Logo

سورية وفلسطين ولبنان: شرق الدمار "الجميل" مرة أخرى

 يمثّل العيد فرصةً نظريةً للفرح. ونقول نظرية، لأن الأحوال العامة التي تمر بها بلدان ما يسمى "الشرق الأوسط" هي أحوالٌ سِمتها الكرب والموت والدمار والفقر. 

وربما انطلاقاً من هذا التناقض بالذات، يمكن للمرء أن يبحث في جمالية الدمار المقيم، كما يمكن له البحث ليس عن البكاء على الأطلال، بل -وللمفارقة- عن الضحك والاحتفال على الأطلال؛ ليس كشكلٍ من الجنون المحض، وإنما على العكس تماماً؛ كشكلٍ من أشكال الوعي العميق بحجم المصيبة، وعيٌ ملموسٌ وتفصيلي يسمح بنقيضه، وبالتجرد والتسامي، والنظر من علٍ، إذ تتساوى الاحتمالات، ويصبح انتزاع لحظة الفرح، بما في ذلك عبر السخرية من الذات، شكلاً من أشكال مقاومة الدمار، والإصرار على الحياة.

مع غروب شمس أول أيام رمضان من هذا العام، اجتمع مئات من الفلسطينيين حول طاولة إفطار ضخمة في رفح المدمرة جنوبي قطاع غزة، لتبدو الطاولة، بغطائها الأحمر، والبشر من حولها، كنهرٍ صغير من الحياة يشق كتل الدمار الهائلة المحيطة به، وليشكل هذا النهر الصغير مع الركام مشهداً واحداً متكاملاً لجدلية الموت والحياة؛ مشهداً يزخر بالألم والقبح والجمال في آن.

صرف الفلاسفة والمفكرون والفنانون جهوداً كبيرة عبر التاريخ في محاولة القبض على الجمال متلبساً بتعريفٍ جامعٍ مانع، ولم يُقدر لجهودهم أن تُكلل بالنجاح إلا جزئياً. بعضهم حاول تعريف الجمال بنقيضه؛ أي بأنه ضد القبح، كما يُعرَّف البناء نقيضاً للدمار، والحضارة نقيضاً للهمجية، والعلم نقيضاً للجهل. 

ولكن كما هو الأمر مع كل هذه التجريدات المفاهيمية، دائماً ما تكون شجرة الحياة أكثر غنىً وتعقيداً، فتفسح الباب لثالث أرسطو المرفوع، فلا يعود الشيء هو ذاته أو ضده ولا شيء آخر، وإنما يظهر بوصفه الذات والضد في آن؛ الأنا والآخر، الجمال والقبح، إلى ذلك الحد الذي يصير معه القبح جميلاً، والدمار جميلاً، أو على الأقل حاملاً لعناصر جمالية تفرض حضورها رغم قتامة المشهد.

في شرق الدمار أيضاً، وبين أشهر الصور التي رافقت الحرب السورية، صورةٌ لتدفقٍ بشري آخر، يضم هذه المرة فلسطينيين وسوريين معاً، هاربين من مخيم اليرموك جنوب العاصمة دمشق عام 2014.

 التدفق هنا، محاطاً ببحر دمارٍ عالي الأمواج، يحيل إلى عبور موسى بقومه وقد شق البحر، ويجعل من الميثولوجيا واقعاً ملموساً مجسّداً، إذ يسير الهاربون في متن التاريخ تماماً، رغم أنهم ضحاياه المباشرون الذين اعتاد نبذهم إلى هوامشه.

"يجب أن تحمل في داخلك فوضى، لتتمكن من إنجاب نجمٍ راقص". هكذا تكلم نيتشه على لسان زرادشت. والنجم الراقص هنا إحالةٌ إلى الجمال، وإلى الفن، والفوضى هي تكثيف الدمار والألم؛ فالدمار والبناء، والجمال والقبح، أشبه بعمليات الاستقلاب في الجسم البشري، هي عمليات متزامنة ومتلازمة ولا يمكن فصلها عن بعضها بعضاً بحالٍ من الأحوال. 

في المسلسل الكرتوني الشهير "عدنان ولينا" للمخرج الشهير هاياو ميازاكي، والمأخوذ عن رواية الكاتب الأميركي ألكسندر كي، تبدو الأرض زاخرة بجمالٍ طبيعي أخّاذ، مبني بالضبط في عالم ما بعد الديستوبيا، في عالم ما بعد "نهاية العالم"، التي جرت جراء حرب مغناطيسية كبرى. يمكن لهذه الزاوية في رؤية الجمالية ضمن الدمار، أن تضيف بعداً فلسفياً ربما يكون أكثر عمقاً؛ 

فالإنسان مع تطوره عبر آلاف السنين، سيطر على الطبيعة بتصاعُد، ولكن ذروة تطوره وسيطرته أوصلته إلى مرحلةٍ فظيعة من الاستلاب والاغتراب، إن استخدمنا مفاهيم ماركس؛ فخَلَق الإنسان من النتاج المادي صنماً جديداً يكبله ويستلبه ويجعله غريباً عن نفسه، ويقف حائلاً وحاجزاً بينه وبين روحه، لتمسي الطريق نحو الجمال، ونحو المتعة، ونحو اللذة، محكومةً بحواجز الاستهلاك.

