ماذا يعني صُكّ 100 ريال معدنية؟
في عملية غير مسبوقة، أصدر البنك المركزي بصنعاء عملة معدنية جديدة من فئة "100 ريال" كبديل للعملة التالفة، وقال إنه قام بسكّها وفقاً لأحدث المعايير العالمية، وإنه سيطرحها في السوق بدءاً من الأحد 31 مارس 2024.
ومن يوم غد سيفتح البنك المركزي صنعاء نقاطاً قال إنها ستعمل على مدار الساعة لاستبدال العملة التالفة، وأضاف أن طرح هذه العملة المعدنية لن يؤثر على أسعار الصرف كونها بديلاً عن التالف،
يأتي هذا الإعلان بعد أن حذر البنك المركزي بعدن من أن خطوة إصدار عملة جديدة عن صنعاء ستقضي على أي جهود للإبقاء على ما هو قائم من تبادل للسلع والخدمات بين مختلف المحافظات، ونبَّه على المواطنين والمؤسسات المالية والمصرفية والقطاعات التجارية بعدم التعامل أو القبول بعملة مزورة وإحلالها محل عملة قانونية.
وقال البنك المركزي بعدن إنه سيمارس حقه القانوني باتخاذ إجراءات تضمن حماية العملة الوطنية ومدخرات المواطنين والنظام المصرفي والنشاط الاقتصادي من الآثار المدمرة لأي إجراء غير مسؤول.
وحل أزمة السيولة واستبدال التالف يكمن في رفع الحظر عن تداول العملة المطبوعة من جانب الحكومة اليمنية، كما يرى البنك المركزي بعدن، بمختلف فئاتها وطبعاتها، مقابل أن يقوم البنك المركزي بعدن "بمسئولياته القانونية في استبدال أي عملة تالفة مهما كان حجمها ومكان تواجدها والتخلص منها وفقاً للآليات المحددة قانوناً" بحسب ما قاله البنك.
لكن السؤال الأهم ..
هل أن الخطوة التي أقدم عليها بنك صنعاء في إصدار عملة جديدة وإعلانه طرحها في الأسواق هي فعلا بهدف معالجة العملة التالفة؟
أم أنها تعتبر تصعيداً جديداً نحو مزيد من الانقسام النقدي وإذكاء الصراع في القطاع المصرفي اليمني؟ أم أنها إفصاح عن إفلاس وشيك للبنك تحاول سلطة الحوثي التغطية عليه بعملة مرتجلة تم طباعتها معدنيا دون أي غطاء نقدي؟
أم أن طباعة تلك الفئة المعدنية هي مقدمة لطباعة مزيد من العملات المعدنية خلال الفترات القادمة؟
وما معنى غياب الطير الجمهوري عن العملة الجديدة؟ وهل بتنا نتحدث عن عودة مفهوم الصرر ورنينها الإمامي؟
أسئلة أثيرت بشدة على مواقع التواصل فور إعلان سلطة الحوثي، اليوم، عبر بنكها المركزي، إصدار عملة معدنية من فئة مائة ريال وطرحها في الأسواق للتعامل معها بهدف معالجة العملة التالفة.
البنك خلال مؤتمر صحفي أكد أن العملة أصبحت جاهزة وتم صكها وفق المعايير العالمية، وأن عملية طرح العملة لن يؤثر على أسعار الصرف كون توزيعها سيعتمد على تبديل التالف عبر استبدال كل ورقة الـ100 ريال التالفة بعملة الـ100 ريال المعدنية، موضحا أنه سيتم البدء بتداول تلك العملة ابتداء من يوم غد الأحد.
أما النائب في برلمان صنعاء أحمد سيف حاشد فأكد أن "طباعة عملة جديدة أيا كانت تحت عنوان الشرعية أو الجماعة، تعمل على تكريس مزيد من الانقسام والتشطير، وتشي بأن السير لا يتم نحو وطن ومستقبل"، مضيفا: "كان يفترض تحييد الاقتصاد والرواتب وما يمس معيشة المواطنين، وكان يفترض أن تمضي كل الأطراف نحو استعادة ما تم هدره باتجاه تحييد العملة والاقتصاد والمرتبات والوظيفة العامة والتعليم، فيما الذي مازلنا نراه في الواقع هو مزيد من التعقيد، وتعميق وتكريس الانقسام، وبما يخدم أطراف الصراع ومخرجات الحرب، وعلى حساب الوطن ووحدته ومستقبله".
