Logo

رفض ترامب لرد إيران.. اختبار حاسم لمفاوضات إنهاء الحرب

 دخلت المواجهة السياسية بين الولايات المتحدة وإيران مرحلة جديدة من التصعيد، بعد إعلان الرئيس دونالد ترامب، يوم الأحد 10 مايو 2026، رفضه الرسمي للرد الإيراني على المقترح الأمريكي المتعلق بإنهاء الحرب المستمرة منذ 28 فبراير الماضي، واصفاً الرد بأنه "غير مقبول إطلاقاً"، عبر منصة "تروث سوشال".

وجاء الموقف الأمريكي بعد أيام من تسليم طهران ردها الرسمي عبر الوساطة الباكستانية، حيث تضمن مطالب تتعلق بوقف شامل للعمليات العسكرية، ورفع العقوبات الأمريكية، وإنهاء الحصار البحري، والحفاظ على ما وصفته إيران بـ"السيادة الكاملة" على مضيق هرمز، إضافة إلى مطالب تتعلق بالتعويضات وضمانات عدم تكرار الهجمات.

وفي المقابل ردت إيران على استياء ترامب الأخير عبر وكالة "تسنيم" للأنباء بالقول: "لا أحد في إيران يكتب خططاً لإرضاء الرئيس الأمريكي" 

معتبرة أن اعتراضه على المقترح الإيراني قد يكون مؤشراً على أن الخطة الإيرانية "أفضل"، في وقت ارتفعت فيه أسعار النفط بنحو 3 دولارات للبرميل، وسط استمرار المخاوف المرتبطة بالملاحة والطاقة في الخليج.

ماذا تضمن الرد الإيراني؟

تضمن الرد الإيراني، الذي نُقل إلى واشنطن عبر الوساطة الباكستانية، مطالب بوقف كامل للأعمال القتالية على جميع الجبهات المرتبطة بالحرب، ومن ضمن ذلك الجبهة اللبنانية، حيث تتواصل المواجهات بين "إسرائيل" و"حزب الله" بالتوازي مع الحرب الإيرانية الأمريكية الإسرائيلية المستمرة منذ أواخر فبراير 2026.

كما طالبت طهران بإنهاء الحصار البحري المفروض على موانئها، والسماح بتصدير النفط الإيراني بصورة طبيعية خلال فترة زمنية قصيرة، إضافة إلى الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، ورفع العقوبات الاقتصادية الأمريكية المرتبطة بالحرب والبرنامج النووي الإيراني.
 
وشددت إيران أيضاً في ردها على رفض أي وجود أو رقابة دولية داخل مضيق هرمز، مؤكدة أن أمن الملاحة في المضيق يمثل "مسؤولية إيرانية"، في حين كانت واشنطن قد طرحت سابقاً مقترحات تتعلق بإشراف دولي على الملاحة بعد الهجمات البحرية التي شهدها الخليج منذ مارس الماضي.

كما تضمن الرد الإيراني مطالب مرتبطة بالتعويضات، حيث دعت طهران الولايات المتحدة إلى تحمل مسؤولية الأضرار الناتجة عن الضربات الجوية التي استهدفت منشآت ومواقع إيرانية منذ اندلاع الحرب، إضافة إلى تقديم ضمانات قانونية بعدم تنفيذ هجمات جديدة مستقبلاً.

ما الذي تريده واشنطن؟

تقول تقارير أمريكية إن واشنطن كانت تدفع باتجاه اتفاق يبدأ أولاً بوقف شامل لإطلاق النار وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة فورية، قبل الدخول في مفاوضات تفصيلية مرتبطة بالملف النووي الإيراني، ومستقبل الفصائل المسلحة الحليفة لطهران في المنطقة، إضافة إلى أمن الملاحة البحرية.

ووفق ما نقلته وسائل إعلام أمريكية، فإن إدارة ترامب تعتبر أن استمرار إغلاق أو تهديد الملاحة في مضيق هرمز يمثل خطراً مباشراً على الاقتصاد العالمي، خصوصاً أن المضيق يمر عبره نحو خمس استهلاك النفط العالمي، إلى جانب كميات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال القادم من الخليج.

كما تسعى واشنطن إلى تضمين أي اتفاق قادم بنوداً مرتبطة بتقليص النفوذ العسكري الإيراني في المنطقة، خاصة في العراق وسوريا ولبنان واليمن، في ظل اتهامات أمريكية لإيران باستخدام حلفائها الإقليميين في تنفيذ هجمات ضد مصالح أمريكية وغربية منذ اندلاع الحرب.

وتشير تقارير غربية إلى أن البيت الأبيض لا يريد اتفاقاً مؤقتاً يقتصر على وقف إطلاق النار فقط، بل يسعى إلى ترتيبات أوسع تشمل البرنامج النووي الإيراني وأمن الطاقة والممرات البحرية، وهو ما تعتبره طهران محاولة لفرض شروط سياسية تتجاوز مسألة الحرب الحالية.

