Logo

معضلة التحول في اليمن: حين تصبح الدولة كابحاً لا مظلة

 هل مردّ المأساة اليمنية إلى غياب إرادة التغيير أم قصور في الوعي الجمعي؟ 
أقدم هنأ أطروحة مغايرة مفادها أن المعضلة ليست في الفاعل الاجتماعي
 بل في "البنية الحاكمة" التي تعمل ككابح هيكلي
 يُجهض أي حراك تغييري قبل بلوغه مرحلة النضج. 
هكذا تُستنزف الطاقات في حلقة مفرغة
 ويظل حجم التضحيات أكبر من أي أثر يُذكر.
أولاً: احتكار الحيز العام: 
من "دولة المظلة" إلى "أداة الفئوي"
تستند الدولة الحديثة إلى الحياد المؤسسي لتكون مظلة جامعة.
 لكن حين يتم اختزالها في مشروع فئوي أو أيديولوجي واحد
 تُجرد من صفتها كمساحة عامة وتتحول إلى آلة هيمنة. 
هذه المعادلة لا تُحدث أزمة سياسية فحسب
 بل تخلق شروخاً اجتماعية عميقة:
 تآكل المواطنة المتساوية
 وانحسار المشاركة
 وهجرة الكفاءات.
 وهنا يُسلب المواطن اليقين بعدالة الانتماء
 وهو أهم محفزات البناء.
ثانياً: الفساد كمنظومة حوكمة:
 عندما تحمي الدولة الشبكات
يبلغ الفساد أوجه حين لا يبقى سلوكاً فردياً
 بل يتحول إلى "نمط تشغيلي" مُمأسس. 
ملامحه: 
شلل المنظومة القانونية
 غياب المساءلة
 وتغليب المحسوبية.
 في هذا المناخ تنقلب المعادلة؛ 
فبدلاً من أن يحمي القانون الدولة
 تُسخر الدولة لحماية شبكات الفساد. 
ونتيجة لذلك لا تُرفض الإصلاحات فحسب
 بل تُحتوى وتُفرغ من محتواها.
ثالثاً: إقصاء الجدارة:
 الانسحاب الصامت للكفاءات
عندما تُرتهن آليات التعيين للولاء المطلق على حساب الكفاءة
 تفقد المؤسسات توازنها. 
تظهر القرارات العشوائية والإدارة الهشة
 لكن الأخطر هو "الانسحاب النفسي والعملي" للعناصر الكفؤة
 بعد إدراكها أن الجهد لم يعد معياراً للارتقاء. 
بذا ينكسر التلازم الحتمي بين جودة العمل واستحقاق النتيجة.
رابعاً: التضخم البلاغي: 
حين يصير الخطاب بديلاً عن الإنجاز
في ظل العجز عن صياغة مشروع وطنى عملي
 يُلجأ إلى التعبئة الخطابية (دينية، وطنية، أو قومية) كستار تعويضي.
 في غياب قنوات تحوله إلى سياسات قابلة للتطبيق
 يتحول الخطاب من "بوصلة توجيه" إلى "بديل وهمي عن الإنجاز"، وتتسع الهوة دراماتيكياً بين المثاليات المعلنة والواقع المتردي.
خلاصة القول :
لا يعاني المجتمع اليمني من عقم في إمكانياته
 بل يرزح تحت بيئة طاردة تقوض الأعمدة الأساسية لأي نهضة:
 العدالة، الجدارة، تكافؤ الفرص، والمساءلة. 
وحين تتصدع هذه الركائز
 يغدو التغيير ممكناً في النظرية
 مستحيلاً في الواقع.
التساؤل الجوهري:
 إذا كانت قواعد العمل العام مصممة أصلاً لإعاقة التحول
 فهل بمقدور أي مجتمع أن ينجز تحولاً تاريخياً قبل تفكيك هذه القواعد وإعادة هندستها؟ 
ربما كانت نقطة الانطلاق الحقيقية ليست مطالبة المجتمع باجتراح معجزات التغيير
 بل في إعادة بناء دولة قادرة على احتضان هذا التغيير.

أ. حميد القهالي