السعودية واليمن.. ثمن التأجيل
لم تكن السياسة السعودية تجاه اليمن يوماً سياسة حلٍّ، بل كانت في جوهرها سياسةَ تأجيل. تأجيل المواجهة، وتأجيل القرار، وتأجيل السؤال الجوهري الذي ظلّ معلّقاً عقوداً: ماذا نريد من اليمن؟ وماذا نريد لليمن؟
والتأجيل في السياسة ليس حياداً، بل هو في الغالب قرار مقنّع باللاقرار. وحين يطول التأجيل، لا يبقى الوضع على ما هو عليه، بل يتفاقم ويتعفّن، حتى تفقد السياسة التي صُمِّمت لضبطه القدرةَ على احتوائه.
لقد قامت المقاربة التقليدية تجاه اليمن، لعقود طويلة، على فكرة إدارة التوازنات أكثر من المساهمة في بناء دولة تتجاوزها، وإدارة التناقضات أكثر من إنهائها، وعدم المساعدة على تشكل مركز وطني قوي قادر على إنتاج قرار مستقل ومستقر..
بالتأكيد المسئولية الأولى تقع على عاتق اليمنيين عما آلت إليه أوضاع بلادهم، غير أن السنوات العشر الأخيرة شهدت انتقال مركز القرار الفعلي إلى الرياض بفعل ظروف الحرب وضعف النخبة اليمنية.
وهكذا تُرك اليمن في منطقة رمادية طويلة، لا هو دولة مستقرة قادرة، ولا هو حالة انهيار نهائي تُفرض معالجتها. مجرد جسد سياسي مُنهك تُعطى له جرعات بقاء تكفي لمنع موته، لكنها لا تكفي ليستعيد عافيته.
غير أن أخطر ما في هذه السياسة أنها انتهت، مع الوقت، إلى إنتاج التهديد الذي كانت تحاول منعه.
حين انهارت الدولة اليمنية، لم يكن الحوثي وحده في انتظار اللحظة.
كانت طهران تراقب بعين خبيرة وصبر استراتيجي بعيد المدى.
فإيران التي خسرت رهاناتها في أكثر من ساحة، وجدت في اليمن ما لم تجده في غيره: موقعاً جيوسياسياً نادراً، وحركة جاهزة للتوظيف، وفراغاً سياسياً وعسكرياً يُغري بالتمدد.
فاليمن، بإشرافه على الممرات البحرية الحيوية وارتباطه المباشر بأمن الخليج، يمنح أي قوة تسيطر على جزء مؤثر منه قدرة تتجاوز حجمها الحقيقي بكثير.
وهكذا تحولت جماعة محلية محدودة، بفعل الفراغ الداخلي وقوة الموقع الجيوسياسي لليمن، إلى مصدر تهديد إقليمي ودولي يمس أمن المنطقة بأكملها.
ولهذا لم يعد السؤال الحقيقي والأكثر أهمية أمام السعودية اليوم هو كيف تُدار الأزمة اليمنية، بل متى يُتخذ القرار بالانتقال من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل...
إن نقطة البداية في أي تحول جاد يجب أن تكون إخراج اليمن من الأدراج الأمنية إلى المجال السياسي الحقيقي، أي الانتقال من سياسة الاحتواء المؤقت، وما رافقها من إدارة للتناقضات السياسية والاجتماعية بأبعادها المذهبية والمناطقية، إلى مشروع واضح لاستعادة الدولة اليمنية وفقاً للمرجعيات التي تدخّل بموجبها التحالف العربي،
ويبدأ ذلك بإصلاح الشرعية نفسها، التي أضعفها التشظي وتعدد مراكز القرار وتضارب الأولويات. فلا يمكن مواجهة مشروع منظم ومتماسك مثل الحوثي عبر معسكر مفكك ومتعدد الولاءات.
وحين تستعيد الدولة اليمنية قدراً من التماسك، سيتغير شكل المعادلة بالكامل. وسيجد الحوثي نفسه أمام خيارين لا ثالث لهما: سلام عادل يحفظ الثوابت الوطنية ويضمن الشراكة السياسية، أو استمرار الحرب.
غير أن التحدي الحقيقي للمرحلة التالية لا يكمن في إنهاء الصراع، بل في منع إعادة إنتاج أسبابه.
فاليمن لا يحتاج إلى جرعات إنعاش بقدر ما يحتاج إلى مشروع إنقاذ شامل، مشروع يعيد بناء الاقتصاد والبنية التحتية ومؤسسات الدولة، وينقل اليمن من حالة الاعتماد الدائم على المساعدات إلى حالة الاندماج الحقيقي في محيطه الخليجي.
ومقاربة بهذا الحجم ليست عملاً خيرياً، بل استثمار استراتيجي بعيد المدى في أمن المنطقة واستقرارها.
فاليمن المستقر يمكن أن يتحول إلى رافعة اقتصادية وبشرية وأمنية مهمة للخليج، بينما اليمن المنهار سيظل مصدراً دائماً لإعادة إنتاج الأزمات والتهديدات.
إن السعودية تقف اليوم أمام لحظة مراجعة استراتيجية حقيقية:
إما الاستمرار في إدارة اليمن كملف أمني مؤجل بكل ما يحمله ذلك من استنزاف ومخاطر، أو الانتقال إلى مشروع طويل المدى يقوم على استعادة الدولة اليمنية وإدماجها في المنظومة الخليجية، ليتحول اليمن من مصدر تهديد محتمل إلى شريك طبيعي في أمن المنطقة واستقرارها.
الدول لا تحصد في جوارها إلا ما تزرعه، وحين يُترك اليمن معلقاً بين الضعف والانهيار، فإن كلفة الانتظار تصبح مع الوقت أعلى من كلفة الحل، وكلفة إدارة الأزمة أكبر من كلفة إستعادة الدولة.
أ. صالح الجبواني
وزير النقل اليمني السابق