قراءة في مقال «لن تتمكنوا من الإساءة إلى علاقتنا بإخوتنا الهاشميين»
قرأت مقالًا للأستاذ مطهر تقي يمكن تقديمه بوصفه نموذجًا لثقافة جيله، حيث ترسخت لديه معطيات ذات طابع سياسي واجتماعي تجسدت في صورة تقسيم للمجتمع اليمني، سواء مذهبيًا أو طائفيًا أو سلاليًا.
غير أن المقال لم يتطرق إلى أن هذا التقسيم طارئ ودخيل على البنية التاريخية للمجتمع اليمني، ولا يمكن اعتباره امتدادًا سياسيًا أو اجتماعيًا أو دينيًا لطبيعته،
إذ لم يعرف اليمن مثل هذه التصنيفات قبل وصول مؤسس الإمامة الزيدية، الإمام الهادي يحيى بن الحسين، في القرن الثالث الهجري.
كما أن الكاتب لم ينطلق من معالجة الأسباب الموضوعية لإشكالية التقسيم، بل انصرف إلى معالجة النتائج والدعوة إلى التصالح مع ما يقدمه بوصفه “مكونات” داخل المجتمع اليمني.
تفكيك مقال مطهر تقي يقتضي التمييز بين النية المعلنة والنتيجة الفعلية للخطاب. فالكاتب يعلن رفضه للتعصب السلالي، ويستدعي ذاكرة الستينيات بوصفها زمنًا للتعايش والوئام، ويختم بالدعوة إلى نسيان التصنيفات من قبيل: هذا قحطاني وهذا هاشمي.
غير أن الإشكال الجوهري في مقاله أنه، وهو يحاول مقاومة الانقسام، يعيد تثبيته من حيث لا يدري؛ إذ ينطلق من مسلّمة وجود “مكوّن هاشمي” قائم بذاته داخل المجتمع اليمني، ثم يدعو إلى تحسين العلاقة معه، لا إلى تفكيك أساس التصنيف نفسه.
يكرر الكاتب تعبير “إخوتنا الهاشميين”، ويؤكد استمرار العلاقة معهم، وكأن المجتمع اليمني يتكون فعلًا من كتلتين اجتماعيتين متمايزتين: هاشميين وغير هاشميين.
هذا التوصيف ليس بريئًا لغويًا، لأنه يمنح هوية سياسية واجتماعية مستقلة لما يُفترض أنه مجرد ادعاء نسبي فردي.
فحين يُعاد إنتاج المصطلح بوصفه مكوّنًا، يصبح جزءًا من البنية الذهنية العامة، حتى لو كان الهدف الدفاع عنه أو حمايته من الاستهداف.
المفارقة أن الكاتب نفسه يقرّ بأن التعصب السلالي، بصيغتيه “القحطانية” و“الهاشمية”، هو الذي ينبش الماضي ويفتك بالنسيج الاجتماعي، لكنه لا يذهب إلى الجذر: من أين جاءت هذه الثنائية أصلًا؟
وهل هي توصيف تاريخي ثابت، أم نتاج سياسي ارتبط بمرحلة حكم الأئمة، حين جرى توظيف دعوى النسب إلى آل البيت كآلية لإضفاء شرعية دينية على السلطة؟
المقال يتعامل مع “الهاشميين” كحقيقة اجتماعية راسخة، بينما الإشكال المطروح في الخطاب النقدي المعاصر هو أن هذا التصنيف نفسه نتاج سياق سياسي، لا حقيقة بيولوجية أو إثنية يمكن التحقق منها علميًا.
ومن غير المنطقي أن يشكل المدعون للنسب الهاشمي نسبة تتراوح بين 5% و7% من عدد سكان اليمن، وهو ما يعزز الطابع السياسي والأيديولوجي لهذه الظاهرة.
فقد ظل ادعاء النسب الهاشمي، عبر قرون، مرتبطًا بوظيفة سياسية استُخدمت لكسر عزلة منظومة الإمامة الهادوية، وتأسيس شرعية تفاضلية في الحكم، ومنح امتياز رمزي أو سلطوي مقابل الولاء.
وهو ادعاء لا يقوم – في معظمه – على إثبات وراثي علمي أو توثيق تاريخي قطعي، بل على سلاسل نسب تقليدية تخضع بدورها لاعتبارات القوة والاعتراف الاجتماعي.
الخطاب الذي يقول: “لن تتمكنوا من الإساءة إلى علاقتنا بإخوتنا الهاشميين” يبدو تصالحيًا، لكنه يتجاوز سؤالًا جوهريًا: هل من الصواب أصلًا تثبيت المجتمع على أساس هذا التصنيف؟
إذا كان الهدف هو بناء دولة المواطنة، فإن نقطة الانطلاق ليست تحسين العلاقة بين “مكوّنين”، بل نفي وجود المكوّن السلالي بوصفه أساسًا سياسيًا أو قانونيًا.
فالمواطنة لا تحتاج إلى وساطة هوية نسبية، بل تقوم على المساواة المجردة أمام الدستور والقانون.
يستحضر الكاتب زمنًا يقول إنه لم يكن فيه الناس يعرفون هذا هاشمي وهذا قحطاني. غير أن مجرد استخدامه المتكرر للمصطلحين ينسف هذه الفرضية؛
فالوعي بالتصنيف كان قائمًا تاريخيًا، وإن خفت حضوره في بعض الفترات.
والمشكلة ليست في التعايش الاجتماعي بين أفراد يحملون دعاوى نسب مختلفة، بل في تحويل هذا الادعاء إلى هوية جمعية مغلقة ذات امتداد سياسي ضمني.
كما أن وضع التعصب “القحطاني” في مقابل “الهاشمي” يوحي بتكافؤ بين خطابين، بينما الفارق أن أحدهما ارتبط تاريخيًا بمشروع حكم ديني سلالي، في حين نشأ الآخر – في كثير من صوره – كرد فعل على ذلك المشروع.
والمساواة الأخلاقية بين الفعل ورد الفعل، دون تحليل البنية التي أنتجتهما، تفضي إلى تمييع أصل الإشكال.
التأكيد على أن “كلنا يمنيون وكلنا مسلمون سواسية” مبدأ صحيح، لكنه يظل ناقصًا ما لم يُستكمل بنقد صريح لأي خطاب يرسخ التمايز السلالي، سواء جاء في صيغة تفوق أو في صيغة حماية.
فالاعتراف بالمصطلح بوصفه هوية جمعية هو الخطوة الأولى نحو استدامته.
المقاربة البديلة لا تقوم على إنكار حق الأفراد في الاعتزاز بما يعتقدونه من أنساب، فهذا شأن شخصي، بل على رفض تحويل ذلك إلى أساس سياسي أو إلى توصيف جماعي للمجتمع.
المجتمع اليمني ليس مكوّنات سلالية، بل مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.
وأي خطاب يُبقي على التقسيم اللفظي بين “هاشمي” و“غير هاشمي” – حتى لو بحسن نية – يظل حبيس البنية التي يدّعي تجاوزها.
إن بناء دولة حديثة يتطلب تفكيك المصطلحات التي نشأت في سياقات السلطة الكهنوتية، لا إعادة تدويرها في خطاب تصالحي. فالمواطنة لا تحتاج إلى حماية علاقة بين فئتين، بل إلى إلغاء الفئوية من أساسها.
وحين يصبح الانتماء الوحيد المعترف به هو الانتماء الوطني، تسقط تلقائيًا كل الهويات المتخيلة التي استُخدمت يومًا لتبرير التفاضل في الحكم أو الامتياز في المكانة.
هاشم جوهر – باحث وكاتب يمني