كيف يحوّل اليمنيون حرب إيران إلى فرصة؟
كثيرة هي الدروس والعظات والعِبر التي خرج ويخرج بها الجميع مما يمكن الاستفادة منه بعد ما جرى ولا يزال يجري في الكثير من بلدان المنطقة رغم أن شبح القتال والمزيد من العنف لا يزال يلوح في الأفق مهددا باحتمال تجدد الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران.
ربما كان اليمنيون هم أكثر شعوب المنطقة تطلعا إلى الاستفادة من نتائج هذه الحرب بما قد يجدون معه مناخا يصنعون خلاله قدرا من الخلاص النسبي الممكن من الصراعات الداخلية الجارية في بلادهم، وهي في الواقع حروب كما يعلم الجميع، غير أهلية بالمطلق بل بالوكالة لصالح طرف خارجي، تكابدها البلاد منذ أكثر من 12 عاما مضت.
ثمة حلول ومخارج سانحة أمام مختلف الأطراف اليمنية المتنازعة إذا أحسن الجميع تحويل نتائج حرب الشرق الأوسط إلى فرص يمكن اقتناصها وتطويرها والعمل بناء عليها، سيما أن عددا من الأطراف في مأزق وينشد الخروج منه باتفاق سلام سياسي "واقعي مقبول" وليس بالضرورة أن يكون مثاليا، إذ لا بد من تنازلات متبادلة مؤلمة ستكون حتما أقل وجعا من استمرار الحال على ما هو عليه الآن.
انشغال طهران بنفسها
معلوم أن الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران لم تحقق كامل أهدافها، لا بتدمير منشآته النووية أو برنامجها الصاروخي وتفكيك شبكة أذرعها، لكنها طالت كل شيء فيها تقريبا، وألحقت الموت بكبار قادتها والدمار بكل بناها العسكرية والأمنية وحتى الاقتصادية المدنية،
ولم تعد في وضع يؤهلها لاستئناف ذات اللعبة التي أجادتها طوال عقدين من الزمن في جعل وكلائها في المنطقة بمثابة الدرع الذي يدرأ عنها خطر المواجهة المباشرة مع أعدائها، وهنا تكمن الفرصة الأولى في أن إيران، بوصفها الداعم الرئيس لجماعة الحوثيين الموالية لها، منشغلة اليوم بمداواة جراحها ومعالجة آثار الحرب عليها، بل إنها اليوم أيقنت أنها ما لم تكن قادرة بنفسها على مواجهة هؤلاء الخصوم فما من فائدة لا تزال تُرجى من أذرعها، خصوصا وهي تشاهد المصير الذي يؤول إليه "حزب الله" اللبناني.
ويدرك الحوثيون، من جانبهم، خطورة الاستمرار في إسناد حليف لم يعد يُرى له مستقبل حقيقي يمكن الاعتماد عليه في نصرتهم، وهم على ما يبدو أقرب إلى التسليم بالأمر الواقع، أي القبول بأي صيغة للحل السياسي وهم في وضع عسكري جيد، أفضل من أن يذهبوا إلى الحل وهم أضعف إذا أُعيد استهدافهم عسكريا، بقوة هذه المرة، في خضم الحرب الدائرة مع إيران.
فرصة ارتباك وانكفاء الحوثيين
لعل المصير الذي يواجهه النظام الإيراني هو ما يجعل ميليشيات الحوثي تفكر هي الأخرى بمصيرها وبأنها تحتاج إلى الحفاظ على "مكاسبها" وعدم توسيع وتعقيد صراعاتها مع الداخل والإقليم والعالم، خصوصا أنها كانت توصلت مع التحالف الذي تقوده السعودية إلى ما يشبه "خارطة طريق" تضمنت خطوات نحو حل سياسي وهدنة مؤقتة بدليل الموافقة على ما يعد أكبر عملية لتبادل الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسريا لديها حتى وإن لم يكن ذلك من قبيل الإفراج عن "الكل مقابل الكل" كما يفترض أن يكون دليلا على حسن نواياها لإغلاق هذا الملف الإنساني الذي يعد أسوأ نتائج الحرب.
فالجماعة لا بد أنها تحاول الاحتفاظ بيدها على بعض الأوراق التفاوضية للمستقبل، حيث يعتقد بعض المحللين والباحثين في شؤونها أنها تكابد الآن حالة من الضعف بعد الضربات العنيفة التي تلقتها على يد الولايات المتحدة وإسرائيل، وأنها ليست في وارد العودة إلى جولات جديدة من الاقتتال مع الداخل رغم ما يُعتقد أنه لا يزال متوفرا لديها من قدرات عسكرية.
