Logo

40 عاماً على أحداث يناير في جنوب اليمن

 قد يكون من سخرية الأقدار أن تتصادف التطوّرات أخيراً في جنوب اليمن مع الذكرى الأربعين لأحداث يناير 1986، التي كانت منعطفاً مفصلياً في ما آل إليه المشهد اليمني، بدءاً بالتداعيات الدرامية لتلك الأحداث على ما كانت تُعرف بـ"جمهورية اليمن الجنوبية الشعبية"،

 مروراً بالوحدة اليمنية (1990) وحرب الانفصال (1994)، وانتهاءً بالربيع اليمني (2011)، وما آلت إليه الأوضاع في اليمن بعد ذلك.

اندلعت أحداث يناير (1986) بعد أن وصل الصراع بين الرفاق داخل الحزب الاشتراكي اليمني في عدن إلى الباب المسدود؛ الصراع الذي احتدم بين الجناح اليساري المتشدّد،

 الذي ضم منظّر الحزب عبد الفتاح إسماعيل، العائد للتو من منفاه السوفييتي (1985)، وعلي عنتر وصالح مصلح قاسم وعلي شائع هادي وعلي سالم البيض (تُوفّي الأسبوع الماضي في أبوظبي) وآخرين، والجناح المعتدل الذي كان يقوده الأمين العام للحزب آنذاك ورئيس الدولة علي ناصر محمد. وفي وقت كان يُنتظر أن تكون عودة إسماعيل فرصة لترميم التصدّعات داخل الحزب، ازدادت حدّة الاستقطاب. وجاء المؤتمر الثالث للحزب ليؤجّج الصراع أكثر بين الجناحَين، على الرغم من التنازلات التي قدّمها علي ناصر لمعارضيه، ومن ذلك تخلّيه عن بعض صلاحياته وقبوله بتمثيلية أوسع لهم داخل المكتب السياسي.

تفجّرت الأحداث صبيحة 13 يناير قبيل عقد اجتماعٍ للمكتب السياسي، حين بدأ أحد حرّاس الرئيس علي ناصر بإطلاق النار على خصومه من قيادات الحزب، 

قبل أن تتطوّر الأحداث نحو مواجهة دامية بين الجناحَين، كانت مقارّ وزارتي الداخلية والدفاع مسرحاً لها في عدد من مناطق عدن. استمرّت المواجهة 12 يوماً متواصلة، فقد فيها الحزب آلافاً من خيرة قياداته وكوادره، 

بينما هرب علي ناصر ومؤيّدون له إلى "اليمن الشمالي"، ومنه إلى سورية. كما أُلحقت أضرار جسيمة بالبنى التحتية في عدن، فضلاً عن الشرخ العميق الذي خلّفته على الصعيدَين السياسي والاجتماعي.

كشفت أحداث يناير أن الصراع الذي تفجّر بين الرفاق في عدن لم يكن فقط بين فصيلَين متحاربَين داخل حزب يساري، كان يتبنّى الماركسية اللينينية مرجعية فكرية وأيديولوجية، 

ويشرف على تطبيق سياسات اشتراكية متشدّدة في قطاعات التعليم والصحّة والسكن والمرأة وغيرها، بل كان أيضاً صراعاً بين قيادات وأطر تنتمي إلى قبائل وجهات بعينها في الشطر الجنوبي من اليمن.

كانت لتلك الأحداث ارتداداتها على الصعيد العربي، كشفت مأزق اليسار الراديكالي العربي في بيئة اجتماعية وثقافية يغلب عليها التقليد، ويستعصي عليها التحديث؛ بيئة محكومة بنزعات قبلية وجهوية متجذّرة،

 أخفقت الأيديولوجية الماركسية المتبنّاة في الحدّ منها وتكييفها مع خطابها النظري المعلوم.
 
خلفت أحداث يناير أزمة اجتماعية وسياسية عميقة في جنوب اليمن، وعمّقت عزلته الإقليمية، ورغم محاولة علي سالم البيض، الذي تولّى السلطة (1986 – 1990)، إعادة هيكلة الحزب،

 فإن نذر نهاية الحرب الباردة وتصدّع معسكر حلفائه في الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية كانت قد بدأت تلوح في الأفق مع نهاية الثمانينيّات، الأمر الذي نجح علي عبد الله صالح (رئيس اليمن الشمالي آنذاك) في استثماره بما يعزّز شرعية نظامه أكثر.

 وجرى التوقيع على اتفاقية الوحدة اليمنية (1990)، التي سرعان ما ستتعرّض لتصدّع كبير خلال حرب الانفصال (1994).

على الرغم من انصرام 40 عاماً عليها، لا تزال أحداث يناير 1986 تلقي بظلالها على الواقع اليمني، لا سيّما في الجنوب،

 فالمجلس الانتقالي الجنوبي الذي طالما قدّمه قادته باعتباره يمثّل طيفاً عريضاً من أبناء الجنوب، يكاد لا يختلف عن الحزب الاشتراكي الذي تناحرت قياداته قبل 40 عاماً في واحدة من أكثر صفحات التاريخ اليمني دراماتيكية. 

فالحاضنة السياسية والشعبية للمجلس تتركّز بالأساس في مناطق الضالع ويافع وردفان. 

وكان لذلك أثره في الانتكاسة السياسية والعسكرية التي مُني بها أخيراً في مواجهة قوات الشرعية اليمنية، وهي الانتكاسة التي لا ترتبط فقط بحسابات قبلية وجهوية، بقدر ما ترتبط أيضاً بالتعقيدات الجيوسياسية الإقليمية للمشهد اليمني.

محمد أحمد بنّيس
شاعر وكاتب مغربي