Logo

ثورة فبراير بين الذاكرة اليمنية الجريحة وفرص المستقبل

 بعد 15 عاماً، تعود ذكرى ثورة فبراير (2011) في سياق سياسي مختلف عمّا عرفه اليمنيون في العقد الماضي.

 لم تعد البلاد غارقة بالكامل في استقطاب حادّ يمزّق ما تبقّى من المجال الجمهوري، بل تلوح ملامح محاولة لإعادة ترتيب البيت الداخلي مع تشكيل حكومة جديدة، وتراجعٍ نسبي في أدوار إقليمية أسهمت في تعميق الانقسامات وتغذية الصراع.

 هذه اللحظة لا تمنحنا رفاهية الاحتفال، لكنّها تتيح فرصة لإعادة التفكير الهادئ في معنى ثورة فبراير وموقعها في المسار اليمني.

لم تكن الثورة في 2011 حدثاً عابراً في سياق الاحتجاجات العربية، بل شكّلت لحظة انتقال رمزية عميقة في الوعي اليمني. 

للمرّة الأولى منذ عقود، شعر قطاع واسع من اليمنيين بأنهم فاعلون في التاريخ لا مجرّد موضوعات للحكم. انهار جدار الخوف، وتحوّلت الحرية من مطلب نظري إلى ممارسة عامّة في الساحات، 

واكتشف الناس قدرتهم على الفعل الجماعي خارج معادلات القبيلة والطائفة والولاء الشخصي. كانت تلك لحظة نادرة يختبر فيها المجتمع معنى السيادة الداخلية، حين يشعر الفرد بأنه مواطن لا تابع. 

غير أن هذه اللحظة، التي يمكن وصفها بذروة وعي سياسي، لم تتحوّل إلى مسار مستقرّ لبناء الدولة. فقد أعادت الحرب والانقسام والانقلاب تشكيل المشهد، ودفعت قطاعات واسعة من اليمنيين إلى إعادة تقييم التجربة بكثير من الالتباس. 

في الذاكرة الجمعية اليوم، لم تعد ثورة فبراير مشروعاً واضح المعالم، بل أصبحت رمزاً مزدوجاً: جرأة الحلم من جهة، وكلفة هذا الحلم من جهة أخرى.

 ولم يكن هذا التحوّل في المعنى نتيجة التجربة الثورية وحدها، بل نتاج مسار طويل من الإخفاقات والصراعات والثورات المضادة التي أعادت إنتاج الخوف بوصفه أساساً للسياسة.

خلال السنوات الماضية، جرت محاولات منظّمة لتحميل ثورة فبراير مسؤولية كلّ ما آلت إليه البلاد، وتقديمها بوصفها خطأً تاريخياً، وكأنّ مطلب الحرية هو الذي فجّر الحرب، لا انسداد أفق الإصلاح وتآكل مؤسّسات الدولة قبلها.

 والحال أن الثورة لم تنشأ في فراغ، بل جاءت بعد أن أُغلقت مسارات التغيير السلمي، وتحوّلت الجمهورية تدريجياً إلى نظام عائلي مُفرغ من مضمونه المؤسّسي. 

حين تُصادر السياسة، ويُختزل المجال العام في إرادة فرد أو شبكة ولاءات، لا تعود الثورة خياراً أيديولوجياً، بل تصبح استجابة لانسداد تاريخي.
 
من هنا، يتجاهل ربط الانهيار بثورة فبراير السياق الذي وُلدت فيه، إذ كانت الثورة محاولة لإحياء السياسة لا سبباً لموتها، لكنّها، مثل ثوراتٍ كثيرة، لم تكن محصّنة ضدّ أخطاء الفاعلين وضعف البنية الوطنية الجامعة. 

كشفت التجربة هشاشة التوافقات الداخلية، وضعف القدرة على تحويل الزخم الشعبي إلى مؤسّسات مستقرّة، كما كشفت قابلية بعض القوى للانكفاء أو الارتهان لحسابات ضيّقة، غير أن الاعتراف بهذه الإخفاقات لا يعني القبول بسردية تعتبر الاستبداد أقلَّ كلفة من الحرية. 

ترافقت هذه الاختلالات مع تدخّلات إقليمية لعبت دوراً حاسماً في تعقيد المشهد اليمني. فقد شهدت صنعاء وعدن دعماً لانقلابات وصراعات عمّقت الانقسام، 

وأُعيد إحياء مشاريع سلالية في الشمال ونزعات تفكيكية في الجنوب، في سياق تنافس إقليمي لم يكن معنياً ببناء دولة يمنية مستقرّة بقدر ما كان معنياً بإدارة النفوذ. 

ومع أن العامل الخارجي لم يصنع الأزمة من العدم، فإنه ساهم في إطالة أمدها، وتحويل الخلافات السياسية إلى صراعات صفرية.