وبحسب مختصين فإن إعلان بنك عدن عن كون العملة الجديدة التي قام بإصدارها بنك صنعاء عملة مزورة من شأنه أن يحصرها داخليا وفي نطاق محدود وضيق، حيث لن يتجاوز تداولها باصات النقل وأدراج البقالات، حيث إن بنك عدن هو المتحكم بالغطاء الضامن للعملة اليمنية أمام العالم وسيكون قادراً على أن يرفع تغطيته عن العملات المسحوبة من السوق،
وستصبح عملة الحوثي الجديدة من دون ضمان وفي حكم المزورة، ولن يتعامل بها خارج الأراضي المسيطر عليها من قبل جماعة الحوثي.
وبخصوص التضخم الذي قد يحدث، أكد المعنيون في بنك صنعاء أن ما سيتم هو استبدال للعملة التالفة فقط ولن يتم ضخ عملة جديدة إلى الاسواق إلا مقابل عملة تالفة، ما يعني أنه لن يكون هناك تضخم في العملة المحلية ولن تتأثر قيمتها مقابل العملات الأجنبية، مشيرين إلى أن الأمر ليس مثلما حدث مع حكومة عدن عندما قامت بطباعة عملات إلى السوق بدون تأمين وبدون مقابل ما جعل قيمتها تنخفض وتتدهور".
آخرون يرون أن إقدام بنك صنعاء على طباعة عملة مرتجلة هو إشارة إلى أن هناك إشكالية كبيرة يعاني منها البنك مؤخراً قد تصل به إلى الانهيار، متوقعين أن إصدار عملة معدنيه ابو 100 ريال خطوة الإفلاس الأولى، فيما الخطوة الثانية ستكون تحجيم التحويلات عبر الصرافين وحصرها في البنك.
وبخصوص صك عملة بدون طير جمهوري هناك من الناشطين من أكد تعمد مليشيا الحوثي ذلك في سياق ما تسعى إليه من تغييب لكل ما يمت بصلة إلى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر التي قضت على الحكم الإمامي.
وأما السبب في صك عملة معدنية على الرغم من كونها أكثر كلفة من العملة الورقية فقد يعود بحسب الناشطين إلى عقلية مليشيا الحوثي نفسها ونظرتها القديمة لمفهوم المال، في الوقت الذي أصبح العالم يتداول بالعملة رقمياً وإلكترونياً.
كيف يؤثر ذلك على الاقتصاد؟
في تصريحات خاصة، وصف الخبير الاقتصادي فارس النجار الأمر برمته قائلاً: "تمخَّض الجبل فولد فأراً"، وسخر بأن سلطة الحوثي تريد إرجاع الناس إلى "عهد قريش" بأن يخرج المواطنون إلى السوق حاملين "صرراً من الدنانير"، فضلاً عن أنها "عملة لا تحمل شعار الجمهورية وكأنها إمامية" على حد قوله.
النجار اعتبر أن العملة المعدنية الجديدة فئة الـ100 ريال عملة نقدية غير قانونية، وحول تأثيرها على السوق فإن ذلك "يعتمد على كمية ما سيدخل السوق كبديل للتالف"، كما أنه لن يحل أزمة السيولة لأن حجم التالف كثير، ولصعوبة نقلها والاحتفاظ بها والحاجة إليها،
متسائلاً: "كم من الممكن أصلاً أن يطبع الحوثيون من العملات المعدنية هذه؟".
بالتالي فإن أزمة السيولة وفقاً للاقتصادي النجار ستظل قائمة، وربما يلجأ الحوثيون إلى طباعة مزيد من العملات المعدنية خلال الفترات القادمة.
أشار أيضاً إلى أن جماعة الحوثي "لم يكن لديهم خيار سوى صك العملات المعدنية لأن أدوات طباعة النقد ليست متوفرة بصنعاء، بينما أدوات صك العملة موجودة في صنعاء منذ التسعينيات، ويبدو فقط أنهم بحثوا عن فورمة العملة المعدنية وبالتأكيد قاموا بتهريبها من دولة خارجية".
وبشكل عام يشرح النجار أن مساعي طباعة عملة جديدة تثير قلقاً متزايداً وتهدد بتعقيد الأوضاع الاقتصادية في اليمن بشكل إضافي، خاصة في ظل الانقسام بين سلطتين إحداهما معترف بها والأخرى غير معترف بها، وتبرز مخاطر الطباعة في زيادة التضخم، كون إصدار أي عملة دون غطاء اقتصادي واضح من النقد الأجنبي يمكن أن يؤدي إلى زيادة التضخم، مما يؤثر سلباً على القوة الشرائية للعملة اليمنية.
