Logo

شهرٌ على الاعتداءات على دول الخليج: علاقات هدمتها الصواريخ

 مرّ أمس السبت شهرٌ على بدء الهجمات الإيرانية الواسعة التي استهدفت دول الخليج العربي، في أعقاب التصعيد العسكري في المنطقة والعدوان الأميركي الإسرائيلي على إيران أواخر شهر فبراير/ شباط الماضي.

 وخلال هذه الفترة، شهدت المنطقة واحدةً من أكبر موجات الهجمات الصاروخية والطائرات المسيّرة في تاريخها الحديث، حيث استهدفت الضربات منشآت عسكرية وبنية تحتية حيوية في دول الخليج العربي. 

فالاعتداءات لم توفر أي دولة خليجية، وأطاحت كلّ ما بذل في السنوات الماضية لإعادة ترميم العلاقات بين طهران وعواصم خليجية. 

وبعد شهر من التصعيد العسكري والهجمات الإيرانية، تشير المعطيات إلى أن المنطقة دخلت مرحلة جديدة من المواجهة غير المباشرة،

 إذ تتواصل الهجمات عبر الصواريخ والطائرات المسيّرة، فيما تعتمد دول الخليج بشكل كبير على منظومات الدفاع الجوي المتقدمة لاحتواء التهديدات وتقليل آثارها على المدنيين والبنية التحتية الحيوية.
 
آلاف الهجمات على دول الخليج

وتشير التقديرات العسكرية إلى أن إيران نفذت خلال الشهر الأول من الحرب ما يقارب 3600 هجوم، اعتُرض الجزء الأكبر من هذه الهجمات بواسطة أنظمة الدفاع الجوي في دول الخليج، ما حدّ من حجم الخسائر البشرية والمادية. 

وتصدّرت دولة الإمارات قائمة الدول الأكثر تعرضاً للهجمات من حيث العدد، إذ سجّلت 413 صاروخاً باليستياً وصاروخ كروز، وأكثر من 1872 طائرة مسيّرة، تلتها البحرين التي تعرضت إلى 174 صاروخاً باليستياً وصاروخ كروز و385 طائرة مسيّرة، 

فيما تعرّضت الكويت لنحو 97 صاروخاً باليستياً وصاروخ كروز و283 مسيّرة،

 بينما تعرّضت قطر إلى أكثر من 101 صاروخ باليستي وصاروخ كروز وهجمات بنحو 63 طائرة مسيّرة، كما أسقطت الدفاعات القطرية طائرتي سوخوي إيرانيتين، في المياه الإقليمية القطرية. 

كذلك تعرضت السعودية لأكثر من ثلاث هجمات صاروخية باليستية و83 طائرة مسيّرة، أما سلطنة عُمان فتعرضت لـ17 هجوماً بالطائرات المسيّرة، ولا توجد تقارير عن تعرضها لهجمات بالصواريخ.
 
ويعدّ الهجوم الأول الذي وقع في 28 فبراير الماضي الأخطر منذ بداية التصعيد، إذ أطلقت إيران موجةً كبيرةً من الصواريخ والطائرات المسيّرة باتجاه دول خليجية عدة في وقت واحد، 

وتعرضت قطر لـ66 صاروخاً خلال تلك الموجة، استهدفت مناطق قريبة من منشآت عسكرية وقاعدة العديد الجوية، إضافة إلى محيط مطار حمد الدولي. 

وتمكّنت الدفاعات الجوية من اعتراض معظم الصواريخ، إلا أن سقوط شظايا الصواريخ بعد اعتراضها أدى إلى إصابة 16 شخصاً بجراح.

وتركزت الهجمات الإيرانية على دول الخليج على أنواع عدة من الأهداف، أبرزها القواعد العسكرية الأميركية في الخليج، والمطارات الدولية، ومنشآت النفط والغاز، والموانئ وطرق الملاحة، والمنشآت في المناطق المدنية كالفنادق. 

وأظهرت أنظمة الدفاع الجوي في دول الخليج، بما في ذلك أنظمة باتريوت ومنظومات الدفاع متعددة الطبقات، قدرة كبيرة على اعتراض المقذوفات، حيث أُسقطت الغالبية الساحقة من الصواريخ والطائرات المسيّرة قبل وصولها إلى أهدافها.
 
