الكيانات اليمنية: إقطاعيات عسكرية لا كانتونات
يتم استخدام مصطلح “الكانتونات” لتوصيف حالة الكيانات التي ظهرت بعد تفكيك الجمهورية اليمنية، إلا أن هذا التوصيف غير صحيح ولا يتناسب مع الحالة اليمنية.
فالكيانات الموجودة في اليمن هي، في حقيقتها، إقطاعيات عسكرية، وهذا هو التوصيف السياسي الأدق لها، وهي بذلك تختلف جذريًا عن الكانتون الذي يشكل الوحدة المكونة للاتحاد السويسري.
فالكانتونات السويسرية هي كيانات محلية نشأت وتطورت خلال مرحلة تاريخية طويلة، تأسس بعضها قبل أكثر من 800 سنة، واتصفت في مجملها بطابع ديمقراطي واستقلالية نسبية عن الكانتونات الأخرى وعن العالم الخارجي، ولذلك شكلت نواة سليمة لاتحاد ناجح تشكل وتطور عبر قرون.
أما الإقطاعيات العسكرية في اليمن فهي، في حقيقتها، نتوءات ضارة في جسد الدولة اليمنية، نشأت في معظمها بفعل التدخل الخارجي المباشر وغير المباشر، وهو تدخل تحركه الأطماع والرغبة في الهيمنة على الجغرافيا اليمنية.
وبحكم هذه النشأة، فإن هذه الإقطاعيات لا تمتلك أي شرعية قانونية أو سياسية أو شعبية، ولا تمثيلًا حقيقيًا لسكان المناطق التي تتحكم بها.
فالإقطاعية الحوثية لا تمثل سكان المناطق التي تسيطر عليها، كما أن إقطاعية الزبيدي وأصحاب المثلث -المحلولة نظريًا- لم تمثل سكان عدن أو المحافظات الجنوبية.
وينطبق الأمر ذاته على إقطاعيات الإصلاح في مأرب وتعز، التي لا تمثل سكان تلك المناطق، كما أن إقطاعية طارق صالح في الساحل الغربي لا تمثل سكان تهامة، وكذلك الحال مع الإقطاعيات الأصغر الحالية أو التي ما تزال في طور التشكل.
فوجود هذه الإقطاعيات تحقق أساسًا عبر القوة العسكرية أو التمكين الخارجي، وهذا يختلف جذريًا عن الكانتون السويسري الذي هو كيان محلي نشأ وترعرع عبر قرون داخل سويسرا، وكان ولا يزال يمثل سكان تلك الكانتونات.
وبما أن الإقطاعيات العسكرية في اليمن ساهم الخارج في صناعتها بشكل كامل أو جزئي، فإن وظائفها الأساسية تتمثل في تنفيذ أجندة وخطط الصانع الخارجي.
وهذا لا يعني أنها لا تمتلك مشاريعها الخاصة، لكنها لا تملك القدرة على الاستقلال ورفض الإشراف الخارجي أو الوصاية، وإلا تعرضت للحل أو فقدت الغطاء السياسي.
صحيح أن بعض الإقطاعيات تمتلك قدرًا من القوة الذاتية، كحال إقطاعية الإصلاح في مأرب التي تستند إلى قوة التنظيم وموارد مأرب النفطية والغازية وتعدد الداعمين الخارجيين،
وكذلك إقطاعية الحوثيين التي تمتلك استقلالية نسبية عن إيران بحكم سيطرتها على مؤسسات وموارد الجمهورية اليمنية، إلا أن لا إقطاعية الإصلاح ولا الحوثيين، وبدرجات متفاوتة، قادرون على الاستغناء عن الداعم الخارجي.
الأمر الآخر أن الإقطاعيات العسكرية في اليمن لا تمتلك حدودًا ثابتة ومعترفًا بها كما هو حال الكانتونات السويسرية، والتي تمتلك حدودًا جغرافية واضحة ومعترفًا بها من الكانتونات الأخرى،
بينما الإقطاعيات العسكرية، بحكم نشأتها القائمة على الفرض العسكري والتمكين الخارجي، تمتلك حدودًا مطاطة تعتمد على قوتها ورغبة الداعم الخارجي وعلى قوة الخصوم.
ولذلك فإن هذه الحدود غير ثابتة، ويمكن أن تتغير بالكامل استنادًا إلى أي صراع عسكري قادم.