تأثير الأزمة على أسواق النفط

أدى تعثر المفاوضات ورفض ترامب للرد الإيراني إلى ارتفاع أسعار النفط العالمية بصورة فورية، حيث صعد خام برنت بنحو 3 دولارات للبرميل (11 مايو)، وسط مخاوف مرتبطة بإمكانية استمرار التوتر العسكري في الخليج وتعطل حركة الملاحة في مضيق هرمز.
 
وتشير تقارير ملاحية إلى أن حركة ناقلات النفط داخل المضيق تراجعت بصورة حادة منذ بداية مارس 2026، بعد تبادل الهجمات البحرية والطائرات المسيرة والصواريخ بين الأطراف المتحاربة، ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التأمين والشحن البحري بصورة كبيرة.

كما شهدت الأسواق العالمية اضطرابات مرتبطة بالطاقة، خصوصاً في آسيا وأوروبا، حيث تعتمد دول عديدة على النفط والغاز الخليجيين، بينما حذرت تقارير اقتصادية من أن استمرار الأزمة قد يدفع الأسعار إلى مستويات أعلى إذا تعطلت الإمدادات لفترات أطول.

وترافقت الأزمة أيضاً مع محاولات أمريكية لإنشاء ترتيبات بحرية جديدة لحماية الملاحة، من بينها مشروع "فريدوم" الذي طُرح خلال أبريل الماضي، لكنه واجه صعوبات مرتبطة برفض بعض الدول الإقليمية الانخراط في ترتيبات قد تؤدي إلى توسيع المواجهة العسكرية.

تحركات أخرى 

حتى الآن لم تعلن واشنطن أو طهران انهيار المفاوضات بصورة رسمية، لكن التصريحات المتبادلة خلال الساعات الأخيرة أظهرت اتساع الفجوة بين الطرفين، خصوصاً في القضايا المتعلقة بمضيق هرمز والعقوبات والتعويضات والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.

وفي المقابل لا تزال الوساطة الباكستانية مستمرة، حيث أكد مسؤولون في إسلام آباد أن بلادهم تواصل نقل الرسائل بين الجانبين، ضمن محاولات لمنع توسع الحرب وتحويل الخليج إلى ساحة مواجهة مفتوحة يصعب احتواؤها لاحقاً.
 
كما تتجه الأنظار إلى التحركات الدولية المقبلة، خاصة مع الحديث عن دور صيني محتمل في الضغط نحو تهدئة الأزمة، إلى جانب اتصالات أوروبية مرتبطة بأمن الطاقة وأسواق النفط، في ظل استمرار القلق العالمي من تداعيات الحرب على الاقتصاد الدولي.

ورغم التصعيد السياسي الحالي، لا تزال التحركات الدبلوماسية قائمة، في وقت تواصل فيه القوات الأمريكية والإيرانية رفع جاهزيتها العسكرية في الخليج، وسط مخاوف من أن يؤدي أي احتكاك جديد في مضيق هرمز أو الجبهات المرتبطة بالحرب إلى انهيار مسار التفاوض بالكامل.

سيناريوهات محتملة

ويقول أستاذ علم الاجتماع السياسي علاء عبد اللطيف إن رفض الرئيس الأمريكي دونالد ترامب للرد الإيراني لا يعني بالضرورة انهيار المفاوضات بصورة كاملة، "لكنه يكشف أن الطرفين انتقلا إلى مرحلة رفع السقف السياسي قبل أي اتفاق محتمل، خصوصاً مع ارتباط الحرب الحالية بملفات أكبر من مجرد وقف إطلاق النار، مثل مضيق هرمز والبرنامج النووي والنفوذ الإقليمي الإيراني".

وأضاف أن واشنطن تريد اتفاقاً يضمن أمن الملاحة ويعيد فتح المضيق تحت ترتيبات دولية، بينما تسعى إيران إلى تحويل نتائج الحرب إلى مكاسب سياسية واقتصادية، تشمل رفع العقوبات والحصول على ضمانات بعدم تكرار الضربات، وهو ما يجعل الخلاف حالياً يدور حول شكل "اليوم التالي" للحرب أكثر من مسألة التهدئة العسكرية نفسها.
 
ويشير إلى أن استمرار الوساطة الباكستانية والتحركات الدولية، خصوصاً الصينية والأوروبية، "يدل على أن قنوات التفاوض لا تزال مفتوحة، رغم التصعيد الإعلامي والسياسي المتبادل"، لافتاً إلى أن الطرفين يدركان أن أي انهيار كامل للمحادثات قد يدفع المنطقة نحو مرحلة أكثر خطورة على مستوى الطاقة والملاحة والاقتصاد العالمي.

ويوضح أن الأسابيع المقبلة ستكون مرتبطة بمسارين متوازيين "الأول عسكري يتعلق بمستوى التصعيد الميداني في الخليج والجبهات المرتبطة بالحرب، والثاني دبلوماسي يرتبط بقدرة الوسطاء على تقريب المواقف، خصوصاً في الملفات المتعلقة بمضيق هرمز والعقوبات والضمانات الأمنية المطلوبة من الجانبين".