Logo

مؤتمر الحوار الجنوبي - الرياض

 مقدمة لا بد منها 

تاريخياً، شكّلت العلاقة السعودية–اليمنية أحد أكثر الملفات تعقيداً في المنطقة حيث تداخلت اعتبارات الجغرافيا والتاريخ والأمن والسياسة وظهرت تجليات هذه التداخلات في اشكال مختلفة وانتجت اشكال مختلفة من التأثير المتبادل بين الدولتين ( باشكال الدولة اليمنية الجغرافية والسياسية المختلفة ) خلال الفترة منذ بدايات القرن العشرين والى اليوم

 حيث لعبت المملكة العربية السعودية دوراً محورياً في عدد من المحطات السياسية اليمنية في فترات التشطير اليمني وفي فترة المملكة المتوكلين اليمنية واستضافت المملكة محطات حوارات يمنية لاكثر من مرة بدء من اتفاقية الطائف في 1934 ومرورا بحلقات وساطة بين شطري اليمن بعد حرب 1972 ولقاءات متعددة 

وظهر دور السعودية بشكل أكثر وضوح منذ 2011 واعلان المبادرة الخليجية حتى الوصول الى مؤتمر الرياض ثم اتفاق الرياض 1 والرياض 2 وانتهاء باعلان نقل السلطة في 2022، 

وكان للسعودية التأثير الواضح في التحكم بمسارات الحلول المطروحة في اغلب هذه المراحل.

ورغم الأهمية الكبيرة لكثير من هذه الاتفاقيات والمؤتمرات لليمنيين الا انها كانت غالبا ما تطرح صيغة نهائية تحمل شيء من التعالي من المملكة على الأطراف اليمنية ( خاصة في الخمسة عشر سنة الاخيرة منذ 2011 )، 

وكانت بعض هذه الاتفاقات بداية لأزمات جديدة بدلا من ان تكون نهاية لازمات كانت موجودة أصلاً. 

الحوار الجنوبي بداية مرحلة وليس نهاية مرحلة 

تأتي الدعوة لعقد مؤتمر الحوار الجنوبي–الجنوبي في الرياض في مرحلة مفصلية من مسار الحرب اليمنية، حيث تتزايد المؤشرات على اقتراب الانتقال من مرحلة الصراع المفتوح إلى البحث عن تسوية سياسية شاملة،

 تسوية يبدو ان جزء كبير منها قد انجز فعليا من خلال لقاءات مباشرة وغير مباشرة بين المملكة والحوثيين، 

وهذا ما أشار اليه المبعوث الدولي عند حديثة عن احداث المحافظات الجنوبية خلال الشهرين الماضيين من انها ستجعل تطبيق خارطة الطريق للتسوية السياسية في اليمن صعبة جدا.

ويمكن النظر الى التحركات السعودية الأخيرة بأنها محاولة لإعادة ضبط المشهد السياسي اليمني وخاصة في المحافظات الجنوبية بما يضمن العودة الى مسار ينقل القوى الفاعلة في البلد من ساحة الصراع العسكري الى ساحة المفاوضات السياسية، وخاصة ان السعودية رأت في محاولة المجلس الانتقالي في فرض السيطرة على مساحة المحافظات الجنوبية كاملة تهديدا مزدوج لمصالحها في اليمن، فهذا التحرك مثل تهديد لمصلحة السعودية التي تراها في ابقاء حضرموت والمهرة خارج مناطق الصراع العسكري ومنع اي قوى لا ترى فيها الولاء الكامل لها من الوصول الى حدودها الجنوبية ومن ناحية أخرى فقد رأت المملكة ان نجاح محاولة الانتقالي قد تلغي كل ما توصلت له من تفاهمات مع الحوثيين والمبعوث الدولي فيما يخص التسوية النهائية للحرب في اليمن. 

اشكالية الاطار والمرجعيات 

حتى الآن، لا تزال ملامح المؤتمر الجنوبي الذي تدعوا له وترعاه السعودية غير مكتملة من حيث توضيح الأهداف التي يتوقع تحقيقها منه، وسقف الحوار الجنوبي الذي يحدد اعلى الطموحات التي يمكن مناقشتها، والمرجعيات المعتمدة كمحددات للمؤتمر.

 كما لم يعلن بشكل واضح ما إذا كان المؤتمر الجنوبي يشكّل خطوة تمهيدية لحوار يمني شامل،

 أم انه مسار موازي يركز على المكونات الجنوبية وما تسعى للوصول اليه في التسوية النهائية للحرب بشكل منفصل عن الحوار اليمني وهو ما سبهدد الوحدة الوطنية لليمن. 

وهنا يصبح من الأهمية بمكان التذكير والتأكيد على ان هناك مرجعيات وطنية متوافق عليها من قبل مثل مخرجات مؤتمر الحوار الوطني، وقرارات مجلس الأمن الخاصة باليمن، ووثيقة العهد والاتفاق التي تم توقيعها في 1994،

 بوصف هذه المرجعيات محددات واضحة وضامنة لمنع الانزلاق نحو حلول جزئية أو معالجات مؤقتة. 

