذلك مع تصعيد عسكري لافت شهدته جبهات تعز ولحج خلال الفترة الأخيرة، إذ عمد الحوثيون إلى توسيع نطاق هجماتهم باتجاه المناطق الحدودية بين المحافظتين، مستفيدين من الطبيعة الجغرافية الوعرة وتعدد خطوط التماس.

تصعيد ميداني في تعز ولحج

في لحج، انتقلت المعارك إلى المقاطرة وهيجة العبد والصحى وحيفان، وصولاً إلى محاذاة طور الباحة. 

وتكمن أهمية هذه المناطق في إشرافها المباشر على طريق الإمداد والتنقل الرئيسي بين تعز وعدن، فضلاً عن تضاريسها الجبلية الحاكمة التي تُعد منافذ محتملة للتقدم باتجاه الساحل. 

وتشير ذلك إلى الهدف العسكري للحوثيين لا يقتصر على توسيع نطاق المناطق الخاضعة لسيطرتهم إلى المناطق الريفية، بل يتصل بإعادة تشكيل خطوط المواجهة 

وتهديد الطريق الاستراتيجي بين عدن وتعز، والضغط على القوات الحكومية في مناطق التماس المحاذية لباب المندب، غربي محافظة لحج.

وفي تعز، أعلن المركز الإعلامي لجبهة الأقروض جنوب شرقي المحافظة، مساء أول من أمس الاثنين، استعادة موقعين بعد معارك مع قوات الجماعة. 

وقال في بيان إن الجيش والمقاومة الشعبية "نفذا هجوماً معاكساً تمكنا خلاله من استكمال السيطرة على تبة وثيب، و(مرتفع) حبيل الصرم، بعد معارك شرسة مع المليشيات (الحوثيين)، وسقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف المليشيات". 

وتتعرض مدينة تعز للحصار منذ أوائل أكتوبر/تشرين الأول الماضي، عندما قطع الحوثيون الطريق الرئيسي المؤدي جنوباً إلى عدن (طريق هيجة العبد).

​ويأتي قرار تكليف العميد الركن رشاد اليوسفي بمسؤولية جبهة تعز ضمن تغيير جوهري في مستوى القيادة الميدانية التي تتولى إدارة المواجهة بالمحافظة. 

ويمتلك اليوسفي رصيداً عسكرياً حافلاً؛ إذ يُعد من القيادات الميدانية البارزة في القوات الحكومية منذ عام 2016، متدرجاً من قيادة القطاع الأول (حضرموت) ثم أركان حرب اللواء 141 مشاة، وصولاً إلى تعيينه مساعداً لقائد المنطقة العسكرية السابعة في الجيش اليمني بين 2024–2025 (صنعاء والمحافظات المحيطة بها). 

كما خاض معارك ضارية في جبهات مأرب خصوصاً في صرواح، ونجا أوائل عام 2020 من محاولة اغتيال بعبوة ناسفة في منطقة الكسارة (في مأرب)، في حين يعكس إدراج اسمه ضمن قائمة الملاحقات الحوثية بصنعاء في سبتمبر/أيلول 2023 حجم ثقله الميداني.
 
​وتتمثل المهمة الأساسية أمام اليوسفي في تجاوز حالة التشتت بين التشكيلات والألوية العسكرية، وإيجاد مستوى أعلى من التنسيق العملياتي، وذلك بالنظر إلى أن جبهات تعز لا تعمل بمعزل عن جبهات لحج والساحل الغربي، وأي اختلال في أحد هذه المحاور ينعكس مباشرة على بقية خطوط المواجهة.

 كما تقع على عاتقه مهمة إعادة تقييم الانتشار العسكري، ومعالجة ثغرات هجمات الحوثيين الأخيرة، وضبط قنوات الاتصال وتوحيد القرار والبيانات الاستخبارية، إلى جانب تعزيز الانضباط وبناء علاقة أكثر فاعلية مع القيادات المحلية والمقاومة الشعبية.

