Logo

لماذا أصبحت باكستان الوسيط الأهم بين إيران وأمريكا؟

 وصلت الجهود الباكستانية للوساطة أوجها في الأيام الماضية، فبعد زيارة لوزير الداخلية الباكستاني، محسن نقوي، إلى طهران التقى خلالها المسؤولين الذين يديرون ملف المفاوضات من الطرف الإيراني، توجه قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى العاصمة الإيرانية في إشارة إلى تقدم يتم تحقيقه عبر الرسائل التي تنقلها إسلام آباد بين طهران وواشنطن.

يكاد لا توجد مرحلة سابقة شهدت هذا الحجم من نشاط حكومة ما للوساطة بين إيران والولايات المتحدة.

وتوقفت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بوساطة باكستانية، ووافق البلدان على هدنة لمدة أسبوعين والدخول في مفاوضات. 

وهذه الهدنة جرى تمديدها لفترة ثانية وغير محددة المدة، بطلب من رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف وموافقة رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب.

كما عُقدت حتى الآن جولة واحدة من المفاوضات الحضورية بدعوة واستضافة وتسهيل من باكستان في إسلام آباد بين إيران والولايات المتحدة.

 وقد جرت المفاوضات المباشرة والحضورية بين جي.دي فانس نائب الرئيس الأمريكي، ومحمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني، بحضور رئيس الوزراء ووزير الخارجية وقائد الجيش الباكستاني، يومي 11 و12 نيسان/أبريل 2026 في إسلام آباد.

وتُعد هذه أول مفاوضات حضورية بين إيران والولايات المتحدة منذ انسحاب أمريكا من الاتفاق النووي لعام 2015 في عام 2018.

 كما أنها أعلى مستوى من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة منذ سقوط حكم الشاه عام 1979 وتأسيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية حتى اليوم.

كل هذه التطورات تدل على الجهود المكثفة وغير المسبوقة التي يبذلها الباكستانيون لإنجاح الوساطة بين إيران والولايات المتحدة، بهدف منع اندلاع الحرب مجدداً وتحويل الهدنة المؤقتة الحالية إلى حالة دائمة.

إيران وباكستان دولتان جارتان تربطهما علاقات سياسية وأمنية واقتصادية رفيعة المستوى، كما تجمعهما قواسم ثقافية وتاريخية ودينية مشتركة. وتعود سوابق الوساطة الباكستانية إلى عقود مضت. 

ففي أثناء الحرب العراقية – الإيرانية التي استمرت ثماني سنوات (1980 – 1988)، قامت باكستان بمحاولات وساطة بين إيران والعراق، لكنها لم تُكلل بالنجاح. كما تتولى باكستان حالياً رعاية المصالح الإيرانية في الولايات المتحدة.

فبعد قطع العلاقات بين أمريكا وإيران عام 1980 إثر اقتحام السفارة الأمريكية في طهران، تولت باكستان مسؤولية حماية المصالح الإيرانية في الولايات المتحدة. 

ويعمل حالياً مكتب رعاية المصالح الإيرانية في أمريكا ضمن السفارة الباكستانية في واشنطن، ويقدّم خدمات قنصلية للمواطنين الإيرانيين المقيمين في الولايات المتحدة، إضافة إلى إصدار التأشيرات للمواطنين الأمريكيين.

واعتبر المحلل الإيراني، أحمد فرتاش، في مقال في موقع «عصر إيران» أن أحد أسباب قبول إيران بالوساطة الباكستانية هو غياب القواعد العسكرية الأمريكية في باكستان. 

فعلى خلاف كثير من دول الخليج العربية، لا تستضيف باكستان قواعد عسكرية أمريكية دائمة. وهذا الأمر يمنح طهران ثقة أكبر باستقلالية القرار الباكستاني. 

وأضاف: «لو كانت باكستان، مثل بعض دول المنطقة، تستضيف آلاف الجنود الأمريكيين ومستودعات أسلحة ضخمة لهم، لما استطاعت طهران أن تثق بإسلام آباد بوصفها لاعباً محايداً أو على الأقل أقل خطورة». 

وتابع: «العلاقات العسكرية والسياسية الوثيقة بين الحكومة الباكستانية وإدارة ترامب تُعد سبباً آخر». 

فالجيش الباكستاني، ولا سيما قائده الجنرال عاصم منير، نجح في إقامة قنوات اتصال مباشرة وفعّالة مع دونالد ترامب. ويرى بعض المحللين أن إسلام آباد «عرفت كيف تتعامل مع ترامب» وتمكنت من تقديم نفسها له بوصفها شريكاً استراتيجياً.

وكتبت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية «إرنا» في تحليل لها أن امتداد الحرب الإسرائيلية والأمريكية ضد إيران إلى المنطقة يُعد جرس إنذار خطيرًا بالنسبة لباكستان. 

وأضافت «إرنا» أن خطر تنشيط الجماعات الإرهابية المسلحة في المناطق الحدودية بين إيران وباكستان يُعد مصدر قلق للطرفين. 