 ليس هناك طريق مباشرة بين الإنسان وروحه إلا عبر البضائع واستهلاكها، إلا عبر البناء والتشييد، عبر البيوت الكبيرة والسيارات الحديثة والأطعمة الفاخرة، إلخ...
 
الدمار يمكنه كسر هذه الحلقة المفرغة، يمكنه كسر القيود التي تربط أعناق الناس بالبيوت وبالماديات، لكي تتخلق ضمن فوضى الدمار الهائل، لحظةُ صفاءٍ روحي وذهني تسمح بتأمل أقرب لاستنارة الصوفيين، تأملٍ يبحث في أسئلة الحياة الكبرى، وفي مغزى الوجود. وربما تمكن رؤية الموضوع من ناحية أعمق وأكثر حركية إن استعرنا نظارة برتولد بريخت الذي يقيم ربطاً مباشراً بين الجمال والتدمير؛ 

فالفن عند بريخت "ليس مرآةً منصوبةً قبالة الواقع، ولكنه المطرقة التي بها يتشكّل الواقع من جديد"، ما يعني أن الرؤية الجمالية الفنية عند بريخت ليست سكونيةً تجاه الدمار، ليست مجرد بحثٍ عن الجمال في دمارٍ جرى وانتهى، وليست حفلة تذوقٍ بقفازات نظيفة لجمالية دمارٍ ساكن، أو تأملاً صوفياً يأخذ نفساً عميقاً لاستيعاب عالم متسارع منقطع الأنفاس، بل هي عملية متحركة يكون التدمير فيها شرطاً لازماً لصناعة الجمال وتذوقه. معول الهدم الجمالي نفسه، نراه أيضاً في قصيدة مظفر النواب الشهيرة "وتريات ليلية". 

يقول النواب: "سيكون خراباً/ سيكون خراباً/ سيكون خراباً/ هذي الأمة لا بد لها أن تأخذ درساً في التخريب". على المنوال نفسه، ينسج بودلير رؤيته الجمالية في "أزهار الشر"، متقاطعاً مع بريخت حين يعرف الجمال بقوله: "الجمال غريبٌ دائماً"؛ ما يعني أن الجمال هو كسرٌ وهدم للمعتاد، هو تخريبٌ ونفور ونشوز عن التدفق الطبيعي للأشياء، بالضبط لأن هذا التدفق شريرٌ ودمويٌ ومليء بالرعب، ولأنه هو ذاته سيزهر، سينتج "أزهار الشر"، التي ستكون الأزهار الأجمل.

في فلسطين وسورية ولبنان، وعبر عقودٍ متتالية، استوطن الشر والدمار، وما نزال، نحن شعوب "شرق عدن، غرب الله"، كما قال محمود درويش في قصيدته "حالة حصار": "نفعل ما يفعل السجناء والعاطلون عن العمل: نربي الأمل"، وننتظر أن يزهر الشر جمالاً، وإلى حين تتفتح الزهور نرصد جمالنا في البيوت المدمرة، ونرصد جمالنا في أيامٍ مقبلة أكثر جمالاً، لأن "أجمل الأيام هي تلك التي لم نعشها بعد/ أجمل البحار هي تلك التي لم نرها بعد/ وأجمل الأطفال هم الذين لم يولدوا بعد"، كما يقول الشاعر التركي ناظم حكمت.

تمثل اللوحة الأشهر لبيكاسو، غيرنيكا، التي تحمل اسم المدينة الإسبانية في إقليم الباسك والتي دمرها القصف النازي عام 1937، واحداً من الأمثلة الأكثر شهرة، ربما في التاريخ كله، عن الجمالية التي يمكن استخلاصها من الدمار ومن الألم. تمتد اللوحة على مساحة كبيرة (776 في 349 سم)، وتنحصر ألوانها بالأبيض والأسود وتدرجاته، ما يجعلها متناسبة تماماً مع موضوعها. في اللوحة تتناثر الأشلاء الممزقة للبشر والحيوانات، والبيوت المدمرة والحرائق، وتظهر في يسارها أمٌ تعول على ابنها الميت بين ذراعيها.

شرقنا الذي نعيش فيه، هو غيرنيكا عملاقة تمتد على آلاف الكيلومترات، شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً؛ غيرنيكا ملونة ومتحركة وناطقة، وربما هذه الصفات بالذات هي ما يسمح بالتنبؤ بأنها "مؤقتة"، على عكس لوحة بيكاسو الخالدة؛ مؤقتة لأن "دوام الحال من المحال"، ولأنه "لا يمكنك أن تخوض في النهر نفسه مرتين"... سواء أكان النهر من ماءٍ أم من دماء.

ميار مهنا
كاتبة سورية