حاتم أبو حاتم.. الجمهوري الذي لم ينكسر
ليس من السهل الكتابة عن رجل بحجم المناضل حاتم أبو حاتم، ذلك أن الأمر يتطلب استحضار تاريخاً طويلاً من المواقف النبيلة، والثبات الذي ندر في زمن تبدلت فيه الوجوه والمبادئ معاً.
قليلون أولئك الذين يجمع المختلفون على احترامهم، ويكاد كل من عرفهم يتفق على نقاء سريرتهم وصدق مواقفهم.
وكان أبو حاتم واحداً من هؤلاء القلائل الذين مروا في الحياة بخفة الكبار وأثرهم العميق.
رجل لم تغيّره السلطة، ولم تفسده المصالح، ولم تدفعه قسوة الحياة إلى التراجع عن قناعاته التي عاش مدافعاً عنها حتى آخر أيامه.
كان جمهورياً حتى النخاع، مؤمناً بالدولة المدنية وبقيم العدالة والمواطنة، ولم يتعامل مع الجمهورية كشعار سياسي عابر، بل كقضية حياة ووعي ومسؤولية.
وحين عصفت بالوطن رياح الانقسامات والحروب والانهيارات، بقي ثابتاً في موقعه، واضحاً في مواقفه، لا يناور ولا يهادن، ولا يبحث عن منطقة رمادية تضمن له السلامة الشخصية.
عرفه الناس صريحاً إلى حد الشجاعة، وشجاعاً إلى حد النبل.
لم يكن يخشى قول ما يؤمن به، حتى في أكثر اللحظات صعوبة، ولم ترهبه التهديدات ولا حملات التخوين التي كثيراً ما تطال أصحاب المواقف الواضحة.
كان يقول رأيه كما هو، دون تجميل أو حسابات، مؤمناً بأن الكلمة الصادقة مسؤولية وليست ترفاً.
ورغم خلفيته العسكرية الصارمة، ظل يحمل قلباً إنسانياً واسعاً.
لم يكن متعالياً على الناس، بل قريباً منهم، حاضراً في تفاصيلهم اليومية، مبادراً لفعل المعروف ما استطاع إلى ذلك سبيلاً.
كثيرون خرجوا من عنده بنصيحة، أو موقف دعم، أو كلمة صادقة أعادت إليهم شيئاً من الطمأنينة.
وكان من أولئك الرجال الذين يتركون أثرهم في النفوس دون ضجيج.
ما ميّز اللواء المهندس أبو حاتم أيضاً أنه ظل مؤمناً بالتعليم باعتباره السلاح الحقيقي لبناء اليمن.
كان يرى أن نهضة البلاد تبدأ من المدرسة والجامعة والعقل المتعلم، ولذلك ظل يحث أبناء منطقته ومحيطه الاجتماعي على طلب العلم والتسلح بالمعرفة.
وانعكس أثر ذلك بوضوح على أجيال كاملة من أبناء منطقته القبلية والريفية الذين تمكنوا من الوصول إلى الجامعات وحمل الشهادات العليا، مستلهمين من تشجيعه وإيمانه العميق بقيمة التعليم.
كان يؤمن باليمن حدّ اليقين. وبرغم كل ما شهده الوطن من انكسارات، ظل يحتفظ بداخله بمساحة أمل نادرة.
لم يكن من أولئك الذين يستسلمون سريعاً لليأس، بل كان يزرع التفاؤل في محيطه، ويكرر دائماً أن اليمن، مهما تعثّر، سيجد طريقه في النهاية نحو النهوض.
برحيل أبو حاتم، تخسر الحياة السياسية والوطنية واحداً من الرجال الذين يصعب تعويضهم؛ ليس فقط بسبب تاريخه النضالي، بل بسبب أخلاقه النادرة أيضاً.
فالسياسة يمكن أن تُنتج كثيراً من المسؤولين، لكنها نادراً ما تُنتج رجالاً يحتفظون بإنسانيتهم ونبلهم وسط كل هذا الخراب.
اليوم يغيب الجسد، لكن المواقف لا تموت. وتبقى سيرة الرجال الحقيقيين أطول عمراً من أعمارهم، لأنهم ببساطة يرحلون تاركين خلفهم أثراً لا يُمحى.
رحم الله المناضل الكبير حاتم أبو حاتم، وألهم أهله ومحبيه ورفاقه الصبر والسلوان.
* أ. عادل عبدالمغني