الحوار اليمني الجنوبي – الجنوبي... تطلعات وتحديات
حوار مزمع جنوبي–جنوبي يمني من المقرر عقده في العاصمة السعودية الرياض وسط تباين في الآراء والتوقعات باعتباره أمرا حاسما يلبي الآمال بتوحيد رؤى فرقاء جنوب اليمن،
واعتقاد البعض في جنوب البلاد وشمالها أن هذا الحوار لن يكون سوى امتداد لمتاهات سابقة تتخبط فيها البلاد من دون ضوء في آخر النفق.
جاءت موافقة السعودية على عقد هذا الحوار بناء على طلب من الحكومة اليمنية الشرعية أملا في تجنيب اليمن مزيدا من الاضطرابات بعد أعوام من العبث ، كما قالت الحكومة اليمنية، لم تسفر إلا عن بناء ميليشيات عرقلت وجودها للعمل في العاصمة المؤقتة عدن،
وأحبطت كل محاولات الحكومة والتحالف لإصلاح وتعزيز أوضاع الجنوب وتوحيد قوى المعسكر المناهض لجماعة الحوثيين في شمال اليمن.
تبدو آمال الجنوبيين عريضة في إمكان استعادة "جمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية" السابقة التي ذابت فبل 35 عاما مع نظيرتها "الجمهورية العربية اليمنية"، في شخصية دولية واحدة تم الاستفتاء على دستورها وتوحيد أنظمتها وقوانينها،
وتم الاعتراف بها دوليا، وأصبح لها تمثيل وعضويات في الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات والمنظمات الدولية.
لكن البعض الآخر من الجنوبيين يرى استحالة "فك ارتباط" الجنوب مع الشمال حتى لو جرى استفتاء على حق تقرير المصير حيث لم ينص عليه أصلا دستور دولة الوحدة بالنظر إلى حالة "الانصهار والدمج الكامل" المنصوص عليها في اتفاقية الثلاثين من نوفمبر/تشرين الثاني عام 1989 بين الجانبين.
من جهة أخرى ثمة مخاوف من أن يقود حوار الرياض بين الأطراف الجنوبية إلى عدم التوافق مما قد ينزلق بالجميع إلى حافة الانفجار والعنف نتيجة عمق الانقسام بين تلك الأطراف.
متى ينعقد المؤتمر؟
لا موعد محددا حتى اللحظة لليوم الذي سينعقد فيه المؤتمر أو جدوله الزمني أو آلية إدارته، خصوصا أنه يأتي بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة،
وملاحظة فكرة حصر هذا المؤتمر على مكونات جنوب اليمن فقط وليس كل الأطراف اليمنية الفاعلة في مجرى الأزمة القائمة بوجه عام،
ولكل رأي أو توقع وجاهته ومبرراته نظرا لعمق الانقسام الذي أحدثه طول أمد الصراع وعدم التوافق على تصور محدد لشكل الحكم مستقبلا في اليمن الذي أنهكته النزاعات البينية حتى داخل المعسكر المطالب بإنهاء الحرب واستعادة الدولة اليمنية الوطنية.
تحديات الحوار
أمام مؤتمر الرياض تحديات لا يمكن تجاوزها بافتراض حسن النوايا، بعد ما جرى خلال شهر كامل في حضرموت والمهرة من انتهاكات نكأت الجراح ونبشت ضغائن ماض اعتقد الناس أنه بات جزءا من زمن مضى.
التحدي الأهم هو في تركيبة المشاركين الذين يقدر عددهم حتى الآن بنحو 80 عضوا، ويلحظ الباحث السياسي الجنوبي رضوان العتيقي أسئلة حول التمثيل الجغرافي
إذ "توزع المشاركون المحتملون بين 38 من الضالع، و22 من عدن، و6 من المهرة، و5 من لحج، و4 من يافع، و3 من حضرموت، و2 من شبوة، وعضو واحد من أبين، وعضو واحد من ردفان".
