Logo

وزارة جديدة في اليمن ودور خليجي مطلوب

 (1)

بعد مخاضٍ عسير، وُلدت حكومة يمنية جديدة تتألف من 35 وزيراً، وبرئاسة أحد أبرز الشخصيات اليمنية علماً وتجربةً وثقافةً وحزماً وإيماناً بوحدة الوطن اليمني، وهو شائع الزنداني، الذي انخرط في العمل السياسي منذ شبابه المبكّر. 

فقد كان رئيس الاتحاد الوطني لطلبة اليمن عام 1974، والأمين العام لاتحاد الطلبة العرب عام 1976، وحاصل على الدكتوراه من جامعة أوكسفورد في القانون، وكان سفيراً مقيماً ومعتمَداً في أكثر من عشر عواصم عربية ودولية، ومثّل اليمن في أكثر من منظمة دولية، منها منظمة الأغذية والزراعة،

 وشغل منصب نائب وزير الخارجية عام 1990 في اليمن الجنوبي قبل الوحدة، ثم أصبح وزيراً للخارجية وشؤون المغتربين في الجمهورية اليمنية عام 2024، وحالياً هو رئيس للوزراء إلى جانب احتفاظه بوزارة الخارجية، وحسناً فعل.
 
(2)

إذا كان لنا أن نتعلّم من التجارب والسوابق التي حلّت (وتحلّ) باليمن اليوم، على السادة أعضاء مجلس الرئاسة اليمني أن تتسع صدورهم لما سأقول. فأولاً، يتعيّن أن ندرك، وفق تجارب العراق ولبنان بوصفهما نماذج للمحاصصة السياسية والطائفية والقبلية، بأنّ المحاصصة بذاتها مرضٌ سياسي فتّاك بالمجتمع والدولة، وإذا ألقت بظلالها على أيّ دولة فلن تستقرّ. 

لذا؛ نؤكّد أن الوطن يقوم، إلى جانب أمور أخرى، على الولاء له وليس على تعظيم المنافع الشخصية، كما يقوم على الكفاءات وأهل العلم والخبرة، لا على العصبية القبلية أو الطائفية. 

بناءً عليه؛ فإنّ تشكيل الوزارة اليمنية الجديدة التي بُنيت على محاصصة مناطقية إلى جانب التمثيل السياسي (20 وزارة حصّة الجنوب، و15 وزارة حصّة الشمال، 

فضلاً عن محاصصة أخرى داخل الجنوب، فحضرموت مثلاً مُثِّلت بستّ حقائب وزارية... وهكذا)، هذه التشكيلة تحمل تناقضاتٍ لأنها بُنيت على أسس مناطقية. 

وإضافة إلى ذلك، إذا كان المجلس الانتقالي الجنوبي قد حلّ نفسه، فلماذا تضمّ الوزارة الجديدة أعضاءَ ينتسبون إلى كيان حلّ نفسَه، ولم يتبرّأ الوزراء المنتمون إليه من ماضيهم الذي جرّ الجنوب اليمني إلى التخلّف والتبعية؟

ثانياً، يحتاج المجلس الرئاسي بتشكيلته الراهنة إلى إعادة نظر؛ فالتجربة السابقة كانت كارثيةً على اليمن وعلى جواره. 

لذا؛ فالبلاد اليوم تحتاج إلى حلّ المجلس الرئاسي نفسه متعدّد الرؤوس، وتعيين أو انتخاب رئيسٍ للدولة عبر البرلمان لفترة انتقالية، بالتعاون مع السعودية بصفتها الراعي والداعم لنهوض اليمن ووحدته. 

فما نودّ أن يحصل هو انتخاب/ تعيين زعيم واحد يتمتّع بمزايا قيادية. ولا شكّ عندي في أنّ الرئيس رشاد العليمي يتمتّع بتلك المزايا.

 لكن، كي تتحقّق له قيادة اليمن، لا بدّ من إعادة بناء الجيش الوطني وتسليحه وإعادة صياغة عقيدته العسكرية، وتعزيز قوى البلاد الأمنية بدفع مرتّبات أفرادها بانتظام، وتقوية الإدارة المدنية التي يكمن همّها في بناء الوطن لا التكسّب الشخصي.

(3)

عانى الإنسان اليمني الشقيق (ولا يزال) صعوبةَ الحياة في ظروف مالية قاسية وانقسامات وأمن مضطرب وبطالة عالية، ما يدفعه إلى البحث عن مصدر مالي يسدّ حاجة أسرته حتى لو اتجه إلى القتال ليحقّق بعضاً من احتياجاته. 