​وعلى المحور المحاذي، يبرز تعيين اللواء مجدي مناضل ثابت أحمد (المعروف بمجدي مناضل الصبيحي) قيادياً لمحور طور الباحة، ليتولى مسؤوليته في منطقة تتجاوز أهميتها حدود المديرية لتصل إلى تأمين الشريان الربط بين تعز ولحج وعدن، وقربها المباشر من خطوط التماس الحساسة في حيفان (جنوب تعز) والمقاطرة والمضاربة (في محافظة لحج).

 ويأتي الصبيحي من خلفية القوات الضاربة في الشريط الساحلي والجنوبي، بعد أن قاد اللواء الثاني عمالقة "ب" (تابع لقوات العمالقة الجنوبية والمساندة للقوات الحكومية). ومثّل إدارة القوة الميدانية لقيادة اللواء الأول في "قوات درع الوطن" (المساندة للحكومة).

 وتتضاعف أهمية تعيينه نظراً لخبرته الميدانية والأمنية الواسعة في مناطق الصبيحة والمضاربة ورأس العارة (في لحج)، فضلاً عن إشرافه المباشر على العمليات القتالية على الخطوط الحدودية بين لحج وتعز. ​

وتنصب مهام الصبيحي على إعادة تنظيم القوات المنتشرة، ورفع الجاهزية، وتأمين خطوط الإمداد والطرق الحيوية لمنع أي اختراقات جديدة باتجاه المناطق الجنوبية.

 غير أن التحدي الأبرز يكمن في معالجة الاختلالات بين القوى العسكرية المتعددة في لحج، الموزعة بين القوات الحكومية وألوية العمالقة وقوات درع الوطن، والتشكيلات التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي.

​في موازاة ذلك تثير إقالة يوسف الشراجي من قيادة جبهة تعز تساؤلات عريضة حول خلفيات القرار وتوقيته، إذ تأتي بعد أشهر قليلة من تعيينه في أغسطس/آب الماضي ضمن ترتيبات هدفت لتعزيز إدارة محور تعز. 

وكان الشراجي قد أثار الجدل في سبتمبر الماضي بتصريحات تحدث فيها عن اختلالات عسكرية وشواهد على تراجع بعض المواقع وغياب التنسيق، موجهاً اتهامات بوجود تسريبات للمعلومات والإحداثيات، قبل أن يعلن رفع يده عن القيادة إثر خلافات حول إدارة الملف العملياتي. 

في المقابل، تُوجّه للشراجي اتهامات موازية بالمسؤولية عن السقوط المتسارع لبعض المواقع، جراء احتكاره توزيع السلاح وحجبه عن المقاتلين في المخازن رغم الحاجة الميدانية الملحة. ​

من جهة أخرى، تكتسب إقالة أبو بكر الجبولي أبعاداً أكثر تعقيداً بالنظر لخصوصية التداخلات في طور الباحة، إذ ارتبطت فترة قيادته باحتكاكات سياسية وعسكرية، واتهامات تتمحور حول الانشغال بتحصيل الجبايات وتضييق حرية السكان وإدارة سجون خاصة، فضلاً عن اتهامات ميدانية بالانسحاب وتسهيل سيطرة الحوثيين على مدينة التربة ومحيطها دون قتال.

تعقيدات وتحديات

​إلا أن ربط هذه التعديلات بتسويات سياسية أو توافقات داخل مجلس القيادة الرئاسي يظل رهيناً بالمعلومات المباشرة من صناع القرار، دون الاكتفاء بالتزامن الزمني لاستنتاج وجود صفقة لتوزيع النفوذ. ونجاح هذه الخطوة، مرهون بمدى امتلاك القيادات الجديدة لصلاحيات فعلية وقدرتها على تفكيك مراكز النفوذ المتداخلة. 

ففي تعز، لا يكفي تغيير الأسماء ما لم يقترن بتوحيد القرار العسكري، وتأمين الإمكانات والذخائر، ومعالجة أزمات الإمداد والانتشار. 

أما في طور الباحة، فتتضاعف التعقيدات بفعل الطبيعة العشائرية والاجتماعية للمنطقة وتعدد التشكيلات، ما يحتم بناء تفاهمات تمنع تحول التنافس الفصائلي إلى ثغرة تخدم الخصم. 