اليوم، ومع هذا التراجع النسبي في أدوار التأجيج الخارجي، وتشكيل حكومة تضمّ أطرافاً متباينة، تسقط تدريجياً ذرائع كثيرة استُخدمت لتبرير الانقسام. يفرض هذا الواقع سؤالاً مباشراً: هل يمكن تحويل التفاهمات التكتيكية إلى أرضية مؤسّسية دائمة؟ 

وهل تستطيع النُّخب السياسية استثمار اللحظة لإعادة الاعتبار لفكرة الدولة الجمهورية، بوصفها إطاراً لإدارة التنوّع، لا غنيمة تُحتكر أو ساحة يُقصى منها الخصوم؟ 

لقد كشفت التجربة القاسية التي عاشها اليمنيون خلال السنوات الماضية حدود منطق الإلغاء. فشل الإقصاء، وفشلت الحروب في إنتاج استقرار، وأثبتت المشاريع السلالية أو الشخصانية أنها لا تبني دولة، بل تعمّق الانقسام. 

وفي المقابل، أظهرت الأحداث أنه لا طرفَ قادراً على إلغاء الآخر نهائياً، وأن البديل من التسوية المؤسّسية ليس الحسم، بل استنزاف مفتوح.
 
من هذا المنظور، لا تكون ذكرى ثورة فبراير مناسبة للرثاء ولا للاحتفال، بل لحظة مراجعة. الخطر الحقيقي لا يكمن في نقد الثورة، بل في شيطنتها بالكامل أو تحويلها إلى أسطورة معصومة. 

فالتاريخ لا يتقدّم بالتقديس ولا بالإدانة المطلقة، بل بالوعي النقدي الذي يتعلّم من الأخطاء من دون أن يتخلّى عن المبادئ. وإذا كانت ثورة فبراير قد كشفت هشاشة الدولة، فإنها كشفت أيضاً حاجة اليمنيين الملحّة إليها. 

بعد 15 عاماً، لم تعد المسألة سؤالاً عن تقييم حدث ماضٍ، بل عن إمكانية بناء مستقبل مختلف. 

هل تتحوّل ثورة فبراير إلى مجرّد حنين أخلاقي إلى لحظة بطولية، أم إلى مرجعية سياسية تذكّر بأن الاستقرار لا ينفصل عن العدالة، وأن الأمن لا يستقيم من دون مؤسّسات، وأن المواطنة المتساوية ليست شعاراً، بل شرط بقاء؟
 
إن الحكومة الجديدة تقف أمام اختبار يتجاوز توزيع الحقائب. اختبارها الحقيقي يكمن في قدرتها على الانتقال من منطق إدارة الأزمة إلى منطق بناء الدولة:

 تعزيز استقلال المؤسّسات، تحييد الجيش عن الصراعات السياسية، إعادة الاعتبار للقانون، فتح المجال العام أمام تعدّدية لا تتحوّل إلى احتراب. 

من دون ذلك، ستبقى التفاهمات كلّها عرضة للاهتزاز عند أول اختبار جدّي. وثورة فبراير، في معناها الأعمق، لم تكن وعداً سياسياً بيوتوبيا، بل إعلاناً عن حقّ اليمنيين في أن يكونوا مواطنين لا رعايا. 

هذا المعنى لم يُهزم أخلاقياً، حتى وإن تعثّر سياسياً، وهو ما يُفسّر استمرار حضورها في الوجدان العام رغم كل ما جرى. 

فالمعرفة السياسية التي زرعتها (أنّ تحويل الجمهوريات إلى ملكيات مقنّعة يقود إلى الانفجار، وأن غياب العقد المؤسّسي يفتح الباب أمام العنف) أصبحت جزءاً من الخبرة الجمعية.

تبقى ثورة فبراير، إذن، سؤالاً مفتوحاً أكثر منها إجابة مكتملة، سؤال عن الدولة التي لم تولد بعد، وعن قدرة مجتمع أنهكته الحرب على استعادة ثقته بنفسه وبمؤسّساته.

 وفي اللحظة التي تتشكّل فيها إمكانية لتهدئة الصراعات وإعادة بناء الحدّ الأدنى من التوافق، لا تبدو ثورة فبراير عبئاً على الحاضر، بل تذكيراً بأن المستقبل لا يمكن أن يُبنى على إنكار مطلب الحرية، ولا على إعادة تدوير أنماط الحكم التي أثبتت عجزها.

التحدّي الحقيقي اليوم ليس الدفاع الخطابي عن الثورة ولا مهاجمتها، بل الإجابة عن سؤال بسيط وصعب في آن: كيف يتحوّل شعب أظهر قدرته على الاحتجاج والتغيير إلى شعب قادر على بناء دولة عادلة ومستقرّة؟ 

هنا فقط تستعيد ذكرى ثورة فبراير معناها الحقيقي: خطوة في مسار لم يكتمل، لا خطأ ينبغي محوه من الذاكرة.

مجيب الحميدي
كاتب وباحث يمني