كما أن ذلك يفاقم الانقسام الاقتصادي ويعمّقه بين مناطق السلطتين، كما أن عدم الاعتراف دولياً بأي عملة صادرة عن صنعاء يحد من القدرة على استخدامها في التجارة الخارجية وفي أي معاملات مالية ودولية، إضافة إلى التأثير على المساعدات الدولية، إذ قد تجد الدول والمنظمات الدولية صعوبة في تقديم المساعدات المالية أو الإنسانية لمناطق تحت سيطرة جماعة الحوثي إذا كانت تستخدم عملة غير معترف بها، وهو ما قد يعرقل جهود الإغاثة والدعم الاقتصادي للسكان المحليين.
والاقتصاد المحلي معرَّض للعزلة الاقتصادية بسبب أي عملة لا تحظى باعتراف دولي، حيث إنه ودون القدرة على التفاعل بسهولة مع الاقتصاد العالمي، تصبح الدولة أو المنطقة أقل قدرة على النمو والتطور الاقتصادي، مما يؤثر سلباً على معيشة السكان، وفقاً لفارس النجار.
وأضاف: "يمكن للبنك المركزي بعدن اتخاذ عدة استراتيجيات مثل تعزيز الثقة بالعملة اليمنية من خلال سياسات نقدية مستقرة وزيادة الاحتياطيات الأجنبية، وكذلك تعزيز التعاون مع المنظمات الدولية والحكومات الأجنبية للحصول على دعم واعتراف بالعملة التي يصدرها البنك المركزي في عدن كعملة رسمية، إلى جانب مراقبة السوق وإقامة نظام مراقبة لرصد التدفقات النقدية ومكافحة تداول العملات المطبوعة بشكل غير قانوني".
فئة معدنية في عصر العملات الرقمية
من جانبه ذكر المحلل الاقتصادي ماجد الداعري أن جماعة الحوثي أعلنت "أهم خطواتها الانفصالية" بإصدار "100 ريال حجرية"، متسائلاً: "أين صُكّت؟ وبموجب أي قانون صدرت؟ وفي أي سوق اعتُمدت؟".
واعتبر الاقتصادي الداعري أن السؤال الأهم هو "هل تكفي مائة ريال معدنية من العصور الحجرية لحل مشكلة عويصة متفاقمة لتلف وتقادم وتفتت كل الفئات النقدية القديمة المتهالكة في مناطق سيطرة الحوثيين؟
وهل هذه الخطوة التجريبية اليتيمة كافية وتستحق الخروج بها عبر مؤتمر صحفي والإعلان عنها كخطوة لإنهاء المشاكل المتفاقمة لتلف وتقادم العملة النقدية وإنهاء المشاكل الاجتماعية والاقتصادية الناجمة عنها؟".
وتابع: "هل يدرك من أصدرها أن الخطوة صفرية القيمة وأعادت اليمن إلى بدايات عصور صك العملات المعدنية في الوقت الذي يتسابق فيه العالم والدول على التحول نحو العملة الرقمية الإلكترونية والتخلص من العملات الورقية نهائياً؟!".
وبحسب الداعري، من شأن "هذه العملة المعدنية البدائية" التي تصدر بشكل غير مسبوق، أن تؤثر سلباً على استقرار صرف العملة المتهاوي أساساً وتفتيت ما تبقى من قطاع مصرفي مهدد بانهيار شامل، نتيجة عبث طباعة التريليونات التي قام بها البنك المركزي بعدن، وما تلاها من خطوات كارثية بصنعاء تُعدُّ خطوةُ المائة ريال الحجرية أحدثها وأخطرها، كونها تُعتبر تكريساً واقعياً لانفصال صنعاء وما حولها عن المحافظات الجنوبية.
هذا وتغرق أسواق صنعاء والمحافظات الواقعة تحت سيطرة جماعة الحوثي بالعملة التالفة من فئات 50 و100 و250 ريالاً، وكذا أوراق نقدية ضخمة من فئة 500 ريال، مما سبب في عوائق نقدية كبيرة في المعاملات اليومية والتجارية في أوساط المواطنين على مدى السنوات الماضية.
* النقار