Logo

انفصال جنوب اليمن.. لماذا بقي خارج الممكن؟

 منذ إعلان الوحدة اليمنية عام 1990، ظل جنوب اليمن أحد أكثر الملفات تعقيداً في المشهد السياسي للبلاد، وعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود، شهد الجنوب محطات سياسية وعسكرية متعددة، 

حاول خلالها تصحيح مسار الوحدة أو الخروج منها، غير أن جميع محاولات الانفصال انتهت إلى التعثر، 

وهذا التعثر بحسب محللين، لم يكن نتيجة عامل واحد، بل حصيلة تداخل معقد لعوامل داخلية وخارجية، تراوحت بين اختلالات سياسية وبنيوية، وحسابات إقليمية ودولية متشابكة.

وحدة في لحظة تحولات كبرى

يقول الكاتب والمحلل السياسي أحمد الدثني إن وحدة اليمن تحققت في مايو (أيار) 1990 في لحظة دولية استثنائية، اتسمت بانهيار المعسكر الاشتراكي، الذي كان يشكل الداعم السياسي والاقتصادي الرئيس لدولة الجنوب، 

وهذا التحول أحدث اختلالاً حاداً في موازين القوة بين شطري اليمن، في وقت كان فيه الشمال يتمتع بدعم خليجي مستقر، مرتبط بدوره خلال الحرب الباردة بوصفه حاجزاً جغرافياً وسياسياً في مواجهة التمدد الشرقي في شبه الجزيرة العربية.

وبحسب الدثني، فإن زوال هذا الدور الوظيفي عجل بالتوافق على وحدة سريعة، لم تستكمل فيها شروط الاندماج الحقيقي بين دولتين مختلفتين في التجربة السياسية، والبنية الاقتصادية، والمرجعية الأيديولوجية، مما جعل الوحدة هشة منذ بدايتها.

شراكة مختلة

منذ ذلك التاريخ، لم يعرف اليمن استقراراً طويل الأمد، فكلما بدا أن الأوضاع تتجه نحو التهدئة، عادت التناقضات البنيوية لتفرض نفسها، ولا سيما في العلاقة بين المركز والجنوب، 

ويشير الدثني إلى أن السنوات الأولى للوحدة كشفت عن خلل واضح في الشراكة السياسية، إذ بقي توحيد المؤسستين العسكرية والأمنية إجراء شكلياً، بينما واصلت مراكز النفوذ عملها وفق منطق ما قبل الوحدة.

ويضيف أن اتفاق عمان عام 1993 جاءت كمحاولة متأخرة لمعالجة هذا الخلل وإنقاذ الوحدة، لكنها افتقرت إلى آليات تنفيذ وضمانات حقيقية، في ظل اختلال موازين القوة لصالح الشمال، وغياب أي دعم دولي لخيار الانفصال،  إذ كان المجتمع الدولي يفضل الحفاظ على وحدة اليمن.

 حرب 94 إعلان بلا اعتراف

بعد عام واحد، اندلعت حرب 1994، وأعلن  الجنوب فك الارتباط في سياق صراع عسكري مفتوح، لا ضمن مسار سياسي تراكمي، 

هذا التوقيت، بحسب مراقبين، أفقد الإعلان أية فرصة للحصول على اعتراف إقليمي أو دولي، إذ جرى التعامل معه بوصفه تمرداً داخلياً، كما أسهم التفوق العسكري للشمال، إلى جانب الانقسام الجنوبي الداخلي، في حسم الحرب سريعاً وإسقاط مشروع الانفصال.

مظلومية جنوبية بلا إطار جامع

يفصل الدثني أن تعقيد المشهد ازداد بسبب دخول الجنوب مرحلة ما بعد الوحدة من دون تسوية داخلية شاملة لإرث صراعاته السابقة، وفي مقدمها أحداث يناير 1986، فقد انتقلت تلك الانقسامات إلى داخل الدولة الموحدة، وأسهمت في إضعاف الموقف الجنوبي بدل توحيده.

كما خلفت حرب 94 آثاراً سياسية واجتماعية عميقة في الجنوب، وأسست لمظلومية واسعة، غير أن هذه المظلومية على واقعيتها، لم تجد إطاراً سياسياً موحداً قادراً على تحويلها إلى مشروع متكامل، 

ومع انطلاق الحراك الجنوبي عام 2007، عادت القضية الجنوبية للواجهة، إلا أن الحراك ظل حركة احتجاجية أكثر منه مشروعاً سياسياً منظماً، بسبب غياب القيادة الموحدة، وتعدد الأهداف، وافتقاره إلى برنامج سياسي واضح.