كما أن الحدود بين الإقطاعيات العسكرية ليست مفتوحة، إذ إن المرور من إقطاعية إلى أخرى يتم عبر حواجز ونقاط تفتيش، على عكس الحدود المفتوحة بين الكانتونات السويسرية.
إلى جانب ذلك، تتسم العلاقة بين هذه الإقطاعيات بالعداء السافر، كما هو حال إقطاعية الإصلاح وطارق صالح وأصحاب المثلث مع إقطاعية الحوثي، أو بالتنافس والشكوك والخوف المتبادل، كما هو الحال بين إقطاعية طارق صالح وإقطاعية الإصلاح في تعز، وبين الإقطاعيات المرتبطة بالمجلس الانتقالي سابقًا وإقطاعيات الإصلاح.
ووفقًا لذلك، فإن الإقطاعيات العسكرية في اليمن لا يمكن أن تنتج نظامًا سياسيًا يجمعها على غرار الاتحاد السويسري، لأنها بطبيعتها كيانات وجدت من أجل الحرب والصراع، لا من أجل بناء الدولة أو التكامل والتعاون.
إضافة إلى ذلك، فإن طابعها العسكري وفقدانها للشرعية الداخلية والخارجية يحتمان عليها أن تكون استبدادية، وأن تحتكر السلطة، وتمنع أي شكل من أشكال التعدد السياسي إلا في نطاق ضيق وشكلي، كما يفعل الإصلاح في تعز ومأرب، وطارق صالح إلى حد ما في إقطاعيته.
والحقيقة أن كل إقطاعية لا يمكنها أن تقبل بأي معارضة حقيقية أو تعدد سياسي فعلي، لأن التعدد هو النقيض المباشر لطبيعتها العسكرية الاستحواذية القمعية.
وتبعًا لذلك، فإن القمع يصبح أمرًا حتميًا، وتختلف درجته باختلاف حجم التهديدات.
فالإقطاعية الحوثية، بحكم أنها نبتة شيطانية مرفوضة داخل مناطق سيطرتها ومحاطة بالأعداء من الخارج، يصبح القمع الشديد والطغيان ضرورة حتمية لبقائها، وبدون ذلك ستنهار من الداخل أو يتم إسقاطها من الخارج.
وكذلك الحال بالنسبة لإقطاعية أصحاب المثلث، التي لم تكن تقبل بأي شكل من أشكال التعدد أو المعارضة داخل مناطق سيطرتها، خصوصًا في المناطق التي تعتبرها مناطقها الصلبة، كمناطق المثلث، وإلى حد ما مدينة عدن.
أما الإصلاح وطارق صالح وبعض الإقطاعيات التي تتشكل حاليًا في الشرق، فبحكم ضعف التهديدات الخارجية وحاجتها إلى إظهار نفسها ككيانات معتدلة ومتسامحة، تبدو درجة الاستبداد والطغيان فيها أقل من الحالة الحوثية،
إلا أن هذه الإقطاعيات يمكن أن تلجأ إلى القمع والطغيان إذا واجهت خطرًا وجوديًا. ومن ثم فإن حالة التسامح المحدودة ليست أصيلة ولا ثابتة.
وينسحب الأمر ذاته على الفساد والمحسوبية، حيث تصبح هذه الممارسات جزءًا ضروريًا من بنية الإقطاعيات العسكرية، لأن الفساد والمحسوبية يضمنان لها السيطرة والولاء.
وخلاصة الأمر أن الإقطاعيات العسكرية هي أدوات لهدم الدولة اليمنية، وأذرع للتدخلات الخارجية الظالمة، ووسائل لتمكين الخارج من الهيمنة والسيطرة على اليمن، كما أنها مشاريع فساد وطغيان واستبداد.
فكلما ترسخ وجودها ازداد فسادها وطغيانها داخل المناطق التي تسيطر عليها، وازداد في المقابل ارتهانها للخارج.
ومن ثم لا يمكن تصور أن هذه الإقطاعيات العسكرية يمكن أن تشكل نواة لدولة يمنية جديدة بأي صيغة كانت.
وهذا كله على النقيض تمامًا من الكانتونات السويسرية التي تطورت وأنتجت دولة نموذجية هي سويسرا، بينما الإقطاعيات العسكرية ليست سوى أدوات هدم، ومشاريع فوضى وتخلف وفقر وارتزاق وعمالة.
✍️ أ . عبدالناصر المودع
كاتب وباحث يمني