ويرى العتيقي أن هذا يطرح سؤالا حول علاقة تمثيل الجنوب تمثيلا عادلا وشاملا.
تحدٍ مهم آخر، وهو أن عقد مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي ليس في جنوب اليمن وسط فوضى سياسية عارمة لا سابق لها في تاريخ جنوب اليمن أو شماله،
وفي ظل فرقة وخلافات عميقة وبالغة التعقيد خصوصا بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة والفظائع التي جرت، وكشفت عن بعض الانتهاكات التي جرت منذ نحو عشرة أعوام وإعلان "المجلس الانتقالي الجنوبي" الموالي لها عن حل نفسه.
في المقابل، هناك تقدير لدور محوري تقوم به السعودية.
السجالات العالية التي تشهدها الرياض بين بعض الشخصيات الجنوبية المرشحة تظهر أن مطلب "الانفصال" ليس محل إجماع بين الجنوبيين، وأن الخلاف حول هذا الأمر يطرح ضرورة نجاح الحوار في التوصل إلى توافق حول سبل معالجة "القضية الجنوبية" من خلال حل سياسي شامل في إطار اليمن كله.
متطلبات الحوار
لا شك أن هناك حاجة ماسة إلى اعتماد مبدأ المكاشفة والصراحة في أسباب إخفاقات الوحدة مع شمال البلاد، وهل تحتاج إلى "معالجة" تبدو هي الحل الأسهل والبديل الممكن وليس فض الشراكة في الوحدة.
أول متطلبات الحوار هو التوصل إلى تعريف محدد للقضية الجنوبية دون تعليق أسبابها على مشجب حرب عام 1994 التي كان عدد من الزعماء الجنوبيين هم من قاد معاركها.
أما ثاني شروط الحوار، فهو أن يتم تحديد المسؤولية عمن كان سببا في قضايا مساءلة بعد الحرب، وهل هم بعض إخوتهم "الشماليين" أم كذلك من الجنوبيين؟
ثالثا، وفي إطار مبدأ المكاشفة، أليس من الضروري إنصاف "الجنوبيين" من بعض إخوتهم "الجنوبيين" الذين مارسوا خلال سنوات الحرب العشر الماضية مع الحوثيين تجاوزات، في ضوء الاتهامات الموجهة أخيرا إلى عيدروس الزبيدي رئيس "المجلس الانتقالي الجنوبي" المنحل.
مؤتمرات الرياض
بعد نحو أسبوعين من الحرب في اليمن والعمليات العسكرية ضد الحوثيين التي شنها التحالف، استضافت الرياض في الفترة الواقعة بين 17-19 مايو/أيار 2015 مؤتمرا تحت شعار "إنقاذ اليمن وبناء الدولة الاتحادية"، وضم مختلف الأطراف السياسية اليمنية باستثناء الحوثيين رغم توجيه الدعوة إليهم.
ورغم الزخم الذي وفره تحالف دعم الشرعية بعد هذا المؤتمر، فإن أداء الحكومة اليمنية تراجع بسبب خلافات وتنازع على الصلاحيات بين الرئيس ونائبه من محافظة حضرموت، وقد استدعى كل ذلك حاجة إلى تعديل في هيكل الرئاسة وقيادة جديدة.
وفي الفترة من 29 مارس/آذار حتى 7 أبريل/نيسان 2022، احتضنت الرياض مشاورات يمنية-يمنية برعاية مجلس التعاون الخليجي، كان هدفها الأساسي البحث في صيغة لإصلاح الخلل في ضعف أداء مؤسسة الرئاسة،
حيث أسفرت تلك المشاورات عما وُصف بأنه "اتفاق تاريخي" لتشكيل مجلس رئاسي جديد لقيادة الدولة اليمنية، وتزامن ذلك مع إعلان الرئيس السابق عبدربه منصور هادي قراره بنقل صلاحياته إلى المجلس الجديد الذي تشكل من ثمانية أعضاء سرعان ما دبت الخلافات بينهم وأدت إلى ما وصلت إليه الأمور اليوم.
