Logo

تواطؤ القوى .. ما يجري في المنطقة ترتيب يدفع ثمنه العرب

 في كل مرة تشتعل فيها المنطقة يُطرح السؤال ذاته: مع من تقف؟ والسؤال في صياغته هذه يحمل خطأه بداخله. من يسأل عن موقفه يفترض أنه طرف في المعادلة، وأن أحداً ما يريده حليفاً، وأن اختياره يُغيّر شيئاً في المشهد. وهذه الافتراضات الثلاثة غير صحيحة جميعاً.
 
ما يجري في المنطقة العربية منذ الثورة الإيرانية عام 1979 حتى اليوم ليس صراعاً بين مشروعين متعاديين يبحث كل منهما عن حلفاء. إنه تنافس منظّم على الأرض والنفوذ والثروة، تدفع ثمنه شعوب تغيب عن طاولة القرار وتحضر فقط حين يُحصى الثمن. 

فهم هذا الواقع — قبل أي انحياز — هو نقطة البداية الوحيدة لأي تفكير جاد في مستقبل المنطقة.
 
السؤال الحقيقي لم يكن قط: مع من تقف؟ السؤال الحقيقي: من يقف معك أنت؟
 
الحرب التي لا ينتهي عقدها
 
منذ أن أطلق خميني ثورته وأطلق معها ديناميكية إقليمية جديدة، تتكرر في المنطقة ظاهرة لافتة: الحروب تبدأ ولا تنتهي، أو تنتهي لتبدأ من جديد بأسماء مختلفة.

 والسبب الجذري لهذا التكرار لا يكمن في عمق العداوات أو تشابك الهويات — بل في شيء أكثر برودةً وأكثر فاعلية: إطالة الحرب مربحة لأطراف متعددة في آنٍ واحد.
 
صناعة الأسلحة الغربية — وفي مقدمتها الأمريكية والبريطانية والفرنسية — تبيع للمنطقة بمئات المليارات سنوياً. والمشتري الواحد يشتري أحياناً من طرفين متحاربين في الوقت ذاته، بلا حرج يُذكر. 

والحرس الثوري الإيراني يسيطر على ما بين ثلث ونصف الاقتصاد الإيراني عبر شركات واجهة وعقود إنشاء واحتكارات قائمة على الانغلاق — فكل خطوة نحو السلام ورفع العقوبات تعني انفتاحاً اقتصادياً يُهدد هذا الاحتكار من جذوره. 

واليمين الديني الإسرائيلي يُوسّع الاستيطان في كل جولة قتال تصرف الأنظار والضغوط عن الضفة الغربية، فيُرسّخ أمراً واقعاً جديداً يصعب التفاوض على تفكيكه لاحقاً.
 
كل طرف من هؤلاء يعمل بمنطقه الخاص ومصلحته الضيقة. لا تنسيق بينهم ولا غرفة مظلمة تجمعهم. والنتيجة المشتركة تخرج كأنها مُرتَّبة — وهذا أخطر من أي تآمر مقصود: التآمر له رأس يُقطع واتفاق يُنقض، أما توافق المصالح فلا رأس له ولا اتفاق.
 
الحرب المُحسوبة — بلا نصر حاسم ولا هزيمة كاملة — هي المنتج المثالي لهذه المصالح المتقاطعة. والشعوب العربية تدفع ثمن الإنتاج كاملاً دون حصة في العائد.
 
ثلاث عواصم وآلة واحدة
 
الدرس الذي لا تتعلمه الأنظمة العربية رغم تكراره: الأشخاص يتبدّلون في عواصم القرار والسياسات تبقى. وهذا التكرار لا يُفسَّر بضعف الإرادة أو صدق النوايا — بل بأن الإرادة الفردية تعمل داخل أنظمة أقوى منها.
 
في واشنطن، ثلاثة رؤساء متتاليون من خلفيات متباينة، وعد كل منهم بتغيير نهج سلفه في المنطقة، وانتهوا إلى سياسة واحدة في جوهرها. 

خلف كل رئيس يعمل مجمع من ثلاثة أعمدة متشابكة: صناعات دفاعية تُوظّف مئات الآلاف في كل ولاية انتخابية — فأي مشرّع يُصوّت ضد صفقة أسلحة يُصوّت في نظر ناخبيه ضد وظائفهم — ولوبيات ضغط تُموّل الحزبين وتُعدّ مشاريع القرارات قبل أن يُعلن عنها، 

وتيارات دينية إنجيلية تحمل عقيدة اللاهوت التدبيري التي ترى في الصراع في الشرق الأوسط تحقيقاً للنبوءة لا أزمةً تحتاج حلاً. حذّر من هذا المجمع الرئيس الامريكيي الجنرال أيزنهاور نفسه في خطاب توديعه عام 1961 وأسماه بالاسم. وما حذّر منه تضاعف.
 