القضية الجنوبية 

تُعد القضية الجنوبية واحدة من أكثر القضايا تعقيداً في المشهد اليمني لما تحمله من أبعاد تاريخية وسياسية وحقوقية. ورغم محاولة تأطيرها جغرافيا وربطها بالمحافظات الجنوبية من خلال التسمية والتوصيف

 إلا أنه لا يمكن انكار ان جذورها تمتد إلى طبيعة الشراكة السياسية بين شريكي الوحدة الرئيسيين ( المؤتمر الشعبي العام والحزب الاشتراكي اليمني ) وما تلا حرب 1994 من اختلالات في توزيع السلطة والثروة بين الشريكين

 واستبدال الحزب الاشتراكي اليمني بحزب الاصلاح كشريك جديد للمؤتمر الشعبي العام في السلطة والثروة وكذلك سياسات الاقصاء التي طالت فئات واسعة من أعضاء وانصار ومؤيدوا الحزب الاشتراكي في مختلف المناطق اليمنية. 

سيناريوهات مطروحة للنقاش 

في هذا السياق، يثار تساؤل مشروع حول طبيعة المخرجات المتوقعة من المؤتمر الجنوبي المفترض انعقاده في الرياض قريبا وما إذا كان سيؤدي إلى تقديم معالجات شاملة للقضية الجنوبية من جهة

 وان يكون مقدمة لتقديم معالجات للقضية الوطنية اليمنية بشكل عام ام ان مخرجات هذا المؤتمر ستكون مجرد معالجات مرحلية ومؤسسة لوضع قائم فقط.

ومن بين السيناريوهات التي يجري تداولها في الأوساط السياسية، احتمال التوجه نحو نماذج فيدرالية موسعة ( بعدد اقاليم وتقسيم جغرافي لها قد يخالف التقسيم الذي تم التوصل اليه في مؤتمر الحوار الوطني والمتمثل بعدد ستة اقاليم )

وان تمنح بعض الأقاليم الشمالية والجنوبية مستويات عالية من الاستقلالية في إدارة الأقاليم نفسها مع التأكيد على ضرورة تنظيم العلاقة بين المركز والأطراف.

ورغم ما يحاول مؤيدو هذا الطرح من تقديم التبريرات له ان هذا قد يسهم في معالجة خصوصيات بعض المناطق 

الا انه لا يمكن تجاهل ان هذا سيؤدي إلى إضعاف الرابط الوطني ومركز الدولة وسيفتح الباب على مصراعية لدعوات ومشاريع انفصالية كثيرة متسترة بموضوع الخصوصية لكل منطقة. 

يبقى الرهان الأساسي معقوداً على وعي النخب السياسية الجنوبية، وقدرتها على التعامل مع هذا المؤتمر باعتباره فرصة لطرح رؤية وطنية متماسكة وعدم السماح بأن يكون المؤتمر مجرد محطة تبرر ما حدث خلال شهر يناير 2026 وتهيئة لما سيكون بعد هذا التاريخ من سيناريوهات. 

فلا يمكن النظر إلى ممارسات المملكة العربية السعودية في الشهرين الماضيين على انها بريئة من الرغبة في تقسيم اليمن بشكل رسمي او غير رسمي بما يتناسب مع مصالحها،

 ولا يمكن اغفال ان من منع الانفصال الخشن في الفترة الماضية قد يكون داعم لانفصال ناعم بغطاء سياسي يمني وبقبول ( ترهيبا او ترغيبا ) من السلطة الشرعية والحوثيين وبقية القوى السياسية اليمنية. 

ان المشاركة الفاعلة للنخب السياسية في مؤتمر الحوار الجنوبي يجب ان تقوم على تحديد اهداف واضحة من المؤتمر ومن مشاركتها وان تعتمد على التمسك بالمرجعيات الوطنية والدولية 

وان تكون المشاركة ضمانة حقيقية لان يكون هذا المؤتمر خطوة أساسية نحو الاستقرار في اليمن وإنهاء الحرب ورفع المعاناة عن كل الشعب اليمني والا تكون هذه المشاركة وسيلة تبرير لإعادة إنتاج الانقسام بأشكال جديدة. 

إن المؤتمر الجنوبي يمكن أن يشكّل فرصة مهمة لكل اليمن إذا أُحسن إدارته من قبل المشاركين فيه، أو أنه سيتحول الى تحدي جديد إذا تم التعامل معه كمجرد لقاء تبريري لمرحلة سابقة ومقدمة لمرحلة تقسيم قادمة 

واذا تم التعامل معه باعتباره حدث جزئي منفصل عن السياق الوطني. 

ولهذا وجب تذكير كل المشاركين وكل القوى والمكونات التي يمثلونها باهمية وضوح الرؤية لديهم وتأكيد صدق النوايا لدى ممثلي المملكة الراعية لهذا المؤتمر 

وقدرة كل الفاعلين داخل المؤتمر وخارجة وعملهم على تغليب المصلحة الوطنية للوطن اليمني الكبير على حساب المصالح الضيقة وتقديم المشروع الوطني على المشاريع الصغيرة.

خالد اللبود