Logo

العالم أمام مرآته المكسورة

 ثمّة لحظات في التاريخ لا تحتاج إلى كثرة الشواهد بقدر ما تحتاج إلى شجاعة التفاعل؛ لحظات تتراكم فيها الوقائع حتى لا يعود الصمت حيادًا، ولا اللغة التوصيفية موقفًا.

العالم كما هو لا كما يرغب أن يُروى

إذا أردنا أن نقرأ المشهد العالمي قراءة واعية لا تخضع للتخدير السياسي ولا للمفردات المُعلّبة التسويقية، فعلينا أن نضع الوقائع كلّها على الطاولة دفعة واحدة، من دون انتقاء عصبي أو ترتيب انتهازي:

 فلسطين بشقّيها؛ غزّة والضفة الغربية، السودان، اليمن، سورية، لبنان، أوكرانيا، إيران. وفي مقابل هذه الجغرافيات المنكوبة تقف إسرائيل وروسيا كقوّتين مُعتديتين واضحتين،

 فيما تتصدّر الولايات المتحدة المشهد بوصفها الشريك الأكبر في هندسة هذا العالم، لا كقوّة ضابطة، بل بوصفها راعيا فعليا لمنظومة العنف والحرب.

ترويج الإبادة كسياسة

في هذا السياق، لا جدال في أنّ فلسطين تحتل الموقع الأثقل أخلاقياً وإنسانياً. ففي غزّة، لا نواجه كارثة طبيعية، بل جريمة مكتملة الأركان؛ إبادة جماعية تُدار بوعي كامل:

 قتل بالقصف والتجويع والحصار، وتجفيف للماء ومنع الدواء، وتعريض مُتعمّد للبرد القارس، وترك شعب بأكمله لمصير الفناء المُمنهج.
 
أمّا الضفة الغربية، فهي الوجه الآخر للجريمة ذاتها؛ جريمة أقل ضجيجاً وأكثر مكراً، تقوم على القتل البطيء، وسلب الأرض ومحاولة لمحو الذاكرة تحت غطاء قانوني دولي. 

وفي الحالتين، لا يمكن فصل الفعل الإسرائيلي عن الشراكة الأميركية، التي توفّر السلاح والشرعية السياسية.

ضحايا بلا غطاء سياسي

يأتي السودان في المرتبة التالية بوصفه دولة تُستنزف بالحرب عبر أذرع خارجية ، بما يسرّع انهيار الدولة ويفتح الباب أمام الفوضى. ويجري كلّ ذلك تحت نظر العالم، لأنّ الدم السوداني لا يشكّل أولوية في حسابات المصالح.
 
وفي اليمن وسورية ولبنان، يتواصل الاستهداف الإسرائيلي منذ سنوات، وقد تحوّل الإنسان هناك إلى رقم، والخراب إلى مشهد اعتيادي؛ مدن تُسوّى بالأرض وأجيال لا تُولد، فيما يقف النظام الدولي متفرّجاً، يُصدر بيانات القلق ويغلق ملفات المساءلة.

على الضفّة الأخرى، تبدو أوكرانيا مثالاً فاضحاً لازدواجية المعايير المُقرفة؛ هناك، يتحرّك الضمير الغربي بسرعة وحسم: دعم مفتوح، خطابات مقرونة بعقوبات خانقة ضدّ روسيا بوصفها قوّة مُعتدية.
 
هذا الموقف، من حيث المبدأ، ليس موضع اعتراض، إنما الفضيحة تكمن في غياب المعيار نفسه حين يكون المعتدي حليفاً، وحين تكون الضحية سمراء أو عربية.

من الشراكة في الإبادة إلى منطق الغلبة

غير أنّ الصورة لا تكتمل من دون التوقّف عند السلوك الأميركي العنجهي، والذي بات أكثر فجاجة وأقلّ دبلوماسية، فالولايات المتحدة، شريك إسرائيل الأوّل، لم تعد تُخفي نزعتها القسرية في التعامل مع العالم؛ 

من التهديد العلني لقادة دول في أميركا اللاتينية، كما هو الحال باختطاف الرئيس الفنرويلي، نيكولاس مادورو، في استعادة صريحة لزمن الانقلابات المُدارة من الخارج.
 
والأكثر دلالة هو ما يجري اليوم بشأن غرينلاند، فالرغبة الأميركية في بسط السيطرة عليها لم تعد تُغلّف بخطاب التعاون أو الشراكة، بل تُطرح كحقّ قوة.

المثير هنا هو ردّة الفعل الأوروبية: خطاب ليّن، حذر، أقرب إلى التبرير منه إلى الرفض، وكأنّ العواصم الأوروبية وجدت نفسها أمام حقيقة مُرّة: الحليف الذي طالما بشّر بالقانون الدولي لا يتردّد في تجاوزه حين يتعارض مع أطماعه.

وهنا تتبدّى مفارقة أعمق، فالدول الأوروبية التي شاركت في شرعنة الظلم الواقع على الفلسطينيين، وقدّمته تحت مسمّى الشراكة والتحالف والدفاع عن النفس، تجد نفسها اليوم في مواجهة الظلم ذاته وقد ارتدّ عليها من حيث لا تحتسب، 

فالمنطق الذي سُوّغ به قتل الفلسطيني، هو نفسه المنطق الذي تُسوّغ به اليوم الهيمنة الأميركية على أوروبا.

إنه ديدن السنن الكونية: الظلم لا وطن له، ومن يعتده أداة سياسية، فسيتحوّل يوماً إلى ضحيته.
 
وإذا كان الظلم يُمارس صريحاً أو بالوكالة على الفلسطينيين والسودانيين... إلخ، فإنّ أوروبا وأميركا تجسّدان اليوم نموذجاً فاضحاً من الكيل بمكيالين في إيران. 

فبينما تُلوّح واشنطن بتدخّل عسكري لحماية المدنيين، ويصدر خطابها على أنّه دفاع عن حقوق الإنسان، تستمر في قتل المدنيين عبر الحروب بالوكالة في فلسطين والسودان واليمن ولبنان.

من غزّة إلى الخرطوم، ومن صنعاء إلى كييف، ومن بيروت إلى كاراكاس وصولاً إلى غرينلاند وسورية، تتكشّف صورة واحدة: عالم يُدار بمنطق الغلبة، تُعاد فيه صياغة الاحتلال بوصفه وصاية، وتُبرَّر الإبادة بوصفها دفاعاً، ويُطالَب الضحايا بالخنوع كي لا يوصفوا بالإرهاب.
 
سنن الظلم والعدالة

إنّ ما يجري اليوم هو كشف صريح لمسار البشرية: الحقّ لا يُحتكر، والظلم لا يدوم؛ ومن يضعف أمام القهر اليوم فسيكتشف غداً أنّ السنن التاريخية ثابتة: من يزرع العنف يجنِه، ومن يشترِ القيم بالمصلحة يجد أنّ الحقيقة أقوى من كلّ التبريرات.

في النهاية، الزمن لا يرحم، والإنسانية لا تموت، مهما حاول القادرون على الأرض أن يطمسوها.

أحمد سليمان العمري
كاتب وباحث أردني