Logo

ما بعد هرمز: في البحث عن بديل لـ«عنق الزجاجة»

 يعتلي مضيق هرمز شاشات الأخبار العالمية هذا الربيع كبطلٍ تراجيديٍ قادرٍ على هزِّ وزلزلةِ اقتصاديات العالم، وشلِّ وخنقِ جزء وازنٍ من حركة التجارة الدولية. 

لقد تحول هذا الممر البحري الضيق الذي يفصل بين إيران وسلطنة عمان، إلى عنق زجاجة حقيقي علقت فيه خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، ناهيك عن كميات حرجة من البتروكيمياويات الأساسية لزراعة وصناعة العالم.

ومع استمرار المناوشات العسكرية والحصار المزدوج والمفاوضات المترددة، وقَرَ في قلب المنتجين المحاصَرين (دول الخليج العربي والعراق) كما المستهلكين (من طوكيو إلى بروكسل) والعابرين (المصدرون من شرق آسيا نحو أوروبا وبالعكس) أن الاعتماد الكلي على هذه النقطة الجغرافية الهشة بات مقامرة غير محسوبة العواقب،

 ولم يعد البحث عن بدائل لها ترفاً اقتصادياً، بل ضرورة جيوسياسية استراتيجية، وشرعت الدول تتسابق لاقتراح مخارج آمنة تعيد رسم خارطة التجارة العالمية بعيداً عن مآزق الشرق الأوسط وممراته الضيقة (هرمز، باب المندب، والسويس).

المنتجون: مكره أخاك لا بطل

تواجه دول الخليج العربية تحدياً وجودياً يتمثل في استدامة مصدر دخلها القومي الرئيس: صادراتها من النفط والغاز والبتروكيمائيات. المملكة العربية السعودية لجأت إلى تكثيف ضخ الخام عبر خط أنابيب «شرق-غرب» الممتد لمسافة 1200 كيلومتر، حيث وصلت طاقتها القصوى البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

 ويمنح هذا الخط المنتهي في ميناء ينبع على البحر الأحمر، الرياض الإمكانية للاستغناء كليّة عن المرور بمضيق هرمز تماماً. 

وثمة مصادر إعلامية تتحدث عن توجه لإعادة موضعة مشروع «نيوم» شمال شرق البحر الأحمر كمنصة بديلة لتصدير النفط والبتروكيمياويات نحو أوروبا عند رأس البحر الأحمر، ما يقلل من الخطر الاستراتيجي، الذي قد تمثله مضائق هرمز وباب المندب مستقبلاً.

أيضاً فعّلت دولة الإمارات العربية المتحدة خط أنابيب «حبشان-الفجيرة» كشريان إنقاذ حيوي، حيث ينقل النفط من حقول أبوظبي مباشرة إلى ميناء الفجيرة المطل على خليج عمان، ما يمنح الإمارات إمكانية التصدير من خارج بحيرة الخليج، التي يحكمها هرمز. 

ومع أننا شاهدنا ميناء الفجيرة يتعرض للاستهداف عدة مرات خلال الصراع الحالي – آخرها هذا الأسبوع – إلا أنّه قد يمثل مستقبلاً ميزة تصديرية فريدة دون الحاجة إلى بناء خطوط أنابيب طويلة لنقل النفط والغاز والبتروكيميائيات.

أما العراق، فيواجه وضعاً أكثر حرجاً بسبب اعتماده الكلي في تصدير النفط على هرمز. وعملت بغداد على إعادة تفعيل خط أنابيب «كركوك-جيهان» المتجه نحو تركيا، والذي بدأ بالفعل بضخ 250 ألف برميل يومياً منذ مارس/آذار 2026. 

كما تدرس بجدية تعزيز مشاريع الربط مع ميناء العقبة الأردني وموانئ البحر المتوسط، رغم أن هذه المشاريع ظلت معلقة لعقود بسبب الخلافات السياسية والمشكلات المالية.

وفي هذا السياق، تجد دول شمال الخليج (قطر، الكويت، البحرين) نفسها في الموقف الأصعب جيوسياسياً؛

 فبينما تمتلك السعودية والإمارات رئات بديلة عبر البحر الأحمر وبحر العرب، تظل هذه الدول الثلاث حبيسة الجغرافيا داخل حوض الخليج، ما يجعل إغلاق مضيق هرمز بمثابة خنق كامل لشرايينها الاقتصادية.

وقد عادت إلى الواجهة مقترحات قديمة لإنشاء خط أنابيب يمتد من حقل الشمال القطري عبر السعودية والأردن وصولاً إلى سوريا، ثم تركيا ومنها إلى أوروبا. أما الخيار الأكثر واقعية للكويت فقد يكون بناء وصلة ربط مع خط الأنابيب السعودي (شرق-غرب).

لكن ذلك يتطلب اتفاقيات سياسية معقدة لاستخدام السعة الفائضة في الخط السعودية توازياً مع بناء شبكة سكك حديدية لنقل البضائع المستوردة براً باستخدام موانئ عُمان.