فهذه الحدود، من وجهة نظر باكستان، قد تتحول في حال اتساع الحرب في إيران واشتدادها إلى ممر لموجات كبيرة من اللاجئين نحو الأراضي الباكستانية. كما أن الجيش الباكستاني يخشى اختلال التوازن العسكري والأمني على حدوده الغربية مع إيران.

وقال جواد منصوري، السفير الإيراني الأسبق في إسلام آباد في حوار مع موقع «تسجيل وثائق الثورة الإسلامية»، بشأن أسباب دخول باكستان على خط الوساطة بين إيران وأمريكا: «اعتقد الأمريكيون أن الدول العربية تضررت من هذه الحرب، وقد لا ترغب أو لا تستطيع لعب دور الوسيط، 

لذلك اقترحوا أن تدخل باكستان، التي كانت بعيدة نسبيًا عن ساحة الحرب وتتمتع بعلاقات جيدة مع إيران، كوسيط. ومن الطبيعي أن ترحب باكستان بذلك لتحقيق مصالحها الخاصة من هذه الفرصة».

كما قال محمد حسين بني أسدي، القنصل الإيراني الأسبق في لاهور، في مقابلة مع صحيفة «شرق»: «بعد أن ابتعدت بعض الدول العربية في المنطقة، ولا سيما عُمان وقطر، تدريجيًا عن أداء دور نشط في الوساطة بين إيران وأمريكا، نشأ نوع من الفراغ الدبلوماسي في هذا المجال. 

وحاولت باكستان استغلال هذا الفراغ، مستندة إلى موقعها الجيوسياسي وشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية، لتتولى دور الوسيط؛ وهو دور كان يمكن أن يحقق لإسلام آباد مكاسب سياسية وأمنية واعتبارية».

وأضاف: «كانت باكستان تواجه، على الأقل، مصدرين استراتيجيين وحاسمين للقلق تجاه استمرار وتصاعد التوتر بين إيران والولايات المتحدة، وهما ما دفعاها في النهاية إلى لعب دور الوسيط. أول هذه المخاوف كان احتمال تحوّل الأزمة إلى مواجهة مباشرة وشاملة بين إيران والسعودية. 

فباكستان، بحكم علاقاتها الاستراتيجية والأمنية والعسكرية الواسعة مع الرياض، ترى نفسها ملتزمة تجاه السعودية، ومن الطبيعي أنها كانت ستتعرض لضغوط للوقوف إلى جانب الرياض إذا اندلعت حرب شاملة بين طهران والرياض. 

وكان مثل هذا السيناريو يعني بالنسبة لباكستان الانخراط في أزمة معقدة ومكلفة في محيطها الإقليمي. وتابع أسدي: «أما القلق الثاني لإسلام آباد فكان يتعلق بالتداعيات الأمنية والجيوسياسية لتوسع الأزمة الإيرانية على جنوب آسيا. 

فاستمرار الحرب أو تفاقم الوضع في إيران كان يمكن أن ينقل موجة من انعدام الأمن وعدم الاستقرار الاقتصادي والتطرف والاضطرابات الحدودية إلى المنطقة، ويؤثر كذلك في الأمن الداخلي الباكستاني. ولهذا دخلت باكستان مرحلة الوساطة».

أما عبدالمحمد طاهري، الخبير في الشؤون الدولية والملحق الثقافي الإيراني السابق في أفغانستان، فقال في شرحه لأبعاد الوساطة الباكستانية في المفاوضات الإيرانية – الأمريكية خلال حديثه مع وكالة «إيلنا» الإيرانية: «اختيار باكستان يعود إلى ثلاثة أسباب رئيسية.

 أولاً، أن باكستان وإيران حافظتا خلال الثلاثين أو الأربعين عامًا الماضية على علاقة جيدة وودية، ولم تشهد هذه العلاقة، بخلاف كثير من الدول الأخرى، تقلبات حادة. 

كما أن لكل من البلدين أهمية خاصة بالنسبة للآخر من نواحٍ مختلفة.

أما عن سبب اختيار الأمريكيين لباكستان، فيمكن القول إن باكستان تتمتع أولًا بقوة عسكرية كبيرة، وثانياً تمتلك سلاحاً نووياً، وثالثاً تشترك بحدود مع إيران، ورابعاً لديها أيضاً تقارب أيديولوجي نسبي مع إيران، إذ تضم شيعة وسنة معاً، إلى جانب التبادلات التجارية والاقتصادية وسائر أشكال العلاقات».

وتابع: «النقطة الثانية هي أن شهباز شريف كانت لديه علاقة جيدة مع ترامب خلال مؤتمر القاهرة؛ سواء كانت هذه العلاقة قد تشكلت آنذاك أو لأي سبب آخر، فإن ترامب كان يثق به».

وأكد: «أشعر أن الباكستانيين يؤدون دورهم بصورة صحيحة، بل أعتقد أنه إذا كان من المقرر أن تتقدم القضية المتعلقة بالتوتر بين إيران والولايات المتحدة من مختلف الجوانب، فإن الباكستانيين يمكنهم بالفعل أن يكونوا عامل تسهيل وأن يقودوا هذا المسار نحو نتيجة واضحة ومحددة».

 القدس العربي