وفي ظل سعي الحوثيين لاستغلال تعدد الجبهات وتشتت مراكز القيادة لدى خصومهم لفتح مسارات تقدم متزامنة، باتت إعادة تنظيم الصفوف والتنسيق بين المحاور ضرورة استراتيجية.
 
في هذا الصدد رأى المحلل العسكري اليمني ماجد الطاهر، أن التغييرات في قيادة محور طور الباحة جاءت "بناءً على تقييم دقيق للمعارك التي تخوضها القوات الحكومية إلى جانب ألوية العمالقة وقوات درع الوطن جنوبي وجنوب غربي تعز، وما تقتضيه المرحلة من دفع قيادة تنتمي للبيئة القبلية والفكرية ذاتها لميدان المواجهة بين شمال لحج وجنوب تعز".

 وأوضح أن "تأمين هذه الخطوط الحيوية يُفسح المجال أمام القوات للتحول نحو الهجوم الواسع في محور الوازعية والمخا (غربي تعز المطلة على البحر الأحمر)، مع إمكانية فتح جبهة هجومية موازية تنطلق من حيفان وصولاً إلى التربة (بتعز)". 

وفي رأيه، أتاحت القرارات فرصة عملية لإعادة جاهزية اللواء الرابع مشاة جبلي (يعمل ضمن محور طور الباحة) وإلحاق قوات اللواء الأول درع الوطن، بمحور طور الباحة "ما يوفر تحشيداً مناسباً للتعامل مع التحصينات والتكتيكات الحوثية" 

مؤكداً أن "المحور عملياتياً وإدارياً خرج من حالة الارتباك والتهميش السابقة". ​في المقابل، أبدى الطاهر تحفظاً حيال نجاعة تعيين قائد جديد لجبهة تعز، مستبعداً إحداث تغيير جذري عبر هذا القرار، عازياً ذلك إلى عدم جدوى استحداث منصب "قائد جبهة" في ظل وجود قادة محاور وقيادة منطقة عسكرية تؤدي مهامها بكفاءة. 

وأشار إلى عقبات لوجستية ما تزال قائمة، أبرزها "تعويض الآليات والمعدات التالفة في تعز، وتجاوز تعقيدات الدمج الإداري والمالي لمنتسبي طور الباحة مع قوات درع الوطن".
 
بدوره أكد الباحث في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، مراد العريفي، أن التغييرات العسكرية الأخيرة تحركها أبعادٌ مزدوجة "إذ تتمثل الأولى في محاولة تدارك الإخفاق العسكري الميداني الذي ظهر جلياً في العجز عن صد هجوم جماعة الحوثيين على ريف محافظة تعز". 

ويرتبط البُعد الثاني، وفق العريفي، بـ"الانقسام الراسخ داخل صفوف القوات الحكومية، والفشل المتواصل في توحيد القرار العسكري وضبط تضارب الولاءات". 

​وحول الأثر الميداني لهذه التغييرات، أشار العريفي إلى أنها تفتقر للجدوى العسكرية الفعالة في هذه المرحلة، كون جماعة الحوثيين فرضت سيطرتها بالفعل على الجزء الأكبر من المسرح العسكري المفترض خضوعه للقوات الحكومية. 

وأضاف أن هذه القرارات جاءت ردةَ فعل على الفشل الصريح للقادة المُقالين، الذين انسحبت قواتهم دون خوض قتال مباشر أو إبداء أي صمود، ما يُرجح فرضية وجود "خيانة عسكرية". 

وقال إن هذه التغييرات لا تحمل أي تغيير جوهري، إذ تقتصر على "إعادة تدوير" ذات الأسماء والشخصيات في مناصب جديدة بدلاً من معالجة أسباب الخلل، ما يمثل امتداداً للعجز والمشكلة المزمنة التي تعاني منها الحكومة منذ اندلاع الحرب نهاية عام 2014.
 
فخر العزب
صحافي يمني