ولكي نُخرج اليمن من محنته، علينا أن نمدّ يد العون إليه شعباً وحكومةً ودولة.

 في هذا السياق، نحن في الخليج العربي يجب أن نستوعب قوى عاملة يمنية كي تتمكّن من أن تدرّ عوائد على اليمن. 

ولعلّنا نعرف جميعاً أن تحويلات العمالة الهندية، على سبيل المثال، من دول مجلس التعاون الخليجي قد بلغت عشرات المليارات من الدولارات سنوياً (19 ملياراً من الإمارات، وسبعة مليارات من السعودية، وأربعة مليارات من الكويت، وأربعة مليارات من قطر).

 أليس من الأجدر أن نعمل على جذب الكوادر والعمالة اليمنية وتأهيلها كي تحوّل مثل هذه الأموال إلى أشقّائنا العرب في اليمن، الذين يتشاركون معنا أيضاً جغرافيا الجزيرة العربية؟

يحتاج المواطن اليمني اليوم توفير الكهرباء، وهو ما يمكن إنجازه من طريق الطاقة الشمسية على سبيل المثال، بدعم خليجي. ويحتاج أيضاً إعادة تأهيل المدارس والمستشفيات والجامعات، وطرقاً معبّدة، ودفع مرتّبات لموظّفي الخدمة المدنية والجيش والأمن. 

في تقديري فإنّ كلاً من قطر والكويت، إلى جانب السعودية، مجتمعين، يستطيعون إنقاذ اليمن من وعكته الاقتصادية كما فعلت دول الاتحاد الأوروبي بإنقاذ إسبانيا والبرتغال واليونان من الإفلاس في سابق الأيام. 

ولا يسعنا إلّا أن نشيد بدور السعودية وموقفها الحازم تجاه اليمن.

 ومع ذلك، يتطلّع المواطن اليمني إلى دور أعظم من الأشقاء في السعودية وقطر والكويت. 

رمضان على الأبواب، وعلينا (حكومات وأفراداً) أن تتجه زكاة الأموال وزكاة الفطر نحو الشعب اليمني لإنقاذه. لا بدّ أن يشعر الشعب اليمني بأن تغييراً واضحاً نحو الأفضل يجري، ويلمسه هو وأسرته، وألّا يكون أسير الحاجة.
 
(4)

دعوت في أكثر من مناسبة إلى وحدة يمنية صلبة بعيداً من المحاصصة، أيّاً كان شكلها. وإذا اكتمل بناء الوحدة اليمنية، علينا أن نتجه نحو فيدرالية يمنية سعودية قطرية كويتية، على أمل أن تنضمّ إلى هذه الفيدرالية سلطنة عُمان، ثم الإمارات، عندما تزول آثار الخلافات التي حدثت في الأشهر الماضية بين اليمن والإمارات.

 وليتناوب قادتنا الميامين على رئاسة هذا الكيان السياسي الكبير كما هو الحال في الاتحاد الماليزي. إنّ الاتحاد الفيدرالي بين هذه الدول ضرورةٌ قوميةٌ وأمنيةٌ لا بديل منها؛ فهذه الدول مستهدَفة في ثرواتها، وبعضها مستهدَف في ثرواته ومكانته الجغرافية وتركيبته السكّانية.

من جهة أخرى، أدعو إلى الحدّ من الاستثمارات الخليجية في الولايات المتحدة وتوجيهها نحو أرض اليمن؛ فالأخيرة لم تصل إليها الشركات الكبيرة في مجالات التعدين والزراعة والسياحة وغيرها، رغم غناها نظراً لتنوّع المناخ ووجود آثار حضارات قديمة عريقة فيها. 

إنّ استثماراتنا في أميركا ليست في مأمن، فهي اليوم ليست أميركا الأربعينيّات والخمسينيّات من القرن الماضي.

 أميركا تسير هي أيضاً نحو الهاوية مع ارتفاع معدّلات الجريمة، وارتفاع نسبة البطالة، وانحدار مستوى التعليم، وانخفاض مستوى الخدمات الطبّية، وانتشار المخدّرات بين الناس، والتناحر بين الحزبَين الديمقراطي والجمهوري.

آخر القول: يا عرب الخليج، لا تتركوا اليمن وحيداً يواجه مصيره المؤلم، وأنتم قادرون على إنقاذه.

محمد صالح المسفر
 أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر