علي سالم البيض... لم يرحل، بل تحول إلى ضمير
لم يرحل.. لم يغب..
إنما انتقل من جسدٍ أنهكته المعارك إلى وجدانٍ يخلده، ومن صوتٍ حُوصر بالحدود إلى صدىً يتردد في كل ضميرٍ يمني حر.
لم يكن مجرد سياسي، بل كان قصيدة وطن لم تكتمل أبياتها، وقَسَمًا حيًا لم ينكسر.
كان حاملًا لحلمٍ أكبر من جغرافيا، لوطنٍ لا يقبل التشطير، لوحدةٍ رأى فيها خلاصًا لا انتصارًا.
وحين التحم الشمال والجنوب، لم يكن ينتصر لطرف، بل كان ينتصر لفكرة اليمن التي طالما تشتت في دوامة التاريخ.
حمل الحلم على كتفيه، وحمل معه كل أثقال الخلاف، وألم الخيبة، ومرارة الطريق.
عرفه الناس موحدًا، وعرفه المقربون إنسانًا شفافًا كضوء البحر، صلبًا كصخور حضرموت، وحزينًا أحيانًا كغيومٍ لا تمطر.
عاش تناقضات صانعي التاريخ: بين الحلم والواقع، بين المبدأ والمسار، بين وطنٍ متخيل ووطنٍ يعاني.
وكان في كل محطة يختار اليمن، حتى عندما كان الثمن هو نفسه.
لم تكن مواقفه طلقاتٍ في معركة، بل كانت إبرًا تحاول خياطة جرحٍ غائر في جسد الأمة. صوته لم يكن عاليًا دائمًا، ولكنه كان واضحًا.
لم يخشَ أن يختلف، ولم يرهبه أن يَعُدَّ إلى حيث يرى حقًا.
كان بياض سجاياه أغلى من أي منصب، وسواد مواقفه — حين يرى ظلمًا — أوضح من أي بيان.
رحل الجسد الذي ضاق بكل هذا الألم، وكل هذا الحب، وكل هذا الانتظار.
ولكن بقي الرجل الذي علَّمنا أن السياسة قد تكون فن الممكن، لكن المبدأ هو فن البقاء إنسانًا.
بقي الذي لم يُشهِر سلاحًا إلا كلمته، ولم يرفع راية إلا راية وطنه الموحد.
يا علي:
لن نقول "وداعًا"، فالحلم الذي عشت من أجله لا يزال ينبض في قلوب من يؤمنون أن اليمن واحد حتى ولو تشتت.
لن نبكيك، بل سنبكي على وطنٍ فقد واحدًا من حراس ضميره.
لن نرثيك، بل سنرثي زمنًا كان فيه السياسي فيلسوفًا والمقاتل شاعرًا.
نم هادئًا يا أيها الوحدوي الصلب، يا ابن المكلا التي لا تعرف إلا البحر والصدق.
لقد صرت جزءًا من ضمير اليمن، وستظل كلمتك — كنسيم المحيط — تذكِّر كل من يأتي: أن الوطن ليس أرضًا فحسب، بل هو قَسَم..
وأن الشجاعة ليست في القوة دائمًا، بل في أن تظل واقفًا حيث يجب أن تقف، حتى لو وقفت وحيدًا.
سلامًا إلى روحٍ لم تنكسر، وإلى مبدأٍ صار وطنًا.
نجم الدين الرفاعي