تحديات المستقبل

وتسعى دول الخليج العربي التي تتعرض، وما زالت، لهجمات صاروخية غير مسبوقة إلى إعادة تقييم منظومة الأمن الإقليمي المشترك، فالمرحلة كما قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية القطرية ماجد الأنصاري، في المؤتمر الصحافي الأسبوعي الثلاثاء الماضي، "تتطلّب موقفاً خليجياً موحداً، وتنسيقاً إقليمياً لمواجهة التهديدات" 

 مشيراً إلى أن المجلس اتخذ بالفعل إجراءات للدفاع عن دول الخليج بعد الهجوم السابق على قطر.
 
كذلك أكد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربي جاسم البديوي، في هذا الصدد، ضرورة إشراك دول الخليج في أي محادثات أو اتفاقيات تُعنى بحل الأزمة الراهنة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، 

وحذّر في تصريحات صحافية الخميس الماضي من أن "أي أطر أو مبادرات أو ترتيبات إقليمية يراد بها تغيير خريطة الشرق الأوسط بعد هذه الأزمة مرفوضة رفضاً قاطعاً"،

 معتبراً أن الخيار الأول لدول المجلس يتمثل في الحل الدبلوماسي والسياسي، بوصفه "الخيار الأعقل والأنجح".

وقال الكاتب والإعلامي عيسى آل إسحق، لـ"العربي الجديد"، إن استمرار الهجوم الصاروخي الإيراني والهجوم بالمسيّرات على قطر وباقي دول مجلس التعاون الخليجي يشكّل "قصوراً في الرؤية السياسية لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، فهي بذلك خسرت تعاطف شعوب هذه الدول التي يهمّها أمن وسلامة الجارة الكبرى والواقعة على الشاطئ المقابل من الخليج". 

وأضاف آل إسحاق أنه بمقتل المرشد الأعلى في إيران علي خامنئي "أصبح القرار في يد الحرس الثوري، لذلك أتوقع تواصل الهجمات الإيرانية على دول الخليج العربي إذا لم يصل الطرفان الأميركي - الصهيوني من جهة والإيراني من جهة أخرى لوقف إطلاق النار". 

ولفت إلى أن "إيران بهجماتها على دول الخليج العربية تخسر نفسها وتخسر صداقة الدول العربية في الخليج، بالإضافة إلى أن هزيمتها في هذه الحرب تعني خسارتها العراق واليمن".

من جهته، لفت الكاتب والمستشار الإعلامي جاسم فخرو، إلى أن "الخليج اليوم لم يعد مجرد منطقة جغرافية، بل أصبح شرياناً حيوياً للاقتصاد العالمي ومولداً رئيسياً للطاقة بمختلف صورها؛

 فاستقراره يعني استقرار الأسواق، وأي اضطراب فيه يمتد أثره سريعاً إلى العالم أجمع.

 فإذا تألم الخليج شعر العالم بالألم". وأضاف أن "استمرار أي هجمات صاروخية على دول الخليج يُعدّ تصعيداً خطيراً ومرفوضاً، لأنه لا يستهدف دولة بعينها فقط، بل يهدد استقرار المنطقة والعالم بأكمله، ويمسّ بشكل مباشر أمن الطاقة والاقتصاد العالمي".

وأشار فخرو إلى أن دول الخليج كانت من أوائل الدول التي دعت إلى التهدئة، ونادت بعدم توسيع دائرة الصراع أو استهداف إيران، حرصاً على استقرار المنطقة وتفادياً لانزلاقها نحو مواجهات أوسع، فدول الخليج ليست ساحة صراع ولن تكون، فهي نموذج للاستقرار والبناء، وأي محاولة لجرّها إلى الفوضى هي خسارة للجميع.