في تل أبيب، نظام برلماني يعتمد التمثيل النسبي الكامل لم يُنتج في تاريخه حكومة أغلبية مطلقة واحدة — وهذا يمنح الأحزاب الدينية الصغيرة ورقة ابتزاز تفوق حجمها الانتخابي بكثير. 

والمؤسسة العسكرية التي يلتحق بها كل مواطن ويخرج منها كثير من السياسيين تُقدّم الحلول العسكرية جاهزةً ومُفصَّلة قبل أن تنضج الخيارات الأخرى. والنمط الذي تكرّر عبر عقود ثابت بدقة مثيرة: 

كل جولة قتال تُنتج استيطاناً جديداً، وكل استيطان يُنتج ذريعةً لجولة تالية. دائرة تدور لأن كسرها يكلّف من يكسرها ائتلافه.
 
في طهران، يعمل نظام مزدوج بإتقان مدروس: واجهة سياسية منتخبة تتحدث عن الانفتاح والتفاوض، وحرس ثوري يُعطّل كل تسوية تقترب من النجاح لأن رفع العقوبات يعني انفتاحاً اقتصادياً يُنهي احتكاراته. 

اتفاق 2015 النووي الذي أنتجته سنوات من الضغط والدبلوماسية المتصبّرة كان يُثبت أن إيران قابلة للتفاوض — وحين انسحبت منه أمريكا عام 2018 لم تُوقف البرنامج النووي بل سرّعته. والمفارقة أن الحرب الأكثر ضغطاً قد تُنتج إيران نووية أسرع من الدبلوماسية.
 
الخلاف بين هذه الأنظمة الثلاثة حقيقي وعميق. ومساحة توافقها الضمني على إبقاء المنطقة في حالة بين الحرب والسلم أوسع مما تُظهره خطاباتها المتعادية.
 
حين تصبح الأسطورة الدينية سياسة دولة
 
ما يجعل هذا الصراع أعصى على الحل من صراعات أخرى هو أن الأيديولوجيا الدينية لا تعمل فيه بوصفها غطاءً للمصالح المادية فحسب — بل تعمل بمنطقها الخاص وتُنتج قرارات تعجز عن تفسيرها حسابات المصلحة وحدها. 

وفهم هذه الطبقة الدينية ليس ترفاً أكاديمياً بل ضرورة استراتيجية.
 
اللاهوت التدبيري الإنجيلي الذي أسّس له جون نيلسون داربي في القرن التاسع عشر ووسّعه سيروس سكوفيلد في كتابه المقدس المرجعي  — يرى في إسرائيل الحديثة تحقيقاً للنبوءة لا دولةً سياسية، ودعمها واجباً لاهوتياً يسبق أي حساب براغماتي، وأي ضغط عليها تعطيلاً للخطة الإلهية.

 ربع الأمريكيين يحملون نسخة من هذه العقيدة. والسياسي الأمريكي الذي يُريد سياسة مختلفة يجد أمامه ملايين ناخبين يرون في أي تغيير خيانةً للكتاب المقدس — لا خلافاً في السياسة الخارجية. 

هذا يُفسّر ما لا تُفسّره النظريات السياسية التقليدية: ضيق هامش المناورة الأمريكي في هذا الملف بصرف النظر عمّن يجلس في البيت الأبيض.
 
في إسرائيل، حوّل الراف أبراهام إسحاق كوك ثم نجله تسفي يهودا الصهيونيةَ العلمانية إلى مشروع خلاصي ديني — وسوّغا الاستيطان بوصفه فريضة تسبق أي اتفاق بشري. 

من يؤمن بهذا لا تُقنعه حجج الواقعية ولا ضغوط المجتمع الدولي — مرجعيته في ما يعتبره أمراً إلهياً فوق أي قرار أممي أو اتفاق سلام. وسموتريتش وبن غفير اللذان يجلسان اليوم في قلب الحكومة الإسرائيلية ليسا شذوذاً عارضاً — بل ثمرة طبيعية لعقود من بناء هذا التيار في المدارس الدينية والمستوطنات.
 