فرصة لم تكتمل

مع اندلاع احتجاجات عام2011  ضد نظام الرئيس السابق علي عبدالله صالح، بدت فرصة لإعادة صياغة العقد السياسي في اليمن، وجرى طرح مشروع الدولة الاتحادية كحل وسط جذب جزءاً من القوى الجنوبية، 

غير أن تشتت التمثيل الجنوبي، وغياب الضمانات الملزمة، جعلا مخرجات مؤتمر الحوار الوطني عاجزة عن الصمود، ثم جاءت حرب 2015 لتزيح المسار السياسي بالكامل، وتعيد ترتيب الأولويات وفق منطق القوة، من دون أن تفتح أفقاً حقيقياً لحل القضية الجنوبية.

البعد الاجتماعي والاقتصادي

من جهته، يرى الكاتب طالب الأحمدي أن تعثر مشروع الانفصال لا يرتبط بالعوامل السياسية والعسكرية فقط، بل يتصل أيضاً بأبعاد اجتماعية واقتصادية، 

فالجنوب على رغم موقعه الجغرافي الحيوي وما يمتلكه من ثروات واعدة، لم يقدم حتى الآن تصوراً متكاملاً لإدارة دولة مستقلة قادرة على تحقيق الاستقرار وتلبية احتياجات السكان.

ويشير الأحمدي إلى أن تدهور الخدمات، وضعف البنية المؤسسية، وتعدد مراكز النفوذ المحلية، أسهمت في تعزيز الشكوك لدى قطاعات واسعة من المجتمع الجنوبي في شأن جدوى الانفصال في المدى المنظور، خصوصاً في ظل تجربة دولة ما بعد الحرب.

كما يلفت إلى أن التباين في المزاج الجنوبي العام مثل عاملاً إضافياً للتعطيل، إذ تتبنى قوى سياسية خطاباً انفصالياً واضحاً،

 في حين تميل شرائح أخرى إلى مقاربة أكثر حذراً، تفضل إصلاح الدولة أو إعادة صياغتها ضمن إطار توافقي، خشية الدخول في صراعات داخلية جديدة أو الوقوع في عزلة سياسية واقتصادية.

حسابات الإقليم والمجتمع الدولي

إقليمياً، ظل الدعم الذي حظيت به بعض القوى الجنوبية محكوماً بسقوف سياسية واضحة، مرتبطة بإدارة الصراع لا بحسمه، 

وفضلت الأطراف الإقليمية استخدام الورقة الجنوبية كأداة ضغط ضمن المعادلة اليمنية، بدل الذهاب نحو دعم مشروع انفصال كامل قد يفتح الباب أمام تداعيات غير محسوبة على مستوى أمن البحر الأحمر أو توازنات الإقليم.

أما دولياً، فقد ظل الموقف قائماً على أولوية الحفاظ على وحدة الدول أو إدارة النزاعات داخل حدودها القائمة، خشية خلق سوابق انفصالية جديدة في منطقة تعاني هشاشة الدول وتعدد بؤر الصراع،

 وبناء على ذلك، جرى التعامل مع القضية الجنوبية باعتبارها ملفاً سياسياً قابلاً للحل ضمن تسوية يمنية شاملة، لا قضية تقرير مصير منفصلة.

المشهد العام

في ضوء ذلك، يرى الأحمدي أن تعثر محاولات انفصال جنوب اليمن منذ عام 1990 لم يكن فشلاً للفكرة بحد ذاتها، بقدر ما كان انعكاساً لاصطدامها بواقع سياسي معقد، تداخلت فيه الانقسامات الداخلية مع القيود الإقليمية والدولية، 

ويخلص إلى أن مستقبل القضية الجنوبية يظل مرهوناً بقدرة الجنوبيين على بلورة رؤية سياسية موحدة، ومشروع دولة متكامل، يطمئن الداخل ويخاطب الخارج بلغة المصالح لا الشعارات.

ويخلص بالقول إن مستقبل القضية الجنوبية يظل مرهوناً بقدرة الجنوبيين أولاً على بلورة رؤية سياسية موحدة، ومشروع دولة متكامل، يطمئن الداخل ويخاطب الخارج بلغة المصالح لا الشعارات، 

فمن دون هذا التحول الجوهري، سيبقى خيار الانفصال يدور في حلقة مفرغة، تصطدم فيها مشروعية المطالب بحدود الواقع، ويتقدم فيها إدارة الصراع على حسمه.

جمال شنيتر  
صحافي ومراسل تلفزيوني