 ورأى أن هناك إمكانية لإعادة بناء الثقة بين دول مجلس التعاون الخليجي وإيران مستقبلاً، لكنها مشروطة بخطوات واضحة لا تحتمل المجاملة؛ تبدأ بوقف التصعيد الكامل، وتمر باحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها، ولا تنتهي إلا بأفعال حقيقية تُثبت حسن النية،

 فالخليج لا يبحث عن عداوات، لكنه في الوقت ذاته لا يقبل بتهديد أمنه، والثقة إن هُدمت بالصواريخ، لا تُبنى بالكلمات بل بالأفعال.

أما المدير العام للمركز القطري للصحافة صادق العماري، فأشار إلى أن استمرار الهجمات الصاروخية الإيرانية على دول الخليج يصعّب الوصول إلى نقطة انتهاء الحرب. 

وأضاف العماري أن الطرف الإيراني مستمر في اعتداءاته ولا يعمل حساباً للجغرافيا أو التاريخ والجوار، رغم أنه يعلم أن دول الخليج لم تقم بأي تحركات عسكرية ضده، بل عملت على ألا تقوم هذه الحرب، وأن يكون الحوار سيد الموقف. 

وأضاف: "رغم أن من أشعل هذه الحرب هي الولايات المتحدة وإسرائيل، لكننا نرى أن عدد الصواريخ التي هاجمت فيها إيران إسرائيل أقل بقليل من الصواريخ الإيرانية التي هاجمت دول الخليج، 

وبالتالي هناك علامة استفهام كبيرة حول هذا الموضوع، وحول هدف إيران من مهاجمة الخليج، خصوصاً أنه لم تنطلق أي صواريخ أو أي أعمال عسكرية من أراضي الخليج، وهو ما يكذّب الرواية الإيرانية التي تدعي أنها تستهدف المصالح الأميركية في المنطقة" 

مضيفاً "هل المصالح الأميركية تكمن في المنشآت المدنية ومنشآت الطاقة وترويع السكان وترويع الآمنين؟". 

وختم العماري بالقول: "ما يحدث بين دول الخليج وإيران، تسبب بأزمة ثقة عميقة، وهذه الأزمة نشأت مع أول صاروخ، وبالتأكيد تحتاج إلى وقت طويل لترميمها وإعادة بنائها".
 
من جهته، قال عميد كلية الشريعة والقانون السابق في جامعة قطر، عبد الحميد الأنصاري، إن "إيران لا صديق لها في المنطقة، وجارة لا يؤمن لها، وهي غير جديرة بالثقة، بدليل أن 85% من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية، وفق الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي، استهدفت دول الخليج، 

وبالتالي فإن بناء الثقة أصبح اليوم أمراً متعذراً مع جار غير موثوق". وأضاف: "أما مستقبلاً فلا يمكن لدول الخليج العربية أن تثق بإيران مرة أخرى إلا إذا اعترفت بأخطائها وأن تعوض دول الخليج عن خسائرها، وتبدي حسن الجوار وتتعامل مع جوارها بنيات طيبة".

ولفت الأنصاري إلى أن "الدفاع عن النفس يكون بأن تتصدى للصواريخ والمقاتلات التي تقصفك، لا أن تضرب من لا يضربك، وتضرب جارك، وتضرب أكبر مصفاة نفط في السعودية، وتستهدف البنية التحتية للطاقة، وتستهدف مجمع الغاز في رأس لفان، والموانئ والمطارات، ولذلك مسألة أن حق إيران في الدفاع كاذب ومشوّه".

 وأضاف: "القول إن إيران تضرب الفنادق لأن هناك أميركيين، وتضرب المولات لأن هناك أميركيين فهذا كذب صريح، وهي لم تستطع أن تثبت أن هناك طلقة واحدة خرجت من الخليج تجاهها".

 وتابع: "نحن مع حق الدفاع، ونحن ضد هذا الهجوم والعدوان الصهيوني الأميركي على إيران، لكن ما ذنبنا؟ لماذا تضربنا إيران؟ لماذا تستهدف البنية التحتية للخليج؟ فالموقف الإيراني من استهداف الخليج غير مفهوم وغير مبرّر تحت أي تبرير"،

 لافتاً إلى أن "دول الخليج العربية تخسر كل يوم مليار دولار نتيجة مباشرة لإغلاق مضيق هرمز وغياب الأمن في المنطقة".

أنور الخطيب
صحافي أردني