في إيران، يُنتج موروث كربلاء وثقافة الاستشهاد الشيعية استعداداً للتضحية يعجز عن استيعابه منطق الكلفة والعائد. الهزيمة العسكرية تتحوّل في هذا الوجدان وقوداً لا رماداً — 

وهذا يفسر لماذا يتكرر وهم 'القصف حتى الانهيار' في كل مواجهة مع إيران أو وكلائها دون أن يُنتج الانهيار المأمول. الحصار والضربة يمنحان النظام الإيراني شرعيةً داخلية مجانية — وهي شرعية لا يستطيع الحرس الثوري شراؤها في زمن السلم.
 
الحرب الذكية وحدود التقنية
 
التطور التكنولوجي في الصراع المعاصر أعاد رسم خريطة ما يمكن تدميره وما يمكن إخفاؤه. الذكاء الاصطناعي وطائرات الرصد والضربات الجراحية والحرب السيبرانية جعلت الميدان شفافاً بصورة لم تكن ممكنة قبل عقد واحد — لا تستطيع اليوم قوة تحريك وحدة عسكرية دون رصدها، 

ولا يمكن لأي دولة إخفاء منشآتها الحساسة عن عيون الأقمار الصناعية. والضربة الدقيقة التي تصل إلى هدف في عمق الأراضي المحصّنة أصبحت روتيناً لا معجزة.
 
لكن هذا التفوق التقني كله يُجيب على سؤال واحد: كيف تضرب؟ وأما السؤال الأصعب — ماذا بعد الضربة؟ — فيبقى بلا إجابة تقنية. 

أمريكا بكامل ترسانتها خرجت من أفغانستان بعد عشرين عاماً دون أن تُغيّر شيئاً جوهرياً في بنيتها. وإسرائيل ضربت لبنان في أكثر من جولة بدقة مذهلة وعادت دون حسم استراتيجي. 

الخوارزمية تُصيب الهدف — والفراغ السياسي الذي تتركه الضربة يبقى مفتوحاً ينتظر من يملؤه، وعادةً يملؤه من لا تريده أن يملأه.
 
الأنظمة السياسية تسقط حين تفقد شرعيتها الداخلية — لا حين تُقصف من الخارج. وكل ضربة خارجية مُوجعة تمنح النظام المُستهدَف هذه الشرعية مجاناً عبر ما يُسميه علماء السياسة 'الرالي حول العلم' — الشعب يلتفّ حول قيادته حين تُقصف بلاده بصرف النظر عن موقفه منها في زمن السلم. قانون لم تستطع تقنية واحدة تجاوزه في التاريخ الحديث.
 
إيران وإسرائيل — التشابه الذي لا يُقال
 
ثمة حقيقة تحليلية يتجنّب كثيرون قولها خشية سوء الفهم أو التأويل: إيران وإسرائيل — خصمان في الخطاب وفي مناطق من المواجهة — تتشابه بنيتهما الاستراتيجية في علاقتهما بالمنطقة العربية تشابهاً يستحق الدراسة بتأمل.
 
كلتاهما تُعرّف نفسها بمشروع يتجاوز حدودها الجغرافية — إيران بخطاب 'محور المقاومة' وولاية الأمة الإسلامية، وإسرائيل بخطاب 'الأمن الوجودي' والمشروعية التاريخية الممتدة. 

وكلتاهما تتمدد على الأرض العربية بأدوات مختلفة: إيران عبر شبكة وكلاء مسلحين في لبنان والعراق واليمن وسوريا تحت لافتة المقاومة، وإسرائيل عبر الاستيطان والسيطرة الأمنية وتدمير بنية الدولة في مناطق الصراع تحت لافتة الأمن. 

وكلتاهما تُقدّم هذا التمدد بلغة دفاعية تجعل أي اعتراض عليه يبدو وكأنه هجوم عليها.
 
حزب الله رهن قرار لبنان السيادي لحسابات تُصنع في طهران وحوّل الدولة اللبنانية إلى هيكل فارغ. والفصائل المسلحة في العراق حوّلته من دولة تبحث عن استقرار إلى ساحة تتقاطع فيها إرادات خارجية متعددة. 

واليمن يغرق في الفوضى وكارثة إنسانية موثقة بالأرقام لا يبدو أن أحداً في عجلة من أمره لإنهائها. وفي المقابل توسّع إسرائيل استيطانها وتحاصر المدن وتدمّر البنية التحتية — وتصف كل من يعترض تهديداً لوجودها.
 