كما أن استمرار تصنيف الجماعة على رأس القائمة الأميركية لأخطر المنظمات الإرهابية العالمية يبقيها عرضة للعقوبات والملاحقة والاستهداف في أي لحظة، وربما كان توقيف القيادي في "حزب الله" العراقي محمد باقر السعدي في تركيا وترحيله إلى الولايات المتحدة الأميركية إشارة واضحة إلى إمكانية تكرار الشيء نفسه مع بعض القيادات الحوثية في أي مكان تذهب إليه خارج البلاد، وإن كان من غير المتوقع أن يكون من بين تلك القيادات من يمثل الخطورة نفسها أو التهديد للولايات المتحدة وأوروبا التي تقول واشنطن إن السعدي كان يشكلها.
تراجع النزعات الانفصالية
أحد المخارج المحتملة قد يتمثل في انخفاض الأصوات المطالبة بانفصال جنوب البلاد وذلك بعد حل المجلس الانتقالي الجنوبي، وفقدان هذه الأصوات الدعم السياسي والعسكري الذي كانت تتلقاه من خارج البلاد، ولنا أن نتذكر أن نحو 60 منظمة أو كيانا سياسيا انفصاليا حول العالم لا يجد آذانا صاغية لمطالباته، وآخر مثال على ما جرى بعد الرفض الأميركي والصيني لحديث تايوان عن عزمها على إعلان الاستقلال.
يرى بعض الشخصيات السياسية اليمنية أن اضطلاع الجارة السعودية بمهام كبيرة في إنهاء ازدواجية الدور الذي يقوم به التحالف الذي تقوده وإعادة ترتيب الأوضاع الأمنية والاقتصادية في اليمن خصوصا منذ إنهاء الفتنة في محافظتي المهرة وحضرموت جنوبي اليمن في ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي يمكن أن يشكل فرصة جيدة للبناء عليها في إنهاء حالة الانقسام السياسي داخل المعسكر المناهض للحوثيين ووضع الحكومة الشرعية اليمنية بكل مؤسساتها في بداية الطريق الصحيح نحو استعادة الدولة اليمنية على أساس من الشراكة والتكامل مع المنظومة الخليجية في ضوء نتائج الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران
حيث أثبتت تلك النتائج أنه ما لم يُصنع التكامل في هذه المرحلة بإرادة واعية، قائمة على تعميق الروابط السياسية والاقتصادية والإنسانية بين دول المنطقة فقد يُفرض غدا تحت ضغط الأزمات واقع وخيارات قسرية وتنازلات أشدّ إيلاما، وتكاليف لا يمكن التحكم في تبعاتها.
في التحليل النهائي، يمكن القول إن حال اليمنيين ضاق أكثر من أي وقت مضى بسبب طول أمد الصراع في بلادهم دون أفق أو مسار سياسي واضح نحو حل سلمي معين، وأن أغلب الظن أن الحل للصراع الدائر في وطنهم سيظل مرتبطا بتطورات الأحداث في الإقليم والعالم، لكن هذا لا يعني أنه لم يعد لديهم خيارات أو بدائل يمكن الذهاب إليها دون تردد أو انتظار لما سوف يحدث، وذلك لإيجاد حل من خلال اقتناص واستغلال الفرص القائمة من خلال حوار داخلي يمني-يمني مسؤول، بعيدا عن المبالغات السياسية أو الطموحات المناطقية غير العملية أو الواقعية.
من المهم من قبيل الموضوعية والإنصاف التذكير بأنه ما لم يأخذ اليمنيون زمام المبادرة بأيديهم فما من سبيل آخر لإخراجهم من النفق المظلم الذي تتخبط بلادهم في أتونه، فالشعوب لا تتحرر بواسطة أي تدخل أو عون خارجي مهما بلغ تأثيره وعمقه ومستواه، ذلك أن أي تدخل له- في نهاية المطاف- حدوده وأهدافه ومصالحه، بل قد تكون له عواقب غير متوقعة،
وعلى النخب السياسية اليمنية النازحة خارج البلاد أن تغادر حالة الاسترخاء والخدر التي تعيشها في بعض البلدان، وأن تعي أن فترات الاستضافة واستيعاب الأعداد الكبيرة من النازحين ليست بلا نهاية أو حدود خصوصا أن بعضها بات من وقت لآخر يفرض قيودا وشروطا على تزايد أعداد المقيمين والنازحين إليه لأسباب أمنية وضغوط يمثلها هؤلاء على الخدمات العامة لسكانها.
✍️ أ .أنور العنسي
صحفي ومراسل يمني في تلفزيون بي بي سي عربي.