"براغماتية حذرة".. كيف تعاملت الصين مع حرب أمريكا وإيران؟
أعادت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران رسم ملامح التوازنات الدولية، مع تصاعد أدوار القوى الكبرى في إدارة الصراع أو الاستفادة منه.
وتكشف المعطيات المتداولة إعلامياً أن بكين لا تقف عند حدود "الحياد"، بل تنتهج سياسة مزدوجة تقوم على تأمين مصالحها الحيوية، خصوصاً في الطاقة والاقتصاد، بالتوازي مع دعم غير مباشر لطهران.
وعلى الرغم من الهدنة الجارية حالياً بين واشنطن وطهران فإن دور الصين خلال الحرب أثار تساؤلات حول قدرتها على قلب الموازين دون الانخراط العسكري المباشر.
دعم حيوي
وأظهرت بيانات الشحن التي نشرتها صحيفة "تلغراف" البريطانية، في 4 أبريل 2026، أن "الصين زودت إيران بمواد كيميائية أساسية لإنتاج وقود الصواريخ الباليستية".
ووفق التحليل، رست 4 سفن إيرانية خاضعة لعقوبات دولية في الموانئ الإيرانية منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير الماضية، بينما كانت سفينة خامسة على وشك الوصول، جميعها انطلقت من ميناء غاولان في مدينة تشوهاي الصينية.
كما أشارت التقديرات إلى أن السفن نقلت مادة "بيركلورات الصوديوم" من الصين والمستخدمة في الوقود الصلب للصواريخ.
وبحسب خبراء راجعوا البيانات، فإن الكميات المنقولة تكفي لإنتاج مئات الصواريخ، إذ تُقارن بشحنات سابقة في أوائل 2025 كانت كافية لإنتاج ما بين 102 و157 صاروخاً، ما يعني أن الشحنات الحالية قد تتيح تصنيع نحو 785 صاروخاً إضافياً.
ويصف إسحاق كاردون، الباحث في مؤسسة "كارنيغي"، التدفقات الصينية بأنها كانت "منتظمة"، مشيراً لـ"تلغراف" إلى أن "بكين تستفيد من تصنيف هذه المواد كبضائع تجارية لتفادي الاتهامات المباشرة".
براغماتية لمواجهة الصدمة
ووضعت الحرب الصين في موقع بالغ الحساسية، لكونها أكبر مستورد للنفط عالمياً وأكثر اعتماداً على الإمدادات العابرة لمضيق هرمز، ما جعلها من أكثر الدول عرضة لاضطرابات الطاقة.
ووفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية، فإن "نحو نصف واردات الصين النفطية تأتي من السعودية والعراق والإمارات والكويت وإيران، إضافة إلى استيراد نحو ربع احتياجاتها من الغاز الطبيعي المسال من قطر" ما يعكس حجم اعتمادها على واردات الطاقة من المنطقة.
كما يوضح تقرير مجلة "ذا ديبلومات"، في 31 مارس 2026، أن الاقتصاد الصيني، الذي يعاني من انكماش مستمر منذ أكثر من 3 سنوات، يواجه ضغوطاً إضافية نتيجة ارتفاع تكاليف الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد، ما قد يفاقم التباطؤ الاقتصادي.
وفي ظل الحرب، تحركت بكين في الشرق الأوسط وفق مقاربة براغماتية، تجمع بين توسيع النفوذ الاقتصادي وتجنب الانخراط العسكري، مع الحفاظ على علاقات متوازنة مع جميع الأطراف.
كما لعبت الصين دوراً دبلوماسياً مع باكستان من خلال مبادرتها المشتركة، مطلع أبريل 2026، وأجرت اتصالات واسعة مع قوى إقليمية ودولية في محاولة لتقديم نفسها كوسيط.
لكن السياسة الصينية عكست نهجاً في "إدارة المخاطر" أكثر من حسمها، حيث سعت خلال الحرب لحماية مصالحها في الطاقة والتجارة، مع الاستفادة من استنزاف خصومها، دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة قد تهدد مسار صعودها.
بوصلة بكين
يشير أستاذ السياسة الاستراتيجية الدكتور قحطان الخفاجي، إلى أن أن "القراءة التاريخية للسياسة الخارجية الصينية تظهر ثبات مواقف بكين، خاصة في الجوانب العسكرية"
موضحاً أن "الصين تتحفظ على الانخراط المباشر في حروب كبرى قد تؤثر على مكانتها الدولية أو تصدمها بالقوى الفاعلة التي يحسب لها ألف حساب".
ويبين :
- الدعم الصيني السابق لإيران في ثمانينيات القرن الماضي لم يكن ليؤثر حينها على علاقات بكين الدولية.
- أما اليوم فإن المواجهة بين واشنطن وطهران تضع الصين أمام منافسها الاستراتيجي الأول، وهو ما جعل الدعم العسكري المباشر أمراً مستبعداً.
- بكين قد تكتفي بتقديم مسارات بديلة تتمثل في الدعم المالي أو الاقتصادي أو الدفع باتجاه التهدئة، بدلاً من التورط في ترتيبات عسكرية حاسمة قد تضعها في مواجهة مباشرة مع الإدارة الأمريكية، وهو ما يتعارض مع نهجها الحذر.
- الحديث عن تزويد الصين لإيران بوقود الصواريخ، لا يمثل تحولاً في العقيدة السياسية الصينية، أو استبدالاً لنهج الاقتصاد بالخيار العسكري.
- من المرجح أن هذه الإمدادات نتاج اتفاقات قديمة أو شحنات وصلت متأخرة، ولا تعكس توجهاً استراتيجياً جديداً.
- العقيدة العسكرية الصينية لم تتغير، لأن الحرب الأخيرة لا ترتقي في المنظور الصيني إلى مستوى التهديد الوجودي كما هو الحال في ملف تايوان.
- الحرب أيضاً لم تغير قواعد اللعبة في منطقة "آسيان" الحيوية، مما يبقي الاقتصاد هو المحرك الأساس لسياسة بكين.
- مشروع "الحزام والطريق" يمثل حلماً صينياً تاريخياً يقوم على "النفس الطويل" والوسائل السلمية، وتدرك بكين أن استخدام القوة العسكرية في هذا المسار سيفقد المشروع غاياته الاقتصادية ويجعل طرق الإمداد عرضة لمخاطر دائمة.
- الصين تسعى لتنفيذ مشاريعها عبر المنفعة المتبادلة بعيداً عن الضغوط العسكرية، بينما تحاول واشنطن إعاقة التوافق الاقتصادي بين طهران وبكين لمنع تحويل هذا الطموح الصيني إلى واقع ملموس على الأرض.