التاريخ بين الطرفين مختلف والتفاصيل الميدانية متباينة، والحكم الأخلاقي بينهما ليس موضوع هذا المقال. لكن النتيجة العملية واحدة في كلتا الحالتين: الأرض العربية هي المسرح، والمجتمعات العربية هي التي تدفع. 

والعربي الذي يختار بين إيران وإسرائيل يختار بين نموذجين مختلفين للهيمنة على المنطقة العربية — وفي كلا الخيارين تبقى المنطقة العربية هي الثمن.
 
من يختار بين إيران وإسرائيل يختار بين قوتين تتنافسان على المنطقة العربية — وفي كلا الخيارين تبقى المنطقة العربية هي الثمن.
 
البيت العربي — ما لا يُقال
 
تحليل هذا الصراع لا يكتمل دون مواجهة حقيقة داخلية يُغريك الألم الخارجي بتجاهلها: الهشاشة الداخلية للبيت العربي أحد أسباب الصراع وليست نتيجته وحده — وهي شرط من شروط استمراره.
 
دولة تسمح لفصائل مسلحة بالعمل على أرضها خارج سلطتها تكون قد تنازلت عن الشيء الوحيد الذي يجعلها دولةً بالمعنى الفيبيري الدقيق: احتكار الاستخدام المشروع للقوة على أرضها وقرار الحرب والسلم. 

ودولة تعجز عن إدارة تنوعها الداخلي الطائفي والإثني والقبلي تُقدّم للأطراف الخارجية أدوات تدخل جاهزة لا تحتاج إلى اختراع بل إلى تضخيم.
 
إيران تُذكي الانقسامات الطائفية في كل مجتمع عربي بأدوات ناعمة وصلبة معاً — لمنع تشكّل موقف وطني متماسك يمكن التفاوض به.

 وإسرائيل تسعى إلى اتفاقيات ثنائية تُعزل الدول عن بعضها وتُفكّك أي ثقل جماعي يستطيع تغيير موازين التفاوض. 

وواشنطن تُفضّل عواصم تطرق بابها منفردةً على قوة إقليمية موحدة تستطيع التفاوض بشروطها الخاصة. الضعف العربي ليس مشكلة يريد أيٌّ من هؤلاء حلَّها.
 
الضعف الداخلي العربي صُنع عبر تاريخ طويل تتشارك مسؤوليته أطراف متعددة — بعضها فرضه الآخرون وبعضها صنعه العرب بأيديهم. وما صُنع يمكن تغييره.

 لكن إصلاح البيت الداخلي شرط لا يُؤجَّل لأي موقف خارجي فاعل — الصراع الخارجي لن ينتهي قبله.
 
السؤال الذي يبقى
 
حين ينتهي الدخان ويُحصى الثمن في كل جولة من جولات هذا الصراع الممتد ، تكون المنطقة العربية خسرت أكثر مما خسر أي طرف آخر. خسرت أرواحاً وبنية تحتية وعقوداً من التنمية وأجيالاً من شبابها. 

وقوى الصراع الكبرى تفاوضت وأعادت ترتيب أوراقها وصنعت تحالفات جديدة — في الغالب على حساب من دفع الثمن وبغيابه.
 
تغيير هذا النمط لا يأتي بالانحياز لطرف على حساب آخر ولا بالحياد الذي هو في حقيقته تغييب مقنّع. يأتي ببناء قدرات سيادية حقيقية: تكنولوجية وعسكرية واقتصادية تُقلّص الاعتماد على الخارج وتجعل من يريد التفاوض يجلس إلى طاولة فيها طرف يملك أوراقاً.

 والحفاظ على تماسك الدولة الوطنية — مهما كانت هشاشتها — بما يمنع تحوّلها إلى ساحة مفتوحة تتقاطع فيها إرادات من لا يدفعون الثمن.
 
التفوق التكنولوجي الذي تمتلكه قوى الصراع يُغيّر أدوات الإخضاع ولا يُغيّر منطقه: القوى الضعيفة تُدار والقوى المتماسكة تُفاوَض. 

والمنطقة التي تمتلك من الثروات والموقع الجغرافي والكثافة البشرية ما يفوق ما تمتلكه قوى تدّعي الوصاية عليها — عجزت حين غاب الوضوح: وضوح أين تقف وماذا تريد ومن حليفها الحقيقي ومن خصمها الذي يلبس زيّ الحليف.

أحمد الزرقة
صحفي وكاتب يمني