Logo

من المنفى إلى الوطن: لماذا يخافون من الوعي أكثر من خوفهم من الجوع؟

 في بلادنا العربية عموماً، واليمن خصوصاً، يستطيع السياسي أن ينجو من الفشل، وأن ينجو من الفساد، وأن ينجو من الكوارث التي صنعها بيديه، لكنه يرتجف خوفاً إذا رأى مواطناً بدأ يفكر.

نعم، يفكر فقط.

لا يحمل سلاحاً، ولا يقود انقلاباً، ولا يملك قناة فضائية، ولا حتى ميزانية منظمة دولية. كل ما يملكه عقل بدأ يطرح الأسئلة. وهنا تبدأ المشكلة.

ولهذا لم يكن مستغرباً أن يتواصل بعض الشباب مع كتاب ومفكرين وصحفيين يمنيين في الداخل والخارج بحثاً عن فكرة، أو مشروع، أو مساحة للنقاش حول مستقبل مختلف. 

فالأجيال الجديدة بدأت تكتشف أن أكبر أزمة في اليمن ليست نقص الموارد، بل نقص الوعي السياسي والإداري والاجتماعي.

لدينا سياسيون يتحدثون عن الوطن منذ نصف قرن وكأنهم موظفون في قسم خدمة العملاء للتاريخ. الوجوه نفسها، والخطابات نفسها، والوعود نفسها، وحتى الأعذار نفسها.

كلما فشلوا قالوا: الظروف.

وكلما انهارت مؤسسة قالوا: المؤامرة.

وكلما ضاع جيل قالوا: المرحلة الانتقالية.

حتى أصبح اليمن يعيش أطول مرحلة انتقالية في التاريخ الحديث، وكأن البلد ينتقل من محطة إلى محطة دون أن يصل إلى أي مكان.

المفارقة المضحكة المبكية أن كثيراً من النخب تتحدث عن الحرية بينما تخاف من النقد، وتتحدث عن الديمقراطية بينما لا تقبل الرأي المختلف، وتتحدث عن الدولة المدنية بينما تدير مؤسساتها بعقلية شيخ القبيلة أو قائد المليشيا.

لقد تحولت السياسة عند بعضهم إلى شركة عائلية مغلقة. المناصب تتوارث، والأخطاء تتوارث، والفشل يتوارث، أما المسؤولية فلا أحد يرثها.

وفي وسط هذا المشهد يقف المواطن اليمني حائراً.

يرى قادة يتحدثون باسم الشعب منذ عشرات السنين، لكنه لا يجد الشعب في حساباتهم.

يرى مشاريع إنقاذ لا تنقذ أحداً.

ومؤتمرات حوار لا تتحاور مع الواقع.

وخطباً وطنية لا تضيء مصباحاً في بيت فقير.

والنتيجة أن قيمة الإنسان اليمني تتراجع يوماً بعد يوم.

أصبح المواطن رقماً في نشرات الأخبار، وصورة في تقرير إغاثي، وحالة إنسانية في ملف أممي.

بينما الأصل أن يكون الإنسان هو الغاية من السياسة، لا ضحيتها.

إن أخطر ما يهدد اليمن اليوم ليس الانقسام السياسي فقط، ولا الأزمة الاقتصادية فقط، ولا حتى الحرب نفسها، بل انهيار الإيمان بقيمة الإنسان.

حين يصبح الدم رخيصاً، والكرامة قابلة للمساومة، والعدالة مؤجلة إلى إشعار آخر، فإن المجتمع كله يبدأ بالتآكل من الداخل.

ولهذا فإن بناء الوعي لم يعد ترفاً فكرياً، بل ضرورة وطنية.

الوعي الذي يعلم الناس كيف يميزون بين الزعيم وصانع الأزمات.

بين الدولة والسلطة.

بين الوطنية والشعارات.

بين النقد والخيانة.

وبين الدين كقيمة أخلاقية والدين كأداة سياسية.

قد يكون صاحب الفكرة خارج اليمن، وقد يكون في منفى بعيد، لكن الأفكار لا تحتاج إلى جواز سفر. الأفكار تعبر الحدود بسهولة أكبر من السياسيين أنفسهم.

ولعل المفارقة الساخرة أن كثيراً من الذين دمروا الواقع كانوا داخل البلاد، بينما كثير من الذين يحاولون فهمه وإصلاحه أصبحوا خارجها.

في النهاية، لا يحتاج اليمن إلى قديسين جدد، ولا إلى زعماء معصومين، ولا إلى نسخ جديدة من الفشل القديم.

يحتاج فقط إلى مجتمع يؤمن أن الإنسان أغلى من السلطة، وأن الكرامة أهم من الشعارات، وأن الوطن ليس مزرعة للنخب، بل بيتاً لكل أبنائه.

وعندما يدرك الناس هذه الحقيقة، سيكتشفون أن أكثر ما كانت تخشاه منظومات الفشل طوال العقود الماضية لم يكن السلاح، بل الوعي.

د. فيروز الولي