وكانت الرياض قد قادت قبل ذلك وساطات وجهودا واسعة لدعم الشرعية اليمنية في مختلف المحافل الدولية، ومن بين ذلك عقد أكثر من مؤتمر واجتماع دوري للمانحين في كل من برلين والرياض وغيرهما بهدف جمع التمويل اللازم لـخطة الاستجابة الإنسانية،
حيث شهدت مؤتمرات افتراضية بارزة في عام 2020، وأخرى في 2022 جمعت تعهدات لدعم تلك الخطة.
الموقف السعودي من حوار الجنوب اليمني
لا تعتبر الرياض نفسها طرفا في الأزمة القائمة أو حتى وسيطا بين الأطراف الجنوبية في حل أزمة جنوب اليمن أو أن تملي أجندة من أي نوع على الحوار الجنوبي-الجنوبي،
بل ترغب في الاكتفاء بدور المُيسِّر لمداولات هذا الحوار الذي يجري في عاصمتها بعيدا عن مناطق ومناخات الصراع والتوتر في جنوب اليمن،
ذلك سعيا نحو تمكين الأطراف الجنوبية اليمنية من الوصول بمحض إراداتها وتوافق آرائها إلى تصورات متقاربة لحل الخلافات بينها بما قد يساعد في تأجيل تبايناتها إلى أن يتم التوصل إلى اتفاق سياسي شامل وعادل في عموم اليمن وليس في الجنوب وحده.
كما يرى بعض المراقبين في المنطقة أن مؤتمر الرياض لن يكون حوارا بين "مكونات" تمثل هذه الناحية الجهوية أو الحزبية أو القبلية أو تلك، لكنه "منتدى واسع الطيف لكل الشخصيات" التي تمثل المجتمع الجنوبي من كل مناطقه وتياراته المدنية والقبلية.
خلفية تاريخية
لم يكن جنوب اليمن، تاريخيا، كيانا واحدا أو موحدا يمكن فهمه بصيغة الجمع، بل كان كيانات، فعندما احتلت بريطانيا مدينة عدن في 19 يناير/كانون الثاني 1839، كان ذلك طمعا في أهمية موقع مينائها الاستراتيجي عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر بهدف تأمين خط إبحار سفنها التجارية المتجهة نحو الهند.
أما بقية المناطق المحيطة بعدن فقد كانت سلطنات ومحميات ضعيفة عملت بريطانيا على دمجها في ما أسمته "الجنوب العربي"
ولم تكن حضرموت والمهرة جزءا منه ولم يتم توحيد كل مناطق الجنوب إلا بعد رحيل آخر جندي بريطاني عن عدن في 30 نوفمبر/تشرين الثاني 1967 وقيام الجبهة القومية التي استولت على السلطة بعملية التوحيد التي لم تخل من أعمال قتل وعنف لا يزال بعضها عالقا في ذاكرة الحضارم وسكان المهرة خصوصا حتى اليوم.
يبدو سقف التطلعات عاليا لدى بعض المرشحين للمشاركة في نقاشات الحوار الجنوبي-الجنوبي وذلك كما لو أن الأمر قد أصبح بالفعل محسوما لصالح "استعادة الدولة الجنوبية" أو أن الرحلة نحو هذا الهدف قد بدأت وانتهت قبل سنوات من هذا الحوار.
غير أن الواقع لا يسمح بتخيل أن يكون هذا "الحلم" قد أصبح "حقيقة" بين عشية وضحاها، وذلك استنادا إلى كل ما سبق بيانه من تحديات.
اليمن بهذا المعنى كتلة كبيرة من المشكلات المتداخلة التفاصيل والمتشابكة الفصول، لا يمكن حلها سواء بالتفكيك والفصل بينها أو بالدمج إلا في إطار صفقة حل تاريخي مُرضٍ للجميع.
أنور العنسي