المستهلكون: تنويع مكلف وتخضير مؤجل

أنظار المستهلكين الكبار في آسيا وأوروبا تتجه نحو تنويع مصادرهم بعيداً عن منطقة الخليج. الدول الأوروبية، مثل إيطاليا وإسبانيا، زادت وارداتها من شمال أفريقيا، 

حيث يمثل النفط الليبي طوق نجاة سريعاً للسوق الأوروبية لقربه الجغرافي وجودته العالية رغم مخاطره السياسية، وكذلك من مصر والجزائر. 

كما تعتمد أوروبا أيضاً على واردات متزايدة من الولايات المتحدة والبرازيل والنرويج.

بعض الجهات في أوروبا تدفع فكرة تحويل أزمة هرمز إلى فرصة لتعظيم الجهد تحولاً نحو الطاقة الخضراء. لكن خبراء يرون أن الصدمة النفطية الناشئة عن إغلاقه ستؤدي إلى تباطئ النمو الاقتصادي وزيادة الضغوط المالية لمواجهة احتياجات الأسر والشركات والاستثمار في التخزين والأمن العسكري، ما سيحد من الشهية للاستثمار في مشاريع الطاقة المتجددة كثيفة رأس المال.

تظل القارة الآسيوية الأكثر تأثراً بإغلاق هرمز، حيث تستورد الصين واليابان والهند الجزء الأكبر من احتياجاتها النفطية عبر هذا الممر. وكانت الصين قد بدأت منذ بعض الوقت بتقليل اعتمادها على الممرات المائية الضيقة عبر تعزيز وارداتها من النفط والغاز الروسي عبر خطوط الأنابيب البرية بين البلدين لا سيما بعد توجه أوروبا للاستغناء عن مصادر الطاقة الروسية.

وتستكشف بكين كذلك فرص الاستثمار في ممرات برية عبر آسيا الوسطى لضمان تدفق صادراتها نحو أوروبا بما يتجاوز مخاطر العبور بالشرق الأوسط فيما اضطرت الهند إلى زيادة وارداتها من غرب أفريقيا وأمريكا اللاتينية لتعويض النقص في الإمدادات، وحالها أفضل قليلاً من اليابان وكوريا الجنوبية حيث نقص البدائل القريبة جغرافياً.

تركيا: السياسة فن الممكن الجغرافي

تركيا من ناحيتها تحاول الاستفادة من أزمة هرمز كلاعب محوري في مسألة البدائل عبر مشروعها «ممر الوسط»، الذي يمكن أن يربط الصين بأوروبا عبر القوقاز وتركيا، مع إعادة فتح الحدود التركية – الأرمنية المغلقة منذ 32 عاماً.

وكما نقلت التلفزيونات عن مسؤولين أتراك بارزين فمن شأن هذا الممر أن يختصر زمن الشحن الصين-أوروبا من 40 يوماً بحراً إلى 12-15 يوماً براً، وفقاً لتقديراتهم.

رغم بريق هذه المشاريع البديلة، إلا أنها جميعها تواجه تحديات جسيمة تجعل من استبدال هرمز بالكامل أمراً بالغ الصعوبة في المدى المنظور.

وتظل التكلفة المالية الهائلة أول هذه المعوقات، حيث يتطلب بناء شبكة أنابيب تضاهي سعة المضيق مئات المليارات من الدولارات وعقوداً من الإنشاء المستمر. 

ويمثل الاعتماد على دول العبور إشكالية أخرى لا تقل خطورة، إذ ستمنح المسارات البديلة دولاً مثل تركيا والأردن ومصر – والسعودية بطبيعة الحال – سيطرة أكبر على التجارة النفطية، ما سيمكنها من فرض ضرائب ورسوم عبور والمطالبة بحصص أكبر من الأرباح.

من غير المرجح أن تقبل دول الخليج بتآكل سيادتها الاقتصادية وتصبح معتمدة على دول خارجية لتصدير نفطها الذي يمثل شريان حياتها، لا سيما وأن بعض المسارات البديلة تمر بمناطق تعاني من هشاشة أمنية واضطرابات.

لعل الاستنتاج الأهم من أزمة عنق الزجاجة الهرمزي أن الاعتماد على شريان وحيد في تمرير كتلة حرجة من موارد الطاقة والكيميائيات يمثل خطراً استراتيجياً حيث يمكن لـ «بضع مئات من الرجال ببنادقهم أن يحتجزوا الاقتصاد العالمي البالغ 110 تريليونات دولار رهينة» على حد تعبير أحد الخبراء.

وما لم تطوِ التفاهمات الأمريكية الإيرانية صفحة أزمة المضيق بشكل عاجل، فإن أطرافاً عدة ستكون بصدد الاستثمار طويل المدى في بنية تحتية بديلة تعيد هندسة الجغرافيا السياسية للطاقة، وتوزع المخاطر بعيداً عن حصرها في المضائق المائية. ورغم التكاليف الباهظة والتعقيدات التقنية، 

فضلاً عن الألغام الأمنية والسياسية التي تكتنف هذه المشاريع، إلا أن الاستثمار في تنويع المسارات يبدو ضمانة وحيدة لمنع تحول «عنق الزجاجة» في الشرق الأوسط إلى حبل يشنق استقرار الاقتصاد العالمي. 

ولكن حتى ذلك الحين، سيظل هرمز نجماً أبرز في صدر نشرات الأخبار لأسابيع، وربما لشهور مقبلة.

 ندى حطيط
 إعلامية وكاتبة لبنانية