حين يموت المناضل واقفًا… ويحكم المنافق جالسًا
في بلادٍ يُفترض أن تُكافئ التضحيات، يحدث العكس تمامًا:
الذي يناضل يُستهلك… والذي يُصفّق يُستثمر فيه.
المشهد ليس جديدًا، لكنه في اليمن يبدو كأنه نُسخة مُعاد إنتاجها بإصرار عجيب، كأن هناك “دليل استخدام غير مكتوب” يقول:
إذا أردت أن تبقى خارج السلطة… كن شريفًا.
وإذا أردت أن تصل… تخلَّ عن كل ما يجعلك تستحقها.
المناضل في اليمن ليس شخصية رمزية، بل إنسان حقيقي يدفع من دمه وماله وأبنائه، يصرخ حين يصمت الجميع، ويقف حين ينحني الكل.
لكنه—لسوء حظه—لا يجيد فن “التلوّن السياسي”، ولا يمتلك موهبة “الانحناء الاستراتيجي”، ولا يملك حسابًا بنكيًا من الثناء المبالغ فيه.
في المقابل، هناك نموذج آخر أكثر “واقعية” في هذا الزمن:
المنافق المحترف.
كائن سياسي مرن لدرجة أنه يمكنه تغيير مواقفه أسرع من تغيير ربطة عنقه—إن كان يرتدي واحدة أصلًا. لا يقاتل، لا يعارض، لا يزعج أحدًا… فقط يتقن فن الوقوف في المكان الصحيح، في الوقت الذي يكون فيه الجميع قد تعبوا من الوقوف.
وهنا تبدأ الكوميديا السوداء:
حين يصل هذا “الناجي الذكي” إلى السلطة، يتحول فجأة إلى خبير استراتيجي، ومفكر اقتصادي، ومهندس دولة… رغم أن سيرته الذاتية لا تحتوي سوى على بند واحد: “أجيد التصفيق في كل الظروف.”
الدولة في هذه الحالة لا تُدار، بل تُدارى.
تُدارى مشاكلها، تُدارى أزماتها، تُدارى حتى فشلها.
تصبح الدولة كأنها مريض مزمن لا يبحث عن علاج، بل عن مسكنات إعلامية: تصريح هنا، لجنة هناك، ووعود تُصرف كأنها رواتب وهمية.
المفارقة الأكثر قسوة أن المناضل الذي كان يُفترض أن يكون جزءًا من الحل، يتحول إلى ضحية مزدوجة:
مرة لأنه ضحّى، ومرة لأنه لم يتعلم كيف “يبيع” هذه التضحية في سوق السياسة.
أما المواطن؟ فهو المتفرج الوحيد الذي اشترى التذكرة غصبًا عنه. يشاهد العرض ذاته كل مرة:
أبطال حقيقيون يسقطون في الظل،
وممثلون بارعون يعتلون المسرح ويؤدون دور “المنقذ” بإتقان… حتى ينسدل الستار على فصل جديد من الفشل.
السؤال هنا ليس: لماذا يصل المنافق؟
بل: لماذا يُسمح له أن يبقى؟
الإجابة ليست بسيطة، لكنها مؤلمة:
حين تغيب المؤسسات، تُستبدل المعايير بالعلاقات.
وحين يُكافأ الولاء بدل الكفاءة، يصبح الفشل سياسة عامة، لا خطأ فردي.
ومع ذلك، ورغم كل هذا العبث، هناك حقيقة لا يمكن طمسها:
المناضلون، حتى وهم خارج السلطة، هم الذين يصنعون المعنى.
هم الذين يكتبون التاريخ الحقيقي، لا ذلك الذي يُملى في نشرات الأخبار.
قد لا يحكمون اليوم،
لكنهم وحدهم من يجعل فكرة “الدولة” تستحق أن تُنقذ.
أما أولئك الذين وصلوا بلا استحقاق…
فمشكلتهم ليست أنهم فشلوا،
بل أنهم لا يعرفون أصلًا أن ما يعيشونه اسمه فشل.